الجزيرة.نت - 8/20/2026 6:16:58 PM - GMT (+3 )
كابل- بعد 5 سنوات من عودة طالبان إلى الحكم، تبدو أفغانستان أكثر هدوءا مقارنة بسنوات الحرب، لكنّ هذا الاستقرار الأمني لم يتحول بعد إلى تحسن اقتصادي يلمسه ملايين الأفغان في حياتهم اليومية.
ففي وقت تقول فيه الحكومة الأفغانية إن تحسن الأمن أتاح إطلاق مشاريع للبنية التحتية، وتوسيع التجارة وزيادة الإيرادات، لا يزال كثير من الشباب يبحثون عن فرص عمل، ويواجه أصحاب الأعمال صعوبات في التمويل والوصول إلى الأسواق، بينما تضيف عودة أعداد كبيرة من الأفغان من إيران وباكستان ضغوطا جديدة على سوق العمل والخدمات.
وتبرز هذه المفارقة في مؤشرات الاقتصاد نفسه؛ إذ قدر البنك الدولي نمو الناتج المحلي الحقيقي بنحو 4.8% في السنة المالية 2026، مدفوعا جزئيا بارتفاع الطلب المحلي وعودة ملايين الأفغان، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذا النمو لا ينعكس بالمستوى نفسه على معيشة السكان ودخول الأسر.
وتراهن السلطات الأفغانية على قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب توسيع التجارة الإقليمية، لبناء اقتصاد أكثر اعتمادا على موارده الذاتية، في وقت تتراجع فيه المساعدات الدولية وتظل علاقات البلاد بالنظام المالي العالمي محدودة.
فإلى أي مدى نجحت طالبان في تحويل الاستقرار الأمني إلى استقرار اقتصادي قادر على الصمود؟ وهل بدأت مكاسب النمو تصل إلى حياة المواطنين، أم لا تزال هناك فجوة بين المؤشرات الاقتصادية والواقع المعيشي؟
الأمن بوابة الاقتصاد
عندما استعادت طالبان السلطة في أغسطس/آب 2021، كانت أفغانستان خارجة من عقدين من الحرب، ومع انتهاء الوجود العسكري الأجنبي، تراجعت حدة المواجهات المسلحة الواسعة، وأصبحت حركة التنقل بين معظم الولايات أكثر سهولة مقارنة بسنوات الحرب.
وتضع الحكومة الأفغانية هذا التحسن الأمني في صدارة ما تعتبره إنجازاتها، وترى أنