بين اقتناء الحيوانات الأليفة و"الزواج الأبيض".. الإنجاب حلم مؤجل في إيران
الجزيرة.نت -

طهران – في حي "أقدسية" شمالي طهران، يجلس مهيار (38 عاما) وخطيبته الثلاثينية نازنين (اسم مستعار)، يتأملان قائمة العصائر في المقهى الذي التقيا فيه للمرة الأولى قبل خمسة أعوام، أثناء دراستهما في مرحلة الماجستير، ولا يزالان يتبادلان الهدايا بدلا من الحديث عن قاعة الأفراح، رغم مرور أكثر من عامين على خطوبتهما.

يقول مهيار للجزيرة نت، وهو يبتسم ابتسامة مرهقة "نحن نحب بعضنا، وقد طلبت يدها رسميا، لكن كل شيء من حولنا يحثني على التريث؛ فالرواتب متدنية، وإيجارات الشقق ترتفع باستمرار، والعملة الوطنية تنهار، والبلد في حالة حرب منذ نحو عامين، ولم يُحسم الصراع بعد.. كيف لك أن تخطط في بلد لا تعرف ماذا سيحدث له بعد شهر؟".

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

هذه ليست مجرد حكاية شابين في طهران، بل هي صورة مصغرة لواقع صامت تعاني منه شريحة كبيرة من الشباب. ففي الوقت الذي تبدو فيه مقاهي طهران وحدائقها نابضة بحركة الشباب المعتادة، ترسم الإحصاءات الرسمية صورة قاتمة؛ إذ تراجع عدد عقود الزواج في العام الإيراني الماضي (الذي انتهى في 20 مارس/آذار الماضي) بأكثر من 50% مقارنة بعام 2011، في حين تراجع عدد المواليد إلى 892 ألف مولود فقط في الفترة ذاتها، وهو المستوى الأدنى منذ سبعة عقود كاملة.

تقول نازنين للجزيرة نت إن هذه الأرقام ليست مجرد تغير إحصائي عابر، بل هي "مؤشر على إبادة الأمل الاجتماعي في البلاد؛ ذلك لأن المجتمع الذي يؤمن بمستقبله يخطط له، فيعقد أفراده قرانهم ويتزوجون وينجبون الأطفال.. أما حين يغدو الغد مسرحا للمجهول، فإن الناس يؤجلون أحلامهم، ويرفضون أن يجازفوا بإنجاب أطفال جدد في عالم لا يعدهم بشيء".

تدهور الوضع المعيشي يدفع الشباب الإيراني إلى العزوف عن الزواج (الجزيرة)
إحصاءات رسمية

وبالعودة إلى الإحصاءات الرسمية في إيران، نجد أن عدد المواليد في ستينيات القرن الماضي يستقر حول مليون مولود سنويا قبل أن ينفجر المنحنى في الثمانينيات ليبلغ ذروته التاريخية، مسجلا رقما قياسيا بلغ حينها نحو مليوني و400 ألف طفل سنويا لاسيما إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988).

إعلان

لكن هذه الذروة لم تدم؛ فمنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بدأ المنحنى رحلة هبوطه الطويلة، مدفوعا بشعارات منها "أطفال أقل، حياة أفضل"، و"بابا.. ماما.. طفل واحد يكفي".

بيد أن وتيرة التراجع تسارعت مع بداية القرن الراهن، حتى انخفض عدد الولادات، للمرة الأولى، إلى أقل من مليون (980 ألف مولود) قبل عامين، وفق تقارير مركز الدراسات الإستراتيجية للسكان، ووصل إلى 892 ألف مولود فقط في العام الإيراني الماضي.

يقول رئيس مركز الشباب والسكان بوزارة الصحة الإيرانية رضا سعيدي، في تصريحات تناقلتها الصحافة الإيرانية، إنه "إذا استمر هذا المنحى، فستصل إيران إلى نقطة نمو صفري في غضون 10 سنوات إلى 15 عاما، ثم ستبدأ رحلة الانكماش السكاني". وأضاف "نحن نسير على خطى بعض الدول الأوروبية".

