الجزيرة.نت - 8/21/2026 8:25:53 AM - GMT (+3 )
من بين سحب الدخان الأسود والنخيل الذابل ومياه البحر الملوثة، لمعت، فجأة، تنهيدة موسيقية، تحمل من الجمال بقدر ما تحمل من الألم، فتخطت حدودها مدينة قابس التونسية خلال أشهر قليلة وتحولت إلى واحدة من أشهر الأغنيات العربية على المنصات الرقمية، ممهورة بتوقيع الشاعر والملحن التونسي حسان ثابت، بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي الذي قدم الصوت والتوزيع.
وحققت الأغنية على قناة "ميكاسا ميوزيك" (Mikasa Music) أكثر من 6 ملايين مشاهدة على يوتيوب حتى 19 أغسطس/آب الجاري، بعدما كانت تقارير صحفية منشورة في يونيو/حزيران الماضي تقدر مشاهداتها بنحو 3 ملايين، مما يعني أن الأغنية ضاعفت تقريباً انتشارها خلال شهرين.
ولا تشمل الحصيلة ملايين المشاهدات التي عبر تيك توك وفيسبوك وإنستغرام، ولا إعادة النشر بأسماء وصور مختلفة تجعل جمع الأرقام عرضة للتكرار، لكنها انتقلت بالفعل من حساب ثابت إلى مؤثرين ومغنين وصفحات عربية بعيدة عن تونس، واستخدمت خلفية لمقاطع عاطفية ودرامية وبيئية.
من يغني "سواد الغيم"؟أثار الصوت الذي يؤدي الأغنية الكثير من التساؤلات في البداية وحاول الكثيرون التعرف على صاحبه، ثم ظهرت الحقيقة، فلا يوجد مطرب كي يخفي هويته، ولكنه أداء تم توليده رقمياً. وتوضح المعلومات المصاحبة للنسخة الأصلية على قناة "ميكاسا ميوزيك" أن الصوت الغنائي صُنع باستخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تعود الكلمات والتصور الإبداعي إلى ثابت، وهو شاعر وملحن من أبناء قابس.
ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقرر الكشف عن مأساة قابس ولا يستطيع تضمين رموز مثل النخلة والبحر والعرجون والدخان، ولكنه يستطيع أن يصنع قالباً لهذا النص البشري ليتحول إلى أداء غنائي مؤثر.
انتشار يتجاوز الفيديو الأصليمن بين التسجيلات التي أعيد نشرها وتوزيعات، برزت نسخة على قناة "دادي وشاغي" تجاوزت 87 ألف مشاهدة، بالإضافة إلى آلاف المقاطع القصيرة التي أخذت مقاطع من الأغنية وربطتها بمشاهد درامية أو صور شخصية.
إعلان
واستخدمت المغنية وصانعة المحتوى اللبنانية لمى شريف مقطعاً منها في فيديو حمل عنوان "سواد الغيم يا عذابي" وحقق على صفحتها في فيسبوك نحو 67 ألف مشاهدة بحلول نهاية مايو/أيار.
وأعادت صفحات عربية تركيب الأغنية على مشاهد من مسلسلات وأفلام، وهو ما ساعد في إخراجها من سياقها التونسي الأول، ويكشف هذا الانتقال عن مفارقة في انتشار العمل، فجزء من جمهوره وصل إليه باعتباره أغنية حزينة تصلح للتعبير عن الفقد والاختناق العاطفي، من دون أن يعرف أنها كُتبت عن تلوث مدينة قابس.
وساعدت كلمات الأغنية على هذا الفصل المؤقت بين الأصل والاستخدام الجديد، فهي لا تذكر المجمع الكيميائي أو الفوسفات أو أسماء المصانع، بل تتحدث عن سواد يغطي اليوم، ونَفَس يثقل، وقلب يحترق، ونخلة تذبل. ويمكن للمستمع البعيد عن قابس أن يقرأ هذه الصور باعتبارها تعبيراً عن حزن شخصي، قبل أن يكتشف سياقها البيئي. ولعله أحد أسباب انتشارها، فـ"سواد الغيم" لا تقتحم وجدان المستمع كبيان احتجاجي، ولكنها تمنحه تجربة وجدانية يمكنه أن يسقطها على حياته، كما لو كانت أغنية عاطفية عادية جدا. وبعد أن ينجذب إلى الصوت والجملة الموسيقية، يبدأ السؤال عن الكلمات وصاحبها والمدينة التي تتحدث عنها.
