الغيرة ليست السبب.. لماذا يزعجنا نجاح شريك الحياة أحيانا؟
الجزيرة.نت -

تبدأ معظم العلاقات العاطفية برحلة يسير فيها الطرفان بخطى متقاربة؛ الاهتمامات نفسها، الطموحات المتشابهة، وحتى الإيقاع اليومي الواحد. لكن الحياة، بطبيعتها، لا تبقي الأشياء على حالها. فقد يقرر أحد الشريكين العودة إلى مقاعد الدراسة، أو الالتزام ببرنامج رياضي صارم، أو تغيير مساره المهني، أو إنقاص وزنه، أو حتى توسيع دائرة صداقاته. وبينما يبدو كل ذلك، للوهلة الأولى، إنجازا شخصيا يستحق الاحتفاء، فإنه قد يترك في الوقت نفسه أثرا غير متوقع على العلاقة ذاتها.

السؤال هنا ليس عن جودة التغيير أو سوئه، فالتطور الشخصي في حد ذاته أمر إيجابي لا جدال فيه. السؤال الأهم هو: ماذا يحدث حين يتقدم أحد الطرفين بخطى سريعة نحو نسخة أفضل من نفسه، بينما يشعر الآخر أنه ما زال يقف في المكان ذاته؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
التغيير لا يهدد الحب.. لكنه يزعزع التوازن

ليس من الغريب أن يشعر أحد الزوجين بشيء من الارتباك حين يلاحظ أن شريكه أصبح أكثر ثقة بنفسه، أو أكثر انشغالا، أو اكتسب اهتمامات جديدة لم تكن جزءا من حياتهما المشتركة.

فالعلاقات تبني مع الوقت توازنا خفيا قائما على عادات وتوقعات وأدوار اعتاد عليها الطرفان، وحين يتغير أحد الشريكين، لا يتغير شخصه فقط، بل يتغير جزء من المعادلة التي تحكم حياتهما المشتركة.

ولهذا قد يكون نجاح الشريك أكثر تأثيرا من نجاح شخص بعيد؛ فترقية صديق أو تغير نمط حياته قد يثير الإعجاب، ثم تنتهي المقارنة بانتهاء الحديث، بينما يحدث تطور الشريك أمامك كل يوم، ويصبح جزءا من تفاصيل حياتكما المشتركة. ومن هنا قد تظهر أسئلة صامتة: هل أصبحت متأخرا عنه؟ وهل تغيرت مكانتي في العلاقة؟ وهل سيظل يرى علاقتنا بالطريقة نفسها؟

ليست غيرة دائما بل شعورا بالتهديد

قد يكون من غير الدقيق اختزال هذه المشاعر في كلمة "غيرة". أحيانا لا يكون الانزعاج موجها إلى نجاح الشريك، وإنما إلى ما يكشفه هذا النجاح عن الذات.

فقد يشعر أحد الطرفين بالفخر لأن شريكه خسر وزنا أو تطور مهنيا أو أصبح أكثر ثقة، ثم يجد نفسه في الوقت ذاته أمام إحساس مزعج بأنه لم يتحرك بالسرعة نفسها. وقد يرتبط الأمر أيضا بالخوف من أن يؤدي التغيير إلى تغير العلاقة نفسها: مزيد من الانشغال، أو دائرة اجتماعية جديدة، أو أولويات مختلفة، أو ثقة أكبر قد تعيد تشكيل طريقة كل طرف في النظر إلى الآخر.

إعلان

وهنا يصبح التحدي الحقيقي ليس في الإنجاز، وإنما في قدرة العلاقة على استيعاب النسخة الجديدة من كل طرف من دون أن يشعر أحدهما بأنه يفقد موقعه أو قيمته.

العلاقات تبني مع الوقت توازنا خفيا قائما على عادات وتوقعات وأدوار اعتاد عليها الطرفان (شترستوك)
عندما تتحول المقارنة إلى ضغط صامت

ومع الوقت، قد تتحول هذه المشاعر إلى مقارنة داخلية لا تحتاج حتى إلى أن تُقال بصوت عال. أحد الزوجين يلتزم بالرياضة، بينما يشعر الآخر أنه عالق وسط مسؤولياته؛ أحدهما يحقق تقدما في العمل، بينما يرى الآخر خططه الشخصية مؤجلة؛ أو يبدأ أحدهما في توسيع دائرة اهتماماته وعلاقاته، فيشعر شريكه بأنه لا يزال في المكان نفسه.

