كوثر بن هنية: تحقيق إسرائيل في مقتل هند رجب ستار دخاني
الجزيرة.نت -

Published On 24/8/2026

|

آخر تحديث: 19:02 (توقيت مكة)

انتقدت المخرجة التونسية كوثر بن هنية إعلان الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق جنائي في مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب، واعتبرت أن الخطوة جاءت متأخرة أكثر من عام، ولا تمثل بديلا عن تحقيق مستقل يضمن العدالة لهذه الطفلة وغيرها من ضحايا الإبادة في قطاع غزة. وذكرت مجلة "هوليود ريبورتر" (The Hollywood Reporter) أن كوثر -مخرجة الدراما الوثائقية المرشحة للأوسكار "صوت هند رجب" (The Voice of Hind Rajab)- وصفت التحقيق العسكري الإسرائيلي بأنه "ستار دخاني" وشككت في جدية أن تحقق المؤسسة المتهمة في سلوك قواتها بنفسها، بينما تظل الأدلة المتعلقة بمقتل الطفلة الفلسطينية متاحة منذ يناير/كانون الثاني 2024.

وجاء موقف المخرجة بعدما أقرّ الجيش الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، بأن قواته أطلقت النار على السيارة التي كانت تقل هند و5 من أفراد عائلتها في مدينة غزة، وكذلك على سيارة الإسعاف التي أرسلها الهلال الأحمر الفلسطيني لإنقاذها. وأسفر إطلاق النار عن مقتل هند وأقاربها الخمسة والمسعفين الاثنين، فيما أعلن جيش الاحتلال فتح تحقيق جنائي في تصرفات القوات المشاركة بالواقعة.

وتساءلت المخرجة التونسية، في منشور عبر حسابها على "إنستغرام" عن سبب انتظار أكثر من عام قبل إعلان التحقيق، وقالت إن الأدلة لم تكن غائبة خلال تلك الفترة، وأشارت إلى ما نشرته تحقيقات مستقلة وصور الأقمار الاصطناعية والتحليلات الباليستية المتعلقة بموقع الدبابات ومسار إطلاق النار.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وأضافت أن الدليل الأكثر إيلاما هو صوت هند نفسها، المسجل خلال اتصالها بالهلال الأحمر الفلسطيني، إذ وصفت وجود آليات إسرائيلية تحيط بها، وطلبت إنقاذها بعدما وجدت نفسها وحيدة بين جثامين أقاربها داخل السيارة. ورأت المخرجة أن انتظار المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لتقرر التحقيق في أفعالها ينبغي ألا يكون شرطا لأخذ الأدلة المتاحة بجدية.

إعلان

وقالت كوثر إن الإعلان لا يقدم حتى الآن مسارا مستقلا للمحاسبة، وإنما يبقي التحقيق داخل الجهة التي تطاول الاتهامات أفرادا تابعين لها.

ليست عملية علاقات عامة

ربطت المخرجة توقيت الإعلان بالاهتمام الدولي الذي حظيت به قضية هند، وقالت إن الحالات التي اختار الجيش الإسرائيلي الحديث عنها هي تحديدا القضايا التي جعلها ضغط الرأي العام العالمي من الصعب تجاهلها. وتساءلت عن مصير الضحايا الآخرين الذين لم تصل أسماؤهم أو قصصهم إلى وسائل الإعلام والجمهور الدولي، معتبرة أن كثيرا من حالات القتل لم تتمكن من اختراق "جدار اللامبالاة الدولية" ولم تتحول إلى قضايا معروفة تستدعي ردا إسرائيلياً.

وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل قتل الفلسطينيين في قطاع غزة، بالتزامن مع تصاعد ممارسات جيش الاحتلال في الضفة الغربية، ولذلك لا يمكن فصل الإعلان عن التحقيق في قضية هند عن السياق المستمر الذي تقع داخله الانتهاكات.

وأكدت أن المطلوب ليس "عملية علاقات عامة" وإنما إجراء تحقيق مستقل يستطيع تحديد المسؤوليات وتحقيق العدالة. وقالت إن العدالة يجب ألا تقتصر على هند، بل تشمل جميع ضحايا الإبادة في غزة.

ولا ترفض المخرجة التحقيق من حيث المبدأ، لكنها تشكك في استقلاليته وموعد إطلاقه، إذ ترى أن الجهة التي تخضع قواتها للتحقيق لا يمكن أن تكون وحدها صاحبة القرار في جمع الأدلة وتحديد المسؤوليات وإعلان النتائج.

والدة هند تطالب بتحقيق مستقل

اتخذت وسام حمادة (والدة الطفلة الشهيدة) موقفا مماثلا، وطالبت بتحقيق مستقل في مقتل ابنتها، متسائلة عن سبب تأخر الجيش الإسرائيلي في الاعتراف بإطلاق النار على السيارة وسيارة الإسعاف. وقالت لوكالة أسوشيتد برس إن إعلان التحقيق بعد مرور أكثر من عام يمثل، في تقديرها، محاولة لصرف الأنظار عما يحدث في قطاع غزة وتحسين صورة الجيش الإسرائيلي أمام العالم.

