الجزيرة.نت - 8/20/2026 8:33:45 PM - GMT (+3 )
تظل الثورات في تاريخ المجتمعات لحظات كاشفة أكثر منها لحظات حاسمة، فهي تفتح الأسئلة الكبرى بقدر ما تعلن التحولات، وتكشف عمق ما أنجزه المجتمع أو ما عجز عن إنجازه عبر مساره التاريخي الطويل.
لذلك فالثورة لا تغيّر المؤسسات السياسية وحدها ولا تختزل في سقوط نظام أو إعادة ترتيب موازين السلطة، وإنما تضع المجتمع ذاته أمام امتحان أكثر عمقًا وأسئلة أكثر إحراجًا: هل يمتلك الشروط الثقافية والاجتماعية القادرة على تحويل لحظة الانفجار السياسي إلى تحول تاريخي مستقر؟
ومن هنا يظل السؤال الذي يرافق كل تجربة ثورية هو السؤال عن المسافة بين سرعة التحول السياسي وبطء التحول الاجتماعي، بين لحظة تفتح فيها الثورات أبواب الممكن، وبين قدرة المجتمع على بناء القيم والمؤسسات والعلاقات التي تجعل هذا الممكن واقعا يوميا.
وقد عبّر المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي عن إحدى مفارقات التحولات التاريخية الكبرى حين وصف لحظة الانتقال التي "يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد". وهي لحظة تتكثف فيها التناقضات وتظهر فيها صعوبة الانتقال من نظام تاريخي إلى آخر. وفي هذا المعنى يصبح السؤال عن الثورة التونسية أوسع من سؤال سقوط النظام: فماذا يحدث عندما تتقدم السياسة بسرعة، بينما تحتاج البنى الاجتماعية والثقافية إلى زمن أطول كي تتغير؟
من هذه الزاوية، يندرج كتاب الباحث والمفكر التونسي مولدي القسومي "الانتقال المجتمعي المعطّل: قراءة في نواظم الاجتماع السياسي المتلفة" بوصفه محاولة لنقل النقاش حول الثورة التونسية من مستوى الحدث السياسي المباشر إلى مستوى أعمق يتعلق ببنية المجتمع ذاته. فالقسومي يوسّع مجال النظر والبحث من أداء الأحزاب والنخب والمؤسسات إلى الشروط الاجتماعية والثقافية التي تجعل الانتقال السياسي قابلا للاستمرار، وتفسر في الوقت نفسه بعض أسباب تعثره.
إعلان
ويطرح الكتاب أسئلة تتجاوز السنوات التي أعقبت 2011: لماذا نجحت الثورة التونسية في إحداث تغيير سياسي عميق وفتح المجال أمام الحريات والتعددية، ثم لم تتحول إلى انتقال مجتمعي مكتمل يؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمواطن؟ وكيف اتسعت المسافة بين لحظة الثورة وما حملته من آمال وأحلام، وبين المسار الذي انتهت إليه التجربة السياسية والاجتماعية لاحقًا؟
تكمن إحدى أهم إضافات الكتاب في إعادة ترتيب الأسئلة حول التجربة التونسية، فقد ركزت أغلب الأبحاث والكتابات التي تناولت مرحلة ما بعد 2011 على الدستور والانتخابات والأحزاب وصراعات النخب وأداء المؤسسات، أما القسومي فينقل مركز الثقل نحو المجتمع، ويحاول النظر إلى التحول الديمقراطي باعتباره مسارًا يتجاوز إعادة بناء المؤسسات إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة، وبين المواطن والسلطة، وبين المجتمع ومؤسساته ووسائطه.
ومن هنا يأتي مفهوم "الانتقال المجتمعي" الذي يمنحه المؤلف موقعا محوريا في بناء أطروحته وكتابه. فالانتقال في تصوره، ليس مجرد انتقال من نظام سياسي إلى نظام آخر، ولكن حركة أوسع تمس البنى الاجتماعية والثقافية وأنماط التفكير وتمثلات السلطة والمواطنة. والديمقراطية وفق هذا المنظور تحتاج إلى بيئة اجتماعية حاضنة وقادرة على حمل مؤسساتها وإعادة إنتاج قِيَمها في الحياة اليومية.