وفي السياق، أفادت بيانات لمركز الإحصاء الإيراني نقلتها وكالة "إرنا" الرسمية، بأن عدد من تجاوزوا سن الخامسة والأربعين ولم يسبق لهم الزواج في البلاد يبلغ 18 مليونا و775 ألفا و452 شخصا. ويُعرف هؤلاء في إيران بـ"العزوبة القطعية"، وفي حال أُخذت أعداد المطلقين والأرامل بعين الاعتبار، فإن هذا الرقم يرتفع إلى 24 مليونا و635 ألفا و974 شخصا.

ووفقا لوكالة إرنا الرسمية، فإن عدد النساء اللواتي تجاوزن 45 عاما من دون زواج يفوق عدد الرجال بكثير، مما يخلق معضلة اجتماعية صامتة، ففي مجتمع لا تزال فيه الأعراف تفضل زواج الرجل الأكبر سنا من امرأة أصغر، تضيق مساحة الأمل أمام هؤلاء النساء اللواتي قضين شبابهن في الدراسة والعمل والانتظار.

أسباب العزوف

وفي جولة ميدانية أجرتها الجزيرة نت في شوارع طهران، لم تكن الإجابات عن سؤال "لماذا لا تتزوج؟" متطابقة، لكنها كانت تدور كلها في فلك واحد؛ إذ ردد غالبية الشباب من الرجال مفردات متشابهة، لعل أبرزها "التضخم، وعدم القدرة على تأمين السكن، وغياب السيارة، وتكاليف مراسم الزواج الباهظة، والخوف من الغد".

أما الفتيات فتحدثن عن جدران غير مرئية: أعراف تمنعهن من المبادرة، وثقافة تصطدم فيها تطلعات المرأة إلى الاستقلال بتقاليد اجتماعية لم تواكب التحولات، في حين تتقلص الفرص مع كل عام يمر من دون أن يقرع بابهن أحد.

على سبيل المثال، يرفض طبيب الأسنان مهران (38 عاما) الزواج لأنه لا يريد أن يترك أمه العجوز التي ضحت بشبابها من أجله، ولأنه لم يجد امرأة تقبل بالعيش مع والدته.

أما الصحفي مصطفى (41 عاما)، فقد أغلق الملف نهائيا بعد أن أنهكته وظيفتان لا تكفيان لتأمين عيشه وعيش أبويه المسنين، في حين يحمل حامد (55 عاما) مرارة قانون المهر الذي أثقل كاهله سنوات بعد طلاقه، وجعله يفقد الثقة في إمكان تكرار التجربة.

وعلى الضفة الأخرى، تقف نساء مثل بريوش (45 عاما) التي تقول في حديثها للجزيرة نت إنها هاجرت من قريتها النائية إلى طهران طلبا للعلم والعمل، فحصلت على شهادتها ومنصبها وبيتها وسيارتها، لتكتشف بعد عشرين عاما أن العمر مضى، وأن الأعراف لا ترحم امرأة تجاوزت منتصف العمر من دون زواج.

كما أرجعت نساء أخريات السبب إلى التقاليد التي كانت تعيب على المرأة، في العقود الماضية، إظهار رغبتها في الزواج من رجل لم يتقدم لطلب يدها، ظنا منه أنها سترفضه.

إعلان

أما المحامية سارا، التي تجاوزت 40 عاما ولم تتزوج بعد، فترفض اختزال ظاهرة "العنوسة" في تراجع الوضع المعيشي، مضيفة أن نسبة كبيرة من حالات العزوبة ناتجة عن اختيار واع؛ لأن المرأة الإيرانية اليوم تفضل الاستقلال المهني والشخصي على زواج لا يلبي تطلعاتها، لكنها تستدرك في حديثها للجزيرة نت بأن الملايين من النساء يرغبن في الزواج، إلا أنهن أصبحن محاصرات بين رغبة دفينة واقتصاد يمنع الشباب من طلب أيديهن.

الزواج الأبيض

للتعمق في جذور الأزمة، التقت الجزيرة نت الدكتور مجيد أبهري، عالم الاجتماع والرئيس السابق لمركز تكوين الأسرة والإنجاب التابع لوزارة التعاون والشؤون الاجتماعية، الذي اعتبر بدوره أن هذه القصص ليست مجرد تأجيلات عابرة، بل هي إعلان عن تحول بنيوي في مجتمع حوّل فيه الخوف من المستقبل الغامض فكرة الأسرة من مشروع حياة إلى مغامرة غير محسوبة.

