إعلان الدمج لا يكفي.. ما الذي يحول دون اندماج "قسد" في الدولة السورية؟
الجزيرة.نت -

رحبت دمشق بإعلان مظلوم عبدي اكتمال دمج قسد، لكنها أكدت أن التنفيذ على الأرض لم يكتمل بعد. فما الاختبارات العسكرية والأمنية والسياسية التي تفصل الإعلان عن الاندماج الكامل؟

ورحّب الفريق الرئاسي السوري المكلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بإعلان قائدها مظلوم عبدي اكتمال الدمج في مؤسسات الدولة، لكنه شدد في المقابل على أن الإعلان السياسي يختلف عن استكمال ترتيبات التنفيذ على الأرض.

وتضع هذه المفارقة ملف الدمج أمام سؤال أبعد من التصريحات: ما الذي يعنيه أن تنتقل قسد من قوة عسكرية وأمنية ذات هياكل مستقلة إلى جزء من مؤسسات الدولة السورية؟ وما الاختبارات التي تجعل هذا التحول واقعا مؤسسيا قابلا للاستمرار؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وناقشت حلقة من برنامج "ما وراء الخبر " الفارق بين إعلان اكتمال الدمج والتنفيذ الفعلي له، ومستقبل قسد سياسيا، والضمانات اللازمة لإغلاق الملف ضمن دولة موحدة ومؤسسات جامعة.

الرئيس السوري أحمد الشرع (يمين) وقائد قسد مظلوم عبدي بعد توقيع اتفاق الاندماج في الدولة السورية (الفرنسية)
من الإعلان إلى الإجراءات

قال الباحث والمحلل السياسي حسن الدغيم إن تصريحات عبدي بشأن اكتمال الدمج تمثل خطوة إيجابية وتدفع العملية إلى الأمام، لكنه رأى أن تحفّظ الفريق الرئاسي السوري يستند إلى فجوة سابقة بين التصريحات والتنفيذ.

وأوضح أن مؤسسات الدولة دخلت إليها، بحسب حديثه، بعض مظاهر الهيكلة والهوية الرسمية، لكن ما زالت هناك حاجة إلى ترتيبات عملية تحول دون بقاء هياكل أو ممارسات موازية للمؤسسات الرسمية.

ويعني ذلك أن الإعلان عن الدمج لا يحسم وحده مسألة السيطرة الفعلية على المؤسسات، أو شكل الإدارة فيها، أو الجهة التي تتخذ القرار النهائي في الملفات المدنية والأمنية والعسكرية.

ففي مسارات الانتقال من سلطة أمر واقع إلى مؤسسات دولة، لا يقاس الدمج فقط بتبديل الشعار أو إعادة تسمية المؤسسات، بل بانتقال الصلاحيات وسلاسل القيادة والموارد إلى مرجعية واحدة.

كيف يمكن دمج قسد؟

يتمحور أحد أبرز أسئلة الملف حول شكل الدمج العسكري: هل تتحول قوات قسد إلى أفراد يوزعون على تشكيلات الجيش السوري، أم تندمج بوحداتها وهياكلها ضمن المؤسسة العسكرية؟

قال الكاتب الصحفي أختين أسعد إن التصور المطروح يقوم على دخول قوات سوريا الديمقراطية في صورة ألوية وفرق عسكرية ضمن الجيش السوري الجديد، مع مراعاة طبيعة المناطق التي تنتشر فيها، لا على أساس خصوصية عرقية. كما أشار إلى أن قوات الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية، المعروفة باسم الأسايش، يفترض أن تنضم إلى جهاز الأمن الداخلي في دولة واحدة.

لكن الدغيم وضع معيارا أكثر اتساعا لنجاح العملية، يتمثل في تبعية القوات العسكرية والأمنية، وكذلك القضاء، لمرجعيات الدولة المركزية. فالمسألة -بحسب طرحه- لا تتوقف عند بقاء الوحدات أو إعادة تنظيمها، بل تتصل بمن يملك القرار في مسائل الدفاع والأمن والعدالة.

وعليه، فإن الاختبار العملي للدمج سيكون في وضوح سلسلة القيادة العسكرية، وتبعية المؤسسات الأمنية لوزارة الداخلية، وانتظام القضاء ضمن منظومة قضائية واحدة.

