3 عقود من الديون.. القصة الكاملة لانهيار مصارف لبنان
الجزيرة.نت -

Published On 21/8/2026

لم يكن اقتحام سالي حافظ أحد المصارف اللبنانية في سبتمبر/أيلول 2022، وهي تحمل ما بدا أنه سلاح للمطالبة بأموالها لعلاج شقيقتها، حادثة منفردة أو عابرة، بل كان واحدا من أكثر المشاهد تعبيرا عن انهيار النظام المصرفي اللبناني، بعدما وجد مودعون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم رغم بقائها مسجلة في حساباتهم.

ولكن قصة الانهيار بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، وتحديدا في أغسطس/آب 1993، عندما تولى رياض سلامة منصب حاكم مصرف لبنان، ليصبح لاحقا أحد أبرز رموز السياسة النقدية اللبنانية على مدى 3 عقود.

ويشير تقرير أعده القطاع الرقمي بالجزيرة إلى أن النموذج المالي اللبناني خلال تلك المرحلة اعتمد على جذب ودائع اللبنانيين وتحويلات المغتربين والسياحة والاستثمارات، مستفيدا من تثبيت سعر صرف الليرة أمام الدولار.

وبحلول عام 1999، استقر سعر الصرف عند نحو 1507.5 ليرات للدولار، بينما لعبت أسعار الفائدة المرتفعة دورا أساسيا في جذب المزيد من الودائع، إذ وصلت في بعض الفترات إلى ما بين 13 و17%. لكن هذا النموذج حمل في داخله عوامل هشاشته، فالمصارف اللبنانية أودعت جزءا كبيرا من أموال المودعين لدى مصرف لبنان للاستفادة من الفوائد، فيما استخدم جزء آخر من الودائع في تمويل الدولة.

وبذلك أصبح القطاع المصرفي مرتبطا بصورة متزايدة بالحكومة ومصرف لبنان، وتحولت التدفقات المالية القادمة من الخارج إلى عنصر أساسي ليس فقط لتمويل الاقتصاد، وإنما أيضا لتمويل عجز الدولة والوفاء بالالتزامات والحفاظ على سعر صرف الليرة.

ومع تباطؤ نمو الودائع وتراجع تدفقات الأموال الجديدة، بدأت الفجوة تتسع بين ما يلتزم به النظام المصرفي تجاه المودعين وما يملكه فعليا من سيولة وأصول قابلة للاستخدام.

الهندسة المالية.. تأجيل الانفجار

عام 2016، لجأ مصرف لبنان إلى ما عرف باسم "الهندسة المالية" في محاولة لتعزيز احتياطياته والحفاظ على استقرار النظام النقدي. وأسهمت هذه العمليات في رفع الاحتياطيات إلى نحو 41 مليار دولار، لكنها في المقابل زادت انكشاف المصارف على مصرف لبنان والدولة، وعمقت اعتماد النظام على تدفقات مالية جديدة لتمويل التزامات سابقة.

إعلان

وبدلا من معالجة الاختلالات الأساسية، جرى تأجيلها عبر عمليات مالية داخل النظام نفسه، فيما أصبحت أموال كان يفترض أن تكون متاحة للمودعين مرتبطة بصورة أكبر بالمصرف والدولة.

الدولار بين لبنان وسوريا

وتزامنت هذه الهشاشة المالية مع تحولات إقليمية بدأت مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ثم تفاقمت مع العقوبات الدولية التي فرضت على نظام الأسد. ومع تشديد العقوبات، أصبح لبنان قناة مهمة لحركة الدولار والسلع والخدمات إلى سوريا، فيما توسعت شبكات مالية وتجارية مرتبطة بشخصيات نافذة من حزب الله والنظام السوري السابق.

واتهم حزب الله، باعتباره أحد أبرز داعمي نظام الأسد، بالاستفادة من شبكات صرافين وتجار مقربين منه لجمع الدولار من السوق اللبنانية وتحويل جزء منه إلى سوريا، في محاولة لمساعدة النظام السوري على مواجهة العقوبات ودعم سعر صرف الليرة السورية.

وتشير تقارير إلى أن تلك الشبكات استفادت من ضغوط مورست على حاكم مصرف لبنان لضخ الدولار بالسوق، بما أتاح توفير سيولة إضافية يمكن جمع جزء منها وتحويله إلى سوريا. وجاء عام 2019 ليكشف حجم المشكلة بصورة أكبر، بعدما بدأت تدفقات الأموال الخارجية بالتراجع، ولم يعد لبنان قادرا على جذب الدولار بالسرعة الكافية لتمويل التزاماته والحفاظ على سعر الصرف.

وانفجرت احتجاجات شعبية واسعة في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه ضد الطبقة السياسية والفساد وسوء الإدارة، بينما أغلقت المصارف أبوابها مؤقتا. وعندما أعادت فتح أبوابها، فرضت قيودا على السحوبات والتحويلات، من دون وجود قانون موحد لضبط حركة رؤوس الأموال.