وتزداد المقارنة تعقيدا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لا يقارن الإنسان نفسه بالآخرين فحسب، بل يقارن علاقته أيضا بما يراه من علاقات تبدو أكثر سعادة أو نجاحا أو رومانسية.

وعندما تنتقل هذه الآلية إلى الحياة الزوجية، يصبح الشريك نفسه مرآة دائمة لما يعتقد الطرف الآخر أنه لم يحققه بعد. عندها قد يتحول الإعجاب إلى ضغط، والفخر إلى شعور بعدم الكفاية، والعلاقة من مساحة يتشارك فيها الطرفان النمو إلى مساحة يشعر فيها أحدهما، ولو من دون قصد، أنه يخوض سباقا مع الشخص الذي يفترض أن يكون شريكه.

المشكلة ليست أن أحدهما تغير.. بل إن العلاقة لم تتغير معه

حين يبدأ أحد الشريكين مرحلة جديدة من حياته، لا يحتاج الأمر إلى أن يتراجع حتى يشعر الآخر بالأمان، بل إلى أن تتكيف العلاقة مع هذه المرحلة.

فقد تظهر المشكلة في تفاصيل يومية صغيرة: شكوى من كثرة الانشغال، اعتراض على أصدقاء جدد، أو التقليل من أهمية إنجاز ما. لكن خلف هذه المواقف يوجد سؤال أكبر: كيف ستبدو علاقتنا بعد هذا التغيير؟ وهنا يصبح الحوار ضروريا لفهم مخاوف الطرف الآخر واحتياجاته، وإعادة ترتيب العلاقة بما يستوعب واقعها الجديد.

وتشير مراجعة علمية نشرت في مراجعات "نيتشر" (Nature) الطبية في علم النفس، إلى أن العلاقة بين تقدير الذات وجودة العلاقات العاطفية ليست مباشرة بالضرورة، بل تتأثر بعوامل مثل الثقة والسلوكيات المتبادلة بين الشريكين، بما ينعكس على الرضا عن العلاقة.

لذلك، لا يكمن الحل في تراجع أحد الطرفين، بل في إعادة ترتيب العلاقة بما يواكب التغيير، عبر الحوار الصريح حول المخاوف والاحتياجات والتوقعات، حتى يصبح اختلاف وتيرة التطور بينهما فرصة للتكامل لا سببا للمنافسة.

الشريك الذي يتغير ليس بالضرورة شريكا يبتعد، كما أن اختلاف وتيرة النمو لا يعني اختلاف الاتجاه (شترستوك)
ليس مطلوبا أن ينمو الشريكان بالسرعة نفسها

من أكثر الأفكار المرهقة داخل العلاقات الاعتقاد بأن نجاح العلاقة يتطلب أن يحقق الطرفان الإنجازات نفسها وفي التوقيت نفسه، لكن الأمور لا تسير بهذه الطريقة.

قد يكون أحدهما في مرحلة صعود مهني بينما يركز الآخر على الأسرة، أو قد يكون أحدهما مستعدا لتغيير نمط حياته في الوقت الذي يحتاج فيه الآخر إلى فترة أطول قبل اتخاذ الخطوة نفسها.

ولا يعني اختلاف الإيقاع أن أحد الطرفين يتقدم والآخر يتراجع؛ المهم أن يشعر كل منهما بأن تطور الآخر لا يسحب منه مكانه في العلاقة، وأنه يملك بدوره مساحة للنمو، حتى لو كان نموه مختلفا.

النجاح الحقيقي أن تتسع العلاقة للتغيير

ربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا يزعجني نجاح شريكي؟ وإنما: ماذا كشف لي هذا النجاح عن نفسي وعن علاقتنا؟ فقد يكشف عن هدف مؤجل، أو ثقة تحتاج إلى استعادة، أو خوف من فقدان المكانة، أو حاجة إلى إعادة ترتيب الوقت والأولويات.

إعلان

الشريك الذي يتغير ليس بالضرورة شريكا يبتعد، كما أن اختلاف وتيرة النمو لا يعني اختلاف الاتجاه. فالعلاقات الناجحة لا تمنع التغيير، بل تستوعبه؛ لأن كلا الطرفين سيتغير مع مرور الوقت، وستتبدل الوظائف والاهتمامات والأولويات.

لذلك لا تقاس قوة العلاقة بتزامن الإنجازات، وإنما بقدرتها على منح كل طرف مساحة للنمو من دون أن يتحول نجاح أحدهما إلى تهديد للآخر. وربما يكون تطور أحدهما فرصة لتجديد العلاقة نفسها، بدلا من أن يصبح سببا في ابتعادهما.



إقرأ المزيد