القمر ليس معقما تماما؟ ميكروبات أرضية قد تدخل في "سبات" على سطحه
الجزيرة.نت -

Published On 23/8/2026

لطالما اعتبر العلماء سطح القمر واحدا من أكثر البيئات قسوة في النظام الشمسي؛ إذ يتعرض للإشعاع والفراغ والبرودة والحرارة الشديدة، مما جعل فرص بقاء الكائنات الحية القادمة من الأرض تبدو ضئيلة للغاية. لكن دراسة جديدة تقترح أن بعض الميكروبات قد تتمكن من البقاء هناك، ليس وهي تنمو وتتكاثر، وإنما في حالة خاملة قد تمتد فترات طويلة.

تصوير مرئي للقطب الجنوبي للقمر اعتمادا على بيانات مركبة الاستطلاع القمري التابعة لناسا (ناسا)

وكانت دراسة سابقة نُشرت عام 2019 قد خلصت إلى أن الأشعة فوق البنفسجية وحرارة الشمس تمثلان أكبر عائقين أمام بقاء الميكروبات على سطح القمر. غير أن الباحثين في الدراسة الجديدة يرون أن هذه الصورة لم تأخذ في الحسبان اختلاف تضاريس القمر، ولا الحماية التي يمكن أن توفرها الجبال والمنخفضات، خصوصا في المناطق القطبية.

أقطاب القمر قد تكون ملاذا

ركز الباحثون على ثلاثة أنواع من البكتيريا ونوعين من الفطريات، وجميعها من الكائنات الدقيقة التي يمكن العثور عليها بصورة شائعة في مهمات الفضاء المأهولة، كما أظهرت دراسات سابقة قدرة بعضها على تحمل الفراغ والبرودة والجسيمات العالية الطاقة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وقارن الفريق بيانات سابقة عن قدرة هذه الكائنات على البقاء مع خرائط للقمر ترصد مستويات الأشعة فوق البنفسجية والحرارة على سطحه. وأظهرت المقارنة أن كلا القطبين القمريين يحتوي على مناطق قد تسمح ببقاء هذه الميكروبات.

التارديغرادا كائن مجهري يتحمل الجفاف والبرد والإشعاع والفراغ، ويدخل في حالة سبات عميق تُعرف بالسبات الحيوي (غيتي)

لكن "البقاء" هنا لا يعني أن الميكروبات ستعيش بصورة طبيعية؛ إذ يُرجَّح أن تدخل في حالة تُعرف باسم السبات الحيوي (Cryptobiosis) تتوقف خلالها عن النمو والحركة، ويمكن أن تستعيد نشاطها فقط إذا ظهرت ظروف أكثر ملاءمة.

وقال برابال ساكسينا -عالم الكواكب في مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة ناسا- إن الميكروبات قد لا تحتاج إلى حماية كبيرة، مشيرا إلى أن "حتى بصمة حذاء أو أثر عجلة مركبة جوالة قد يخلق منطقة صالحة للحياة".

بصمة الإنسان قد تغير البيئة القمرية

تكتسب النتائج أهمية خاصة مع خطط العودة البشرية إلى القمر، لا سيما المناطق القطبية. ومن المقرر أن تكون مهمة "أرتميس 3" أول مهمة تستكشف فيها البشرية القطب الجنوبي للقمر.

إعلان

وترى هيذر غراهام -عالمة الكيمياء الجيولوجية العضوية في مركز غودارد التابع لناسا- أن النتائج تشير إلى ضرورة التفكير بعناية أكبر في المواد التي قد تنقلها البعثات إلى القمر، وفي الآثار غير المقصودة للاستكشاف البشري.

اقتراح قاعدة قمرية معزولة لتكون خط الدفاع البيولوجي الأول ضد عينات فضائية قد تهدد المحيط الحيوي للأرض (غيتي)

ولا تقتصر احتمالات وصول الميكروبات إلى القمر على المركبات الفضائية، فقد تكون اصطدامات كونية قديمة قد قذفت صخورا من الأرض تحمل كائنات دقيقة إلى الفضاء، ثم انتهى بها المطاف على سطح القمر.

ويرى ساكسينا أن القمر قد يعمل -في هذه الحالة- مثل "ثلاجة" طبيعية تحفظ أجزاء مثيرة للاهتمام من تاريخ الأرض إذا وصلت تلك المواد إلى المناطق القطبية.

القمر مختبر لفهم حدود الحياة

وأكد الباحثون أن النتائج لا تثبت وجود حياة على القمر، ولا تعني أن الميكروبات قادرة على التكاثر في بيئته الحالية، بل تشير إلى إمكانية بقائها في حالة خاملة. ويعتزم العلماء إجراء تجارب مستقبلية لاختبار قدرة أنواع متعددة من الكائنات الدقيقة على تحمل الظروف القمرية بصورة أكثر مباشرة.

وقال ساكسينا إن هذه الظروف توفر فرصة مهمة لدراسة حدود الحياة ومدى قدرتها على الصمود في البيئات الشديدة القسوة، في حين يرى أن القطبين القمريين مناطق فريدة لقدرتها على احتجاز مواد متطايرة مثل الماء، وربما حفظ آثار حياة وصلت إليها من الأرض.

ونُشرت الدراسة في 19 أغسطس/آب 2026 في مجلة "ساينس أدفانسس" (Science Advances)، وأجراها باحثون من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة ناسا.

لماذا يهمنا هذا الاكتشاف؟

تكشف الدراسة أن استكشاف القمر لا يعني ببساطة الوصول إلى عالم خال من الحياة ثم ترك آثارنا عليه، بل قد يعني أيضا نقل أجزاء صغيرة من الحياة الأرضية إلى بيئة لم تكن مهيأة لاستقبالها. ومن هنا تصبح كل مركبة وكل عجلة وكل رائد فضاء جزءا من تجربة علمية أكبر حول قدرة الحياة على الانتقال والصمود.

وتذكّرنا هذه النتائج بأن قيمة الاستكشاف لا تكمن فقط في الوصول إلى أماكن جديدة، بل في طرح أسئلة لم نكن نعرف كيف نطرحها من قبل: ما الحدود الحقيقية للحياة؟ وإلى أي مدى تستطيع الكائنات الحية مقاومة أقسى البيئات؟ ومع كل مهمة جديدة، يقترب العلم خطوة أخرى من فهم مدى انتشار الحياة وقدرتها المدهشة على البقاء.



إقرأ المزيد