الجزيرة.نت - 8/20/2026 10:03:05 PM - GMT (+3 )
Published On 20/8/2026
يعود ماثيو ماكونهي إلى السينما هذا العام من خلال فيلم الدراما والجريمة "منافسو أمزيا كينغ" (The Rivals of Amziah King)، للمخرج أندرو باترسون، في ثاني أفلامه الروائية الطويلة بعد "ليلة شاسعة" (The Vast of Night). عُرض الفيلم للمرة الأولى ضمن مهرجان ساوث باي ساوث ويست (SXSW) وبدأ عرضه التجاري أخيرا.
يشارك في البطولة أنجلينا لوكينغ غلاس وكيرت راسل وكول سبراوس وروب مورغان وأوين تيغ وتوني ريفولوري، بينما صُورت أحداث الفيلم في ريف أوكلاهوما، واختيرت ألاباما موقعا أساسيا للتصوير.
أسطورة الجنوب الطيبيركز النصف الأول من "منافسو أمزيا كينغ" على شخصية أمزيا كينغ (ماثيو ماكونهي)، الذي يقدمه الفيلم وفق الصورة الأسطورية الشائعة للرجل الجنوبي في السينما الأمريكية. "أمزيا" مربي نحل يعزف الموسيقى الشعبية، وصاحب مشروع ناجح، ووجه مألوف في البلدة كلها، يعرف الجميع ويساعدهم، ويستقبل العائدين من الماضي بذراعين مفتوحتين. وتمنحه طريقته اللطيفة في الحديث، وابتسامته الدائمة، وخفة ظله، ولهجته الجنوبية، حضورا يجعله أقرب إلى عمدة غير رسمي للمجتمع الذي يعيش فيه.
وتبدأ الأحداث بعد التعريف بالبطل عندما تعود كاتيري (أنجلينا لوكينغ غلاس) ابنته بالتبني في السابق -تبعا لنظام الرعاية الأمريكي- ويتعامل معها "أمزيا" فورا بالدفء نفسه، ليعيد إليها إحساسها بأنها تنتمي إلى مكان ما، ومنزل وأسرة ممتدة.
تبدو هذه الشخصية مناسبة جدا لماثيو ماكونهي، لدرجة تدفع إلى التساؤل: هل يقدّم الفيلم شخصية جديدة للممثل، أم يعيد تركيب الصورة الحقيقية التي يعرفها عنه الجمهور منذ سنوات؟
جاذبية "أمزيا" مرتبطة كذلك بالطريقة التي يبني بها الفيلم المجتمع المحيط به، خصوصا شبكة العلاقات التي يبدو مركزها، وهنا تحديدا تظهر مشكلة الصورة التي يصنعها الفيلم، فهو يتعامل مع الجنوب الأمريكي كعالم له أخلاقياته الخاصة، حيث يمكن للإنسان أن يجد عائلة خارج روابط الدم، مع التركيز على المساعدة المتبادلة والعمل الجماعي في إطار الحياة اليومية، وهي صورة ليست مستحيلة بالطبع، لكنها منتقاة بعناية لجعل هذا المجتمع غاية في الجاذبية، ولا يكاد يقترب من التاريخ الاجتماعي والسياسي الأكثر قتامة للجنوب الأمريكي.
إعلان
هذه الصفات التي تمنح الفيلم كثيرا من سحره في البداية، تجعله أكثر هشاشة عند النظر إلى عالمه من زاوية أكثر نقدا ووعيا بطبيعة هذا المجتمع.
من حكاية أمزيا إلى البحث عن السارقبعدما يمضي "منافسو أمزيا كينغ" وقتا طويلا في تعريف المتفرجين بعالم "أمزيا" وعلاقته بكاتيري، وبالمجتمع الذي يعيش فيه، يغيّر الفيلم وجهته فجأة، فمحرك الأحداث في النصف الأول من الفيلم يتمثل في محاولة كاتيري العثور على مكان لها، وإعادة بناء علاقتها مع الرجل الذي يمثل صورة الأب في عينيها، ثم يدخل الفيلم في مسار مختلف مع سرقة العسل والنحل، ويتراجع الاهتمام بالتفاصيل التي صنعت سحر النصف الأول لمصلحة حبكة تقوم على الجريمة والكشف والمواجهة، قبل أن تتحول إلى قصة انتقام.
