الجزيرة.نت - 8/22/2026 11:33:18 AM - GMT (+3 )
في هذا الحوار الصدامي والصريح مع "الجزيرة"، تكسر الأكاديمية والروائية الأردنية الدكتورة سناء شعلان التابوهات، رافضةً "الرومانسية الزائفة" التي تدعي أن الكلمة وحدها قادرة على مواجهة الصاروخ، وتعرّي واقع المثقف العربي، وتصف النقد بـ"الكائن الطفيلي".
سناء شعلان التي حصدت عشرات الجوائز المرموقة، وباتت أول عربية تُرشح لجائزة الخيال العلمي في روسيا، تضع في هذا الحوار مشرطها النقدي على جراح الثقافة العربية، دون مواربة.
- وصف نُقّاد مجموعتك القصصية "تقاسيم الفلسطيني" بأنّها سُلّم موسيقيّ يروي مأساة شعب. إلى أيّ حدّ أصاب النقاد في هذا الوصف؟
هذا وصف مضلّل وسطحيّ وغير صحيح؛ فهذه المجموعة القصصيّة ليستْ سلّماً موسيقيّاً للمأساة، بل هي صور فرديّة تجسّد الكلّ الموجوع لشعب طحنته المأساة، وظلمه عدوُّه، وخذله الجميع. باختصار، هذه التقاسيم القصصية هي تنويعات فردية على صوت ألم جماعي، وليست تنغيمات وموسيقى وغناء وأفراحا.
- نعيش اليوم مرحلة "الكلمة في مواجهة الصاروخ". من وجهة نظركِ، ما دور المثقفين لا سيما أن المثقف "شاهد على الحقيقة" كما وصفه ميشيل فوكو؟ وهل يمتلك مثقّفونا شجاعة الحقيقة؟
لا أعتقد أن الكلمة يمكن أن تكون بقوة صاروخ، مهما تشدّقنا بذلك؛ فقوة البطش والتسلح والفتك والتقدم التكنولوجي أهم من كلمات المتشدقين عن بُعد.
لكن في كلتا الحالتين، لا صوت صادقاً يرتفع في أوطاننا لأجل كلمة حق، لا سيما من طرف مَنْ يُطلقون على أنفسهم لقب "مثقف" إلّا مَنْ رحم ربي؛ إذ إن السلطات الباطشة المتسلطة تحاصر الجميع، وتقمع حرياتهم، وتكمم أفواههم. هذا من ناحيّة، ومن ناحية ثانية وللأسف معظم المثقفين هم انتهازيون على ذمّة التّنفّع والشّلليّة، وقليل منهم مَنْ يعيش لأجل كلمة الحق والإصلاح.
إعلان
- يُطلق عليكِ البعض ألقاباً مثل "شمس الأدب العربي"، و"أيقونة الأدب"، و"سيدة القصة القصيرة". هذه التوصيفات لم تأتِ من فراغ، كيف تتعاملين معها؟
على الرغم من تقديري لهذه الألقاب، ولمَنْ أطلقها عليّ، ولمَنْ يؤمن بها، فإن الألقاب غير مهمة في زمن كله ألقاب مزوّرة. المهمّ أن أستمر في عطائي وإبداعي، وأن أُخلص لهذه الألقاب، وأن أستحقها عملاً، لا أن أتشدق بها تشدقًا جاهلاً بغرور ونزق وسطحية.
- الكاتب السوري محمد الماغوط يقول: "مأساة الكاتب العربي أنه يقضي زهرة شبابه وكهولته وهو يقفز لاهثًا".. كيف تقرأين هذه المقولة؟
الجميع في هذا الكون يمضون حيواتهم لاهثين خلف أفكارهم ورغباتهم وحاجاتهم في عوالمهم المختلفة، ليس المهمّ اللّهاث؛ إذ هو أمر قهريّ ضمن سيرورة الحياة، المهم الوعي والخيارات في هذا اللهاث، في إزاء طرح معنى التوقف عن السعي الذي يمكن أن يساوي الموات والجمود والتخلف في كثير من الأحوال.
- في قصتك الطويلة "وأخيرًا السماء صافية"، تمّ ترشيحكِ بوصفكِ أول أديبة عربية لجائزة الخيال العلمي في الأدب من مؤسسة "روساتوم" الروسية. هل من إضاءة على هذا العمل؟
قصتي هذه هي شطحة من الخيال العلمي، ذات صبغة تفاؤلية قائمة على الاستشراف المستقبلي للإنسان والعلم والحضارة، من منطلق قائم على معطيات العلم ومقدراته وتوقعاته، بعيدًا عن الشطحات الفنتازية غير المرتكزة على العلم. باختصار، هي رؤيتي المأمولة لهذا العالم التكنولوجي وفق معطياته الحالية إن سارت الأمور كما يجب، لا كما يخطط له أهل الفتوحات العلمية الموصولة بأطماعهم الشخصية.