ووصف موقع "ميدل إيست أونلاين" (Middle East Online) الأغنية بأنها نموذج للتكامل بين الإبداع البشري والتكنولوجيا، مشيراً إلى تداولها على نطاق واسع في تونس ودول عربية أخرى.
غيمة لا تحمل المطريبني ثابت نصه حول قلب الدلالة المألوفة للغيم، فبينما تحمل السحابة في المخيلة الزراعية الماء والحياة، تتحول في قابس إلى كتلة سوداء تحجب الشمس وتملأ الهواء بالغازات الصناعية.
ويكثف مطلع "سواد الغيم غطى يومك" هذا التحول؛ فالظلام لا يغطي السماء وحدها، بل يستولي على حياة المدينة وزمنها.
أما صورة "ذبلت نخلتك، مات عرجونك" فتنقل التلوث من المشهد الصناعي إلى أحد أهم رموز قابس وهويتها الزراعية، ولا يستخدم النص الغنائي لغة التقارير البيئية، فلا يذكر الملوثات، وإنما يحول آثارها إلى علامات يمكن رؤيتها والشعور بها مثل اختناق في الصدر، احتراق داخلي، وجفاف في الجذور وفقدان للون.
وقد صنع الجمع بين المفردات البشرية والصوت المصنوع بالذكاء الاصطناعي حالة فريدة وتوتراً يصعب تكراره، خاصة مع نص شديد المحلية والإنسانية وصوت بلا جسد أو سيرة أو هوية اجتماعية واضحة.
ويبدو كأنه صوت جماعي يمكن أن ينتمي إلى أي شخص، لكن هذا الاتساع يأتي أحياناً على حساب الخشونة التي كان يمكن أن يحملها صوت أحد سكان المدينة.
ولم يمنع إدراك المستمعين أن الأداء اصطناعي من تأثرهم به، وما حدث هو العكس، فقد أصبح اكتشاف طبيعة الصوت جزءاً من جاذبية العمل، ودفع مستخدمين للعودة إليه واختبار قدرتهم على تمييز الغناء البشري من المحاكاة الرقمية.
الأغنية امتداد لحراك "أوقفوا التلوث"تعيد "سواد الغيم" تقديم الرسالة التي حملتها حملة "أوقفوا التلوث" (Stop Pollution) لسنوات، لكنها تنقلها من المظاهرة واللافتة إلى سماعات الهاتف ومقاطع الفيديو القصيرة.
وتأسست الحملة بصورتها المعروفة عام 2017، اعتماداً على تراكم احتجاجات محلية سابقة، وطالبت بوقف الانبعاثات وتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة وحماية حق السكان في الصحة والعيش داخل بيئة سليمة.
إعلان
ووثق موقع "إنكفاضة" تنظيم الحملة وحركات مدنية أخرى مسيرات دورية جذبت مئات المشاركين، في وقت ظل فيه الاحتجاج على التلوث يتقدم على البطالة نفسها ضمن أولويات عدد من سكان المدينة.
وتصدرت قابس الاحتجاجات البيئية في تونس منذ سبتمبر/أيلول 2023، بحسب تحليل نشره الموقع نفسه الذي أشار إلى أن التحركات المناهضة للتلوث الصناعي مثلت 14% من مجمل التحركات البيئية المرصودة في البلاد.
وقد حققت الأغنية للحراك ما يصعب على البيانات السياسية إنجازه، فهي تختصر عقوداً من التلوث في صور قليلة، وتمنح القضية إيقاعاً يسهل تذكره وإعادة استخدامه.
إقرأ المزيد


