الجزيرة.نت - 8/21/2026 10:53:19 PM - GMT (+3 )
Published On 21/8/2026
تزايدت في السنوات الأخيرة الأعمال الأدبية التي تتخيل تفكك الولايات المتحدة الأمريكية أو اندلاع حرب أهلية جديدة، في انعكاس واضح لحالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي باتت تطبع الحياة الأمريكية.
وترى ميشيل غولدبرغ، كاتبة الرأي في نيويورك تايمز، أن انتشار هذه التخيلات لا يتعلق فقط بالخوف من حرب مستقبلية، بل يعكس شعورا متناميا بأن الأمريكيين المنقسمين سياسيا لم يعودوا قادرين على التعايش داخل النظام نفسه.
وتستهل غولدبرغ مقالها باستعارة من عالم الزواج، مستندة إلى عالم النفس جون غوتمان الذي يرى أن الازدراء هو أكثر ما يدمر العلاقة الزوجية. وتقول إن العلاقة بين "أمريكا الزرقاء" ذات التوجه الديمقراطي و"أمريكا الحمراء" المحافظة ذات التوجه الجمهوري، أصبحت تشبه زواجا ميؤوسا منه، بعدما تحول الخلاف السياسي خلال العقد الأخير إلى احتقار متبادل، يشعر معه كل طرف بأن الآخر لا يمثل مجرد خصم سياسي، وإنما تهديدا لنمط الحياة الذي يؤمن به.
وتشير غولدبرغ إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يكتف بمهاجمة المدن والولايات التي لم تصوت له، بل اتبعت إدارته، بحسب رأيها، سياسات لمعاقبة تلك المناطق، بينما وجد قطاع من أنصاره متعة في إذلال خصومهم السياسيين.
وفي المقابل، لا تزال قطاعات من المحافظين تحمل مرارة تجاه وصف وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بعض أنصار ترمب بأنهم "بائسون"، كما يشعر كثيرون في الولايات المحافظة منذ سنوات بأن المراكز الثقافية والسياسية الأمريكية تنظر إليهم باستخفاف.
وترى الكاتبة أن فكرة "الطلاق الوطني" تظهر من وقت إلى آخر، كما حدث مع السيناتور السابقة مارغوري تايلور غرين، لكنها تظل غير قابلة للتنفيذ بسبب تشابك السكان والاقتصادات وعدم وجود حدود واضحة تفصل بين المعسكرين. ومع ذلك، فإن استمرار الوضع الراهن يبدو بدوره صعبا، الأمر الذي يجعل الأدب مساحة لتخيل مخرج من هذا المأزق، سواء عبر العنف أو الانفصال.
روايتان جديدتانريتشارد كريتنر:
انتشار هذه الروايات يعكس نفاد صبر متزايدا لدى الأمريكيين، والأدب عن تفكك الولايات المتحدة ظهر أيضا في فترات سابقة من الصراع الوطني، بما فيها السنوات التي سبقت الحرب الأهلية وأزمات سبعينيات القرن الماضي.
وتتوقف غولدبرغ عند روايتين جديدتين تتناولان هذا السيناريو، هما "الانفصال" لكيرت أندرسن و"حفلة الوداع" لإميلي سانت جون ماندل. وتنضم الروايتان إلى أعمال سابقة مثل "الحرب الأمريكية" لعمر العقاد، و"سيرة إكس" لكاثرين لاسي، وفيلم "الحرب الأهلية" للمخرج أليكس غارلاند.
إعلان
وفي رواية أندرسن، التي تدور أساسا عام 2045، تتزامن أزمة زواج بين شخصين مختلفين سياسيا مع تفكك الولايات المتحدة. ويصور الكاتب عملية الانفصال باعتبارها مؤلمة ومخيفة، لكنها ليست بالضرورة كارثية؛ فالمشكلات الرئيسية تصبح إدارية ولوجستية، مثل كيفية ربط المدن ذات التوجه الديمقراطي الموجودة داخل ولايات محافظة ببقية البلاد. وترى غولدبرغ أن الرواية تقدم مفارقة لافتة: الولايات المتحدة تبدو أكثر "تفككا" وهي لا تزال موحدة.
أما رواية ماندل، فتبدأ بعد انقلاب أدى إلى انهيار الولايات المتحدة، وتصوركاليفورنيا كجمهورية مستقلة، بينما تعاني مناطق أخرى من الفوضى والمليشيات واللاجئين.
الانهيار أم انغلاق الخيارات؟ومع ذلك، تترك الرواية مساحة لفكرة أن التفكك، رغم قسوته، قد يفتح احتمالات جديدة. وتلاحظ غولدبرغ أن الرواية تضع القارئ أمام سؤال مقلق: هل انهيار البلاد أسوأ بالضرورة من استمرارها في مسار سياسي يغلق الخيارات أمام مواطنيها؟
ويرى ريتشارد كريتنر، مؤلف كتاب "مزقوها: الانفصال والانقسام والتاريخ السري للاتحاد الأمريكي غير المكتمل"، أن انتشار هذه الروايات يعكس نفاد صبر متزايدا لدى الأمريكيين، مشيرا إلى أن الأدب عن تفكك الولايات المتحدة ظهر أيضا في فترات سابقة من الصراع الوطني، بما فيها السنوات التي سبقت الحرب الأهلية وأزمات سبعينيات القرن الماضي.
وتخلص غولدبرغ إلى أن الأدب لا يتنبأ بالضرورة بالمستقبل، لكنه قد يعمل كنظام إنذار مبكر يكشف رغبات سياسية واجتماعية محرمة قبل أن تتحول إلى برامج فعلية.
وترى أن انفصال أمريكا عن نفسها ليس حلا واقعيا، لأن كلفته ستكون دموية ومدمرة، لكنّ مجرد تحول فكرة إنهاء الاتحاد إلى خيال جذاب لدى بعض الأمريكيين يكشف، في نظرها، عُمق الأزمة؛ فقد أصبح الاتحاد أقل مودة وأكثر شبها بزواج استنفد قدرته على الاحتمال.
إقرأ المزيد