وهنا ظهرت المفارقة الأكبر في الأزمة: الأموال ظلت موجودة على الورق داخل الحسابات المصرفية، لكن أصحابها فقدوا القدرة على الوصول إليها بحرية. ومع انهيار الليرة وتعدد أسعار الصرف، بدأت القيمة الفعلية للودائع تتآكل، ليتحول المودعون تدريجيا إلى أكبر الخاسرين في الانهيار.

الدولة تتعثر والمصارف تتهاوى

في يناير/كانون الثاني 2020، تسلمت حكومة حسان دياب إدارة الأزمة، لكنها ورثت نظاما ماليا كان قد دخل بالفعل مرحلة الانهيار. ومع غياب قانون موحد لضبط حركة رؤوس الأموال، تركت المصارف تحدد سقوف السحب والتحويل، الأمر الذي أدى إلى تفاوت في المعاملة بين المودعين واستمرار استنزاف السيولة.

ثم جاءت الضربة الأكبر في 7 مارس/آذار 2020، عندما أعلنت الحكومة اللبنانية التوقف عن سداد سندات الدين الدولية "اليوروبوند" التي بلغت قيمتها مليارا و200 مليون دولار، لتدخل البلاد أول تعثر سيادي في تاريخها.

وفي مايو/أيار من العام نفسه، طرحت حكومة دياب خطة للتعافي المالي أعدتها شركة "لازارد" تضمنت إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي. لكن الخطة اصطدمت بخلافات عميقة حول حجم الخسائر، والجهة التي ينبغي أن تتحملها: هل هي الدولة أم المصرف المركزي أم المصارف أم المودعون.. وهكذا بقيت الخطة حبرا على ورق، فيما استمر الانهيار وتراكمت الخسائر.

عندما اقتحم المودعون المصارف

بحلول عام 2022، لم يعد غضب المودعين يقتصر على الاحتجاج في الشوارع، بل انتقل إلى داخل المصارف نفسها. فخلال أسبوع واحد، أقدم 7 مودعين على الأقل على اقتحام فروع مصرفية بالقوة للمطالبة بأموالهم، في مشاهد عكست حجم اليأس الذي وصل إليه أصحاب الودائع بعد سنوات من القيود.

إعلان

وكانت سالي حافظ واحدة من أشهر الحالات، بعدما اقتحمت مصرفا في سبتمبر/أيلول 2022 مطالبة بأموالها لتغطية تكاليف علاج شقيقتها. ووصف البنك الدولي الأزمة اللبنانية بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في العالم منذ عام 1850، محملا النخب الحاكمة مسؤولية كبيرة عن طريقة إدارتها.

نهاية حقبة سلامة وبقاء الأزمة

غادر سلامة مصرف لبنان في يوليو/تموز 2023 بعد 3 عقود تقريبا على رأس المؤسسة النقدية، لكنه واجه لاحقا سلسلة من الملفات القضائية. وفي سبتمبر/أيلول 2024، أوقفته السلطات اللبنانية في قضايا مرتبطة بشركات خدمات مالية، ووجهت إليه اتهامات بالاختلاس والتزوير والإثراء غير المشروع. وأفرج عنه لاحقا بكفالة مع استمرار القيود القضائية.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، واجه اتهاما جديدا يتعلق باختلاس نحو 44.8 مليون دولار في قضية "الحساب الاستشاري". لكن اختزال انهيار النظام المصرفي اللبناني في شخص سلامة وحده لا يفسر الصورة كاملة.

فبحسب تحليل أشار إليه تقرير الجزيرة، كان سلامة بمثابة "الصندوق الأسود" لـ3 عقود من السياسات المالية والنقدية، بما شمل الاستدانة والدعم والهندسات المالية والعلاقة بين مصرف لبنان والمصارف والطبقة السياسية. غير أن جذور الأزمة تمتد إلى نموذج مالي كامل شاركت في بنائه حكومات متعاقبة، ومصرف مركزي، ومصارف، وقوى سياسية وشبكات مصالح.

وهكذا لم يسقط النظام المصرفي اللبناني في لحظة واحدة، بل تآكل تدريجيا تحت وطأة نموذج اعتمد طويلا على تدفقات الأموال الخارجية والفوائد المرتفعة وتمويل الدولة، قبل أن ينكشف ضعفه عندما جف تدفق الدولار.

وفي نهاية هذه السلسلة الطويلة، بقي المودعون في الطرف الأضعف: أموالهم موجودة في الحسابات، لكن الوصول إليها أصبح مقيدا، وقيمتها تراجعت مع انهيار العملة. بينما تحولت أزمة النظام المالي إلى واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية التي شهدها لبنان في تاريخه الحديث.



إقرأ المزيد