أبهري: نحن بحاجة إلى عقدين لقلب منحنى الزواج والإنجاب وتحويله إلى مسار إيجابي (الجزيرة)

وأوضح أنه عندما يصبح تكوين الأسرة ترفا، فلا بد أن يصبح الإنجاب حلما مؤجلا؛ ففي بيئة يتأخر فيها الزواج، يتراجع عدد النساء في سن الإنجاب، وتتسع الفجوة بين الزواج والإنجاب.

وفي حديثه للجزيرة نت، بدا أبهري قاطعا في تشخيصه: "صحيح أن العقبات الاقتصادية وتدهور الوضع المعيشي يؤثران في تراجع الزواج والمواليد، لكنهما ليسا القصة كلها. هناك أسباب أخرى يجب البحث عنها خلف ستار الأرقام"، ثم بدأ في تفكيك الظاهرة.

وبرأيه، فإن "التصاعد المطرد للزواج الأبيض والمعاشرة من دون عقد رسمي" عامل مهم في تراجع زواج الشباب. والأخطر من ذلك أن تربية الحيوانات الأليفة تحولت إلى بديل عاطفي عن الإنجاب، مضيفا أنه في خمسين عاما ارتفع معدل اقتناء الحيوانات الأليفة لدى الأسر الإيرانية بنسبة 100%، فراح الناس يملؤون فراغهم العاطفي باقتناء كلب أو قطة بدلا من إنجاب طفل.

وعن عقلية الجيل الجديد، يقول أبهري "نحن أمام نمط حياة آخذ في التشكل: العيش منفردا، رجل في شقة وامرأة في شقة، وحيوان أليف يؤنس وحدة كل منهما. هذا لم يعد استثناء".

واعتبر أن هناك أيضا "ما يمكن تسميته بالتهرب من المسؤولية؛ إذ يرتعب الشباب من فكرة الالتزام، فقد اعتادت شريحة منهم حياة بلا قيود، ويتحدث هؤلاء فيما بينهم عن مساوئ الزواج، ويقتنعون بأن العزوبية حرية، وأصبح الخوف من تحمل مسؤولية الأسرة وباء صامتا".

واستدرك أبهري "لكن لا يمكننا أن نظلمهم. حين تصل تكاليف الحفاضات والحليب الصناعي وروضة الأطفال والعلاج إلى أرقام فلكية، يصبح الإنجاب قرارا مرعبا. التضخم والبطالة والغلاء كلها عوامل حقيقية تجعل الأسرة الشابة تعزف عن فكرة الإنجاب، لا كرها فيه، وإنما عجزا عن تحمل تكاليفه".

التشخيص والعلاج

وخلص إلى رؤية استشرافية قاتمة، لكنها لا تخلو من بارقة أمل، إذ يقول "نحن بحاجة إلى تشخيص حقيقي لهذه الأزمة، وليس مجرد توصيفها. يجب أن نخطط بدقة، ونطلق حملات توعية واسعة النطاق في الإعلام، وأن تتدخل الحكومة بتقديم دعم حقيقي وفعال. إذا بدأنا الآن، فقد نحتاج إلى عقدين كاملين كي نتمكن من قلب هذا المنحنى الهابط وتحويله إلى مسار إيجابي. أما إذا توانينا، فإن الأرقام التي نراها اليوم ستكون مجرد مقدمة لكارثة ديمغرافية لا رجعة فيها".

ويذكّر تأكيد أبهري على ضرورة إطلاق برامج وطنية لتشجيع الشباب على الزواج والأسر على الإنجاب، بأن الحكومات الإيرانية المتعاقبة لم تقف مكتوفة الأيدي حتى الآن؛ إذ أطلقت مشاريع وأقرت قوانين، مثل "قانون دعم الأسرة" و"قانون دعم الشباب والسكان"، إلى جانب برامج للتأمين الصحي للأمهات، وقروض زواج ميسرة، وغيرها من البرامج، لكن النتائج، كما تُظهر الأرقام، لا تزال هزيلة.

إعلان



إقرأ المزيد