من العمل العسكري إلى "المعركة السياسية "

تزامن إعلان عبدي مع حديثه عن انتقال قسد خلال المرحلة المقبلة من العمل العسكري إلى ما سماه "المعركة السياسية "، وهو ما يفتح بابا واسعا أمام سؤال مستقبل قياداتها ودورها في الحياة السياسية السورية.

ورأى أختين أسعد أن هذا التحول لا يعني احتكار الحديث باسم الأكراد السوريين، بل يعبر عن توجه سياسي يمكن أن يتخذه عبدي والقوى القريبة منه للدفاع عن الحقوق والمطالب السياسية ضمن العمل العام.

وأشار إلى أن قسد نشأت في سياق عسكري فرضته سنوات الحرب، وأن الحديث عن التخلي عن البذلة العسكرية والانخراط في السياسة يعكس انتقالا من إدارة الصراع المسلح إلى التنافس عبر الأحزاب والمؤسسات والبرلمان.

لكن هذه النقطة كانت أيضا موضع تباين. فالدغيم شدد على أن الأكراد السوريين لا يختزلون في قوة عسكرية أو حزب سياسي واحد، وأنهم حاضرون في مختلف المحافظات والتيارات السياسية. بينما أكد أختين أن العمل من أجل الحقوق الكردية لا يعني بالضرورة الحديث باسم جميع الأكراد أو احتكار تمثيلهم.

ويكشف هذا التباين أن دمج قسد لا يقتصر على ترتيب عسكري، بل يرتبط أيضا بشكل التمثيل السياسي في مرحلة ما بعد الحرب، ومن يعبّر عن مطالب الأكراد ضمن الدولة الجديدة.

اختبار ما بعد الدمج

لا ينفصل المسار العسكري عن نقاش أوسع بشأن الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للأكراد في سوريا، وموقع هذه الحقوق في الدستور المقبل.

قال الدغيم إن الدولة الواحدة والجيش الواحد والعلم الواحد تمثل الإطار الذي ينبغي أن ينظم العلاقة بين مختلف المكونات، مع إقرار حقوق ثقافية وهويات فرعية ضمن هذا الإطار. ورأى أن الدستور وقوانين الأحزاب والحريات هي التي يفترض أن تنظم الخلاف السياسي والتنافس حول قضايا مثل اللامركزية وطبيعة الحكم.

في المقابل، قال أختين أسعد إن الحقوق التي يجري الحديث عنها تحتاج إلى تثبيت دستوري، حتى لا تبقى رهينة تفاهمات مرحلية أو مواقف سياسية متبدلة. واعتبر أن معالجة ما يصفه بـ "القضية الكردية " ترتبط بالاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية وضمانها.

وبين الموقفين، تظهر نقطة التقاء أساسية، أن التسوية المستدامة لا يمكن أن تقوم على التفاهم بين القيادات وحده، بل تحتاج إلى قواعد دستورية وقانونية تحدد الحقوق والواجبات وآليات التنافس السياسي.

ما معيار النجاح؟

يضع النقاش حول دمج قسد عدة معايير يمكن من خلالها الحكم على نجاح العملية أو تعثرها، أبرزها:

  • توحيد القيادة العسكرية: دخول الوحدات والقوات في هيكل الجيش السوري ضمن تسلسل قيادة واضح.
  • دمج الأمن الداخلي: انتقال مهام الأسايش إلى منظومة الأمن الداخلي التابعة للدولة.
  • وحدة القضاء والمؤسسات: خضوع القضاء والإدارة والخدمات العامة لمرجعية قانونية واحدة.
  • انتقال الصلاحيات والموارد: معالجة الملفات الإدارية والاقتصادية بما يمنع ازدواج السلطة.
  • ضمان التمثيل والحقوق: تنظيم المشاركة السياسية والحقوق الثقافية والقانونية عبر الدستور والمؤسسات.

بهذا المعنى، لا يمثل إعلان اكتمال الدمج نهاية الملف، بل بداية مرحلته الأكثر حساسية. فنجاحه يتوقف على قدرة دمشق وقسد على تحويل التفاهم السياسي إلى ترتيبات مؤسسية واضحة، وعلى بناء إطار دستوري يسمح بالتعدد السياسي والثقافي من دون إعادة إنتاج هياكل موازية للدولة.

Published On 22/8/2026

|

آخر تحديث: 23:39 (توقيت مكة)

شارِكْ



إقرأ المزيد