- يُقال إن الأدب "جسر محبة"، لكن أي أدب هذا في ظل انتكاسات سياسية وحرب سرديات طاحنة تواجه فيها الرواية الفلسطينية غطرسة السردية التلمودية؟
الأدب مهم، وهو والإعلام ركيزتان من ركائز صنع السرديات التي تخلق حقائقها وتؤسّس لتاريخيّتها، لكن لا قيمة لذلك دون قوة مادية عسكرية قادرة على الصد والردع وانتزاع الحقوق.
أما مَنْ يحاولون أن يسكّنوا همنا بمخدّر الأدب والكلمة، فهم جهلاء أو خونة؛ فلا قوة لكلمة حق في مواجهة سلاح فتّاك. القوة هي مَنْ تقول الكلمة الأولى والأخيرة دائمًا، وبخلاف ذلك نظل نحمل كلماتنا، ونستجدي بها في المحافل، ومن ثم في الطرقات حيث لا أحد يأبه بنا. خذ الكلمات جميعها، وهَبْ شعوبنا سلاحًا وقيادات مقاتلة وعقيدة قتالية ثابتة لا تهتز، ودع الكلام لعدونا إن كان يرضى به، وهو بكل تأكيد لن يرضى!
- من وجهة نظركِ، لماذا لم تخلق مجتمعاتنا "المثقف الحر" الذي تنتظره الجماهير؟ هل يتعلق الأمر بحرية التعبير أم بقصور ذاتي؟
المعادلة المفسرة لهذا الغياب واضحة: شعوب نائمة.. وعي مخدَّر.. حياة ساحقة صعبة.. حكومات تسعى للنهب.. قمع موصول.. وفرد مقموع سلبي ومستكين لحاله. النتيجة بعد ذلك واضحة: شعوب غفيرة الأعداد، لكنها خفيفة في الميزان والتأثير والكرامة.
- بصفتكِ أكاديمية تدرس النقد، لكِ موقف حادّ منه، فكيف ترين العلاقة بين النص الإبداعي والناقد؟
إعلان
النقد هو كائن طفيليّ يعتاش على النص الأدبي، ولا تأثير حقيقيا له في صنع الأدب وتجويده، مهما حاول النقاد إثبات ذلك في تشدقاتهم الملحّة. المهم فقط هو النص الجيد، وهو يعيش حياته بقوة واستمرارية إن كان يملك أدوات الحياة من إبداع، والنقد لا علاقة له بجودته وحياته واستمراريته. النقد هو دراسة ونشاط اكتشافي لصاحبه، ولا قيمة حقيقية له في صنع الأدب، أو في ضمان الحياة لاستمراريته.
- أنتِ أستاذة جامعيّة تُدرّسين الأدب الحديث ونقده، وفي الوقت ذاته كاتبة تتمردين على الأشكال النقدية؛ كيف تحمين نصّكِ الإبداعيّ من أن يتحوّل إلى "تطبيق جافّ" للنّظريّات التي تُدرّسينها؟
النظرية النقدية تفسر العمل الأدبي، ولا تخلقه أبدًا، هذه أوهام في الفهم، وأنا لستُ أسيرة لذلك أبدًا. أكتب منساقة لدفقي الإبداعي والفكري، ولا تعنيني النّظريّات النّقديّة أيّاً كانتْ؛ هي للنقاد ليدخلوا بها إلى النص، وليست قيودًا للمبدع، إلا إن كان كاتباً متصنّعاً متكلّفاً مزوّراً، يتعامل مع أدبه من منطلق مَنْ ينجز عملاً وفق طلبات الجمهور.
- روايتكِ "أَعْشَقُني" أحدثتْ صدمةً لدى بعض النقاد؛ ألا ترين أن الاتّكاء على الفنتازيا والخيال العلمي كان "هروبًا ذكيًا" من مواجهة تابوهات الواقع العربي؟
دائمًا الأدب يهرب من المواجهة المباشرة مع التّابوهات والقوى الضاغطة والساحقة في مجتمعات السحق والقهر والتسلط، وللأديب أن يختار الأداة التي تناسبه لذلك، وله أن يقول ما يقول، وللمتلقي أن يفهم ما يفهم. وتظل حرية التأويلات مفتوحة أمام الجميع كلٌّ وفق فهمه وإدراكه وحساسيته تجاه الأمور جميعها.
- أخيرًا، هل هناك مخطوطات لكِ ما زالت حبيسة الأدراج؟
نعم، دائمًا هناك عندي الكثير من المخطوطات التي تنتظر أن أفرج عنها لتأخذ دورتها في النشر والإشهار والحياة، لكنّني أنتظر الوقت المناسب لذلك.
إقرأ المزيد