وهذه الإشكالية تضع الكتاب في صلة مع تقاليد واسعة في علم الاجتماع السياسي، فقد جعل غرامشي الثقافة والوعي الاجتماعي جزأين أساسيين من فهم استقرار الأنظمة وتحولها، وأظهر أن السلطة تستند إلى المؤسسات والقوة، وفي الوقت نفسه تحتاج أيضًا إلى إنتاج منظومة من المعاني والقِيَم التي تمنحها القبول والاستمرار، وفي هذا الإطار يمكن فهم اهتمام القسومي بالمجتمع بوصفه الحامل الأعمق للتحولات السياسية.
غير أن الكتاب يضيف إلى هذه المسألة سؤالًا آخر أكثر تعقيدًا: كيف تتشكل هذه الجاهزية المجتمعية نفسها؟ وهل تأتي الديمقراطية بعد اكتمال التحول الاجتماعي، أم أن الممارسة الديمقراطية قادرة بدورها على إنتاج جانب من الثقافة التي تحتاج إليها؟
تقدم التجارب الديمقراطية الحديثة أمثلة مهمة على التفاعل بين المسارين، فإسبانيا، بعد نهاية نظام فرانكو الدكتاتوري، دخلت مرحلة الانتقال الديمقراطي وسط مجتمع لم تكن فيه كل شروط الثقافة الديمقراطية قد اكتملت مسبقًا، وقد أسهمت الإصلاحات السياسية والتوافقات والانتخابات وبناء المؤسسات وتراكم الممارسة الديمقراطية في تشكيل ثقافة سياسية جديدة.
ورغم ذلك لا يمكن الجزم أن المؤسسات وحدها تصنع الديمقراطية، ولكننا نفهم أن العلاقة بين المجتمع والمؤسسات علاقة متواشجة ومتبادلة، فالمجتمع يؤثر في المؤسسات، والمؤسسات بدورها تعيد تشكيل السلوك السياسي والتوقعات الاجتماعية.
ولكل ذلك تكتسب فكرة "الانتقال المجتمعي" عند القسومي قيمتها، لأنها تدفع إلى النظر والتدقيق والتساؤل في الجانب الذي لا تظهره النصوص الدستورية والانتخابات وحدها، وتسأل عما يحدث داخل غياهب المجتمع عندما تتغير قواعد اللعبة السياسية.
خريطة لأعطاب الاجتماع السياسييُقَسِّم القسومي كتابه إلى 6 فصول تسبقها مقدمة نظرية وتعقبها خاتمة، ويتحرك من خلالها بين مجموعة من القضايا التي تبدو، رغم اختلاف مستوياتها، مترابطة داخل تصور واحد.
إعلان
حيث يبدأ بتأصيل مفهوم الانتقال المجتمعي وشروطه، ثم ينتقل إلى التشكيلات الاجتماعية وبنية الطبقات، قبل أن يتناول الحداثة والمدنية والعلاقة بين المقدس والدنيوي، ويخصص مساحة مهمة للنخب والمثقف والطبقة المستنيرة والشعبوية، ثم يختم بمساءلة الطبقة السياسية وتحولاتها وما يسميه "البوليتيكاريا".
ومن خلال هذه البنية والمنهجية المتدرجة يحاول المؤلف رسم خريطة لما يسميه "نواظم الاجتماع السياسي المتلفة"، فالدولة والمجتمع والنخب والجامعة والأحزاب والطبقة السياسية والثقافة والمؤسسات الوسيطة، ليست موضوعات منفصلة في الكتاب وإنما حلقات داخل شبكة واحدة يرى القسومي أن اختلالها أضعف قدرة المجتمع على استثمار اللحظة التاريخية التي فتحتها الثورة.
يحتل نقد الحداثة والمدنية موقعا مهما في بناء هذا الكتاب، فالقسومي يتوقف طويلا عند ما يراه تعثرا في مسار التحديث، وعند المسافة بين المؤسسات الحديثة والبنى الاجتماعية التي لم تتحول بالسرعة نفسها. وهذه المسافة تساعد على فهم بعض التوترات التي ظهرت بعد الثورة، خصوصا في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القيم الحديثة وأنماط اجتماعية وثقافية أكثر رسوخًا.
ويأتي الحديث عن المقدس والدنيوي ليضيف مستوى آخر إلى هذا النقاش. فالصراع حول الدين وموقعه في المجال العام بعد الثورة كشف اختلافات حقيقية حول هوية الدولة وحدود المجال السياسي، لكنه كشف أيضًا أن المجتمع التونسي يحمل داخله تصورات متعددة للحداثة والدين والمواطنة، وقد يكون هذا التعدد نفسه جزءًا من طبيعة الانتقال الديمقراطي، لأن المجتمعات لا تدخل التحولات التاريخية وهي متفقة مسبقًا على معنى المستقبل.
