من خيمة إلى مدينة.. خريطة جديدة للاستيطان في الضفة الغربية
الجزيرة.نت -

Published On 21/8/2026

كشف تقرير للجزيرة كيف تبدأ مشاريع الاستيطان الإسرائيلية بخيمة، قبل أن تتحول تدريجيا إلى واقع جغرافي وسياسي تحميه مؤسسات الدولة الإسرائيلية.

وفي التقرير الذي أعدته سلام خضر، يشير الباحث في شؤون الاستيطان سهيل خليلية إلى أن ما يجري بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في قرية قصرة جنوب نابلس يتجاوز مجرد التدريبات العسكرية، قائلا إن المناورات تهدف إلى تدريب المستوطنين على السيطرة على الأرض تمهيدا لتسليمهم مناطق في الضفة الغربية.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد ملحوظ في أعداد البؤر الاستيطانية. ووفق ما أورده التقرير نقلا عن منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية، أقيمت العام الماضي 68 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، وهو أعلى رقم تسجله المنظمة منذ عام 1967، وبزيادة ستة أضعاف مقارنة بالرقم الموثق عام 2022.

لكن السؤال الأبرز، بحسب التقرير، يتعلق بطبيعة هذا التوسع: هل هو نتيجة اعتداءات فردية ينفذها مستوطنون، أم أنه جزء من سياسة حكومية يجري تنفيذها عبر شبكة من المؤسسات والوزارات والمنظمات الاستيطانية؟

الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى يرى أن ما يحدث يمثل "سياسة حكومية غير معلنة وغير رسمية"، مشيرا إلى أن الميليشيات الاستيطانية تحظى بدعم سياسي من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وعدد من وزراء الحكومة وضباط في الجيش الإسرائيلي.

تغيير الحمض النووي للاستيطان

ويربط التقرير التحول في آليات الاستيطان بالانتخابات الإسرائيلية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، والتي أعقبتها عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة وتشكيل ائتلاف وصف بأنه الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل.

وتضمن الاتفاق الائتلافي تعهدات بتطوير وتعزيز الاستيطان وتسوية أوضاع مستوطنات وبؤر استيطانية قائمة، قبل أن تنتقل الحكومة الجديدة إلى إعادة صياغة آليات إدارة المشروع الاستيطاني.

إعلان

وكان سموتريتش قد وصف هذا التحول بأنه "تغيير الحمض النووي" لآلية الاستيطان.

ويشرح مهند مصطفى أن المقصود بذلك هو نقل صلاحيات واسعة تتعلق بالاستيطان إلى الإدارة المدنية في الضفة الغربية، وهي إدارة عسكرية أصبحت، وفق التقرير، مرتبطة بوزارة الدفاع الإسرائيلية، ويتولى سموتريتش مسؤولية مباشرة عنها.

وبموجب هذه الآلية، يقول مصطفى، أصبح بإمكان سموتريتش اتخاذ قرارات تتعلق بالبناء والهدم في الضفة الغربية دون الحاجة إلى العودة في كل مرة إلى الحكومة الإسرائيلية.

ولم يقتصر الأمر على إعادة توزيع الصلاحيات، إذ تضمن الاتفاق الائتلافي إنشاء وزارة للاستيطان والمهام القومية، تولت رئاستها أوريت ستروك، وهي من سكان مستوطنة في الخليل جنوبي الضفة المحتلة.

كما انتقلت السيطرة الفعلية على مناطق "ج" في الضفة الغربية من الجيش الإسرائيلي إلى مديرية الاستيطان في وزارة الدفاع، بينما تولى يهودا إلياهو رئاسة المديرية، وأسندت ملفات الاستشارات القانونية والقضائية المرتبطة بالاستيطان إلى موشيه فروخت، أحد قادة الاستيطان، وفق ما جاء في التقرير.

وعينت الحكومة هليل روت نائبا لرئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، ليصبح جزءا من المنظومة التنفيذية التي تحول المشاريع والسياسات إلى خطط على الأرض.

منظمات استيطانية داخل المؤسسات

لكن تقرير الجزيرة يذهب إلى ما هو أبعد من المؤسسات الحكومية، متتبعا شبكة منظمات استيطانية يقول إنها باتت مرتبطة بصورة وثيقة بمراكز صنع القرار.

ومن أبرز هذه المنظمات "ريغافيم"، التي أسسها سموتريتش عام 2006 إلى جانب يهودا إلياهو. وتقول المنظمة إن هدفها يتمثل في الحفاظ على "أرض الشعب اليهودي" ومنع الاستيلاء عليها من قبل من تصفهم بـ"الغرباء".

وبحسب التقرير، تعمل "ريغافيم" على مسح الأراضي الفلسطينية، وتوثيق عمليات البناء التي تصفها بأنها غير مرخصة، ورفع دعاوى قضائية ضد الفلسطينيين، بما قد يفضي لاحقا إلى هدم منازلهم، في وقت تمهد فيه هذه التحركات الأرض أمام توسع البؤر الاستيطانية.

ويرى مهند مصطفى أن سموتريتش نجح في نقل أجزاء من شبكة المنظمات الاستيطانية إلى داخل المؤسسة السياسية، موضحا أن "ريغافيم" تحولت عمليا إلى مستشار أساسي في وزارة الدفاع في ملفات التخطيط الاستيطاني.

ويقول إن المنظمة كانت تعمل، قبل وصول سموتريتش إلى موقعه الوزاري، على وضع تصورات إستراتيجية لتغيير البيئة الاستيطانية في الضفة الغربية، بما يخدم هدف ضمها إلى إسرائيل.

أمانا.. الذراع الأخرى

ولا تقف الشبكة عند "ريغافيم"، إذ يسلط التقرير الضوء كذلك على منظمة "أمانا"، التي تعد من أقدم المنظمات الاستيطانية، وأسستها حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية.

وتعلن "أمانا" أن هدفها تطوير المجتمعات في مناطق تشمل الضفة الغربية والجولان والجليل والنقب وغوش قطيف (كتلة استيطانية سابقة في غزة)، غير أن التقرير يشير إلى أن المنظمة تدير، من خلال غطاء النشاط الاستيطاني، شركة بناء تجارية تحمل اسم "بنياني بار أمانا"، يرأسها زئيف حيفر، أحد أبرز قادة المشروع الاستيطاني في إسرائيل.

وبحسب التقرير، فإن نشاط هذه المنظمات دفع الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على عدد منها.

إعلان



إقرأ المزيد