يتأخر الفيلم كثيرا في الإعلان عن حكايته الأساسية، في الوقت الذي يكون قد أنفق جزءا كبيرا من زمنه في بناء عالم كامل لا يعتمد بالضرورة على وجود لغز، لذا يبدو التحول كأنه محاولة لإدخال الفيلم في حبكة أكثر تقليدية بعد أن وجد لنفسه هوية أكثر خصوصية. فالعالم الذي بناه المخرج أندرو باترسون، والعلاقة بين أمزيا وكاتيري، وتفاصيل الحياة اليومية، كانت تملك من العناصر ما يكفي لصناعة دراما عائلية واجتماعية، دون الحاجة بالضرورة لتحويلها لاحقا إلى بحث عن سارق وجريمة وانتقام.
يجبر هذا التغيير المتفرج على تغيير طبيعة اهتمامه، من مراقبة الشخصيات إلى متابعة الأدلة والبحث عن الجاني، وهو انتقال لا يخلو من قيمة درامية، لكنه في الوقت نفسه يجعل بناء النصف الأول يبدو كما لو أنه تمهيد طويل لحكاية لم تبدأ إلا متأخرا.
فيلم من نصفينينقسم "منافسو أمزيا كينغ" إلى نصفين واضحين، لكن المفارقة أن الانقسام بينهما لا يحدث على مستوى الإيقاع قدر ما يحدث على مستوى النوع السينمائي، فالنصف الأول هادئ ومتمهل، ويهتم بالشخصيات أكثر من الأحداث، أما النصف الثاني فيصبح أكثر ارتباطا بالسرقة والجريمة والانتقام، ومع ذلك لا يتحول الفيلم إلى إثارة وتشويق سريع الإيقاع، ويظل إيقاعه محافظا إلى حد كبير على هدوئه الأول، لذلك يبدو التغيير على الورق أكثر منه على مستوى التجربة الفعلية للمشاهدة.
هذا البطء أقل منطقية في النصف الثاني من الفيلم، لأن الحكاية الجديدة تحتاج إلى قدر أكبر من التوتر والتصعيد، وعندما لا يتغير الإيقاع بما يكفي يفقد البحث عن الجاني بعضا من القوة التي يُفترض أن يمنحها الانتقال إلى عالم الجريمة.
على جانب آخر، فإن العنصر الذي يصعب الاختلاف حوله في "منافسو أمزيا كينغ" هو الصورة، حيث ينجح المخرج أندرو باترسون، ومدير التصوير ميغيل آي. ليتين-مينز، في بناء جنوب أمريكي شديد الجاذبية عبر الإضاءة الدافئة وباليتة ألوان تميل إلى الدرجات الترابية والذهبية لتمنح الحقول والمنازل ومناحل العسل والوجوه حضورا حميميا.
تزداد قوة الصورة وتأثيرها مع الإيقاع الهادئ للفيلم، خصوصا في النصف الأول، لكن المشكلة تظهر عندما تتعثر البنية الدرامية، وتصبح الصورة أحيانا أفضل من المادة التي تحتضنها، وجمال هذا العالم السينمائي لا يعالج تماما ضعف الانتقالات الدرامية، وتأخر الحبكة الأساسية، لكنه يجعل هذه العيوب أكثر احتمالا بالتأكيد، خصوصا عند دمجه مع الأداء التمثيلي لكل من ماثيو ماكونهي والشابة أنجلينا لوكينغ غلاس في أول أدوارها السينمائية.
إعلان
إقرأ المزيد