النخب والمثقف وأزمة الوسائطمن القضايا التي يمنحها الكتاب اهتمامًا واضحًا مسألة النخب والمثقف والطبقة المستنيرة، وما يرتبط بها من سؤال الوسائط بين المجتمع والدولة، فالنخب، في نظر القسومي، لم تنجح دائمًا في إنتاج مشروع جماعي قادر على تأطير التحول، كما أن المؤسسات التي يفترض أن تضطلع بدور الوسيط عانت بدورها من أزمات متعددة.
وهنا يستعيد السؤال صدى غرامشي مرة أخرى، خصوصًا في تصوره للمثقف العضوي بوصفه فاعلا داخل المجتمع لا مجرد منتج للمعرفة، فالمثقف العمومي يشارك في إنتاج المعنى وفي تشكيل الوعي، ويصبح دوره أكثر أهمية في اللحظات التي تتغير فيها قواعد المجتمع والدولة.
الشعبوية بوصفها مرآة لأزمة أوسعيتصل هذا المحور في الكتاب بمسألة الشعبوية، التي أصبحت واحدة من أكثر ظواهر السياسة المعاصرة حضورًا. ويربط القسومي صعودها في تونس بأزمة النخب والمؤسسات الوسيطة وبضعف قدرة الطبقات الاجتماعية على إنتاج التوازن السياسي. وتقدم التجربة التونسية بالفعل عناصر عديدة تساعد على فهم هذا الصعود مثل تراجع الثقة في الأحزاب، وصورة البرلمان المتأزمة، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هذه الزاوية يمكن أن يضيء مفهوم "المجال العمومي" عند الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس جانبًا من المسألة، فحين تتراجع الثقة في المؤسسات وتتسع المسافة بين المواطنين والنخب، تضعف قدرة المجال العام على إنتاج الحوار والتوافق، ويصبح الخطاب السياسي المباشر أكثر جاذبية. وفي الحالة التونسية، تتداخل هذه العوامل مع مسار سياسي معقد جعل صعود الرئيس قيس سعيد نتيجة لتراكمات اجتماعية وسياسية ومؤسساتية في آن واحد.
وبتقدم الفصول، يصل كتاب "الانتقال المجتمعي المعطّل" إلى أكثر أسئلته إثارة عندما يعيد النظر في معنى الثورة نفسها، فالقسومي يتعامل بحذر معرفي مع الصورة التي تجعل من الثورة حدثا مكتملا بمجرد سقوط النظام، ويطرح بدلا منها سؤال المجتمع الذي يفترض أن يحول لحظة الثورة إلى تحول تاريخي مستمر.
إعلان
لذلك يمكن النظر إلى أطروحة القسومي من زاوية أكثر تركيبًا؛ فالثورة تكشف ما كان موجودًا في المجتمع قبلها، لكنها تفتح أيضًا إمكانات لم تكن موجودة بالصورة نفسها. ومرحلة ما بعد الثورة تشكل اختبارًا لمدى جاهزية المجتمع، وكذلك مرحلة تتشكل فيها هذه الجاهزية من خلال الصراع والتجربة والمؤسسات والممارسة اليومية.
ولعل أجمل ما يتركه كتاب "الانتقال المجتمعي المعطّل" لدى قارئه، هو أن الثورة لا تنتهي عندما يسقط النظام الذي قامت ضده، لأن هناك حياة أطول وأكثر تعقيدًا تبدأ بعد لحظة الانفجار، هي حياة المؤسسات والثقافة والمواطنة والوسائط والوعي الاجتماعي وعلاقة الفرد بالدولة.
ربما لا يقدم كتاب "الانتقال المجتمعي المعطّل" إجابة نهائية جاهزة عن كل هذه الأسئلة، لكنه يمنحها صياغة أكثر عمقًا، ويضعها في قلب النقاش حول تونس ما بعد الثورة. وهذا التحفيز على الغوص في عمق الأسئلة المحرجة للمجتمع، في النهاية، هو إحدى علامات الكتاب الفكري الجيد الذي يوسع مساحة التفكير أكثر مما يغلقها.
إقرأ المزيد