الملصق الدعائي لفيلم "صوت هند رجب" (الجزيرة)

ويأتي التشكيك في ضوء أن الوقائع الأساسية للقضية لم تظهر للمرة الأولى مع الإعلان الإسرائيلي الجديد، فقد نشر الهلال الأحمر الفلسطيني تسجيلات اتصالات هند وقريبتها ليان حمادة منذ وقوع الحادث، وتناقلت وسائل إعلام ومؤسسات حقوقية تفاصيل المكالمات ومساعي إرسال سيارة الإسعاف لإنقاذ الطفلة.

وكانت هند، البالغة من العمر 5 أعوام، داخل سيارة مع أفراد من عائلتها في مدينة غزة أثناء محاولتهم الفرار من تقدم القوات الإسرائيلية. وبعد إطلاق النار على السيارة، اتصلت ليان (ابنة عم هند البالغة 15 عاما) بالهلال الأحمر وطلبت المساعدة، قبل أن ينقطع صوتها عقب سماع إطلاق نار في التسجيل. وواصلت هند بعد ذلك الاتصال بطواقم الهلال الأحمر، وبقيت لساعات تطلب النجدة وهي محاصرة داخل السيارة.

وأرسل الهلال الأحمر سيارة إسعاف بعدما حصل، وفق روايته، وإجراء تنسيق يسمح للمسعفين بالوصول إلى الموقع، لكن الاتصال انقطع بالطاقم. وعُثر لاحقا على جثمان هند مع جثامين أقاربها داخل السيارة، كما عُثر على المسعفين يوسف زينو وأحمد المدهون مقتولين داخل سيارة الإسعاف المدمرة بالقرب من المكان.

الصوت الذي أصبح فيلما

اعتمدت المخرجة التونسية على التسجيلات الحقيقية لاتصالات هند وليان في بناء فيلم "صوت هند رجب" بدلا من تقديم إعادة تمثيل تقليدية للطفلة أو تصوير ما جرى داخل السيارة. وتدور معظم الأحداث داخل مركز اتصالات الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث يحاول الموظفون إبقاء هند على الهاتف، وتهدئتها، وتحديد موقعها، والحصول على الموافقات اللازمة لإرسال سيارة الإسعاف إليها.

إعلان

واستخدم العمل أصوات هند وليان المسجلة، بينما أدى ممثلون أدوار العاملين في غرفة العمليات. وبهذا وضع الفيلم صوت الطفلة في مركز الحكاية، وجعل إجراءات التنسيق والانتظار والعجز عن الوصول إليها جزءا من المأساة، لا مجرد خلفية إدارية لها.

ويعرض هذا الفيلم مقتل هند ليكشف المسافة بين استغاثة طفلة واضحة ومباشرة، وبين النظام العسكري والإداري الذي منع وصول الإنقاذ إليها في الوقت المناسب.

وكانت المخرجة قد قالت في مقابلة سابقة مع "هوليود ريبورتر" إن العالم لا يستطيع الاستمرار من دون محاسبة، وأعربت عن أملها في أن يصبح فيلم "صوت هند رجب" جزءا من تغيير يقود إلى العدالة. وأضافت أن امتلاك القوة العسكرية الأكبر لا ينبغي أن يمنح أي طرف الحق في حكم العالم أو الإفلات من المسؤولية.

حضور دولي وجوائز

حقق "صوت هند رجب" حضورا واسعا في المهرجانات والجوائز الدولية، وفاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان فينيسيا السينمائي، كما حصل على ترشيحين لجائزتي الأوسكار والبافتا. وأسهمت عروض الفيلم في إبقاء قصة هند حاضرة خارج إطار التغطية اليومية للحرب، ونقل تسجيلاتها إلى جمهور سينمائي دولي ربما لم يكن قد تابع التفاصيل الكاملة للقضية عند وقوعها.

المخرجة التونسية كوثر بن هنية، والممثل الفلسطيني معتز مليس، يرفعان صورة الطفلة هند رجب (غيتي)

وجعل النجاح الدولي للفيلم قضية استشهاد هند واحدة من أكثر حالات قتل الأطفال الفلسطينيين حضورا في المجال الثقافي العالمي، وهو ما يفسر إشارة المخرجة التونسية إلى أن الإعلان الإسرائيلي جاء بشأن قضية لم يعد ممكنا تجاهلها. لكن كوثر تحذر من أن شهرة هند لا ينبغي أن تجعل العدالة مرتبطة بقدرة الضحية على جذب الإعلام أو التحول إلى موضوع لفيلم ناجح.

وبينما لم تُعلن بعد نتائج التحقيق الإسرائيلي أو تفاصيل الجهة التي ستجريه وصلاحياتها، تتمسك مخرجة الفيلم ووالدة هند بمطلب التحقيق المستقل، على أساس أن الاعتراف بإطلاق النار وفتح ملف داخلي لا يساويان تحديد المسؤولية الجنائية أو ضمان المحاسبة.

ويعيد الإعلان الإسرائيلي قضية هند إلى الواجهة بعد أن أعاد الفيلم صوتها إلى الجمهور العالمي، لكنه لا ينهي الأسئلة التي لاحقت الواقعة منذ وقوعها حول القاتل الحقيقي للطفلة والعائلة والمسعفين.



إقرأ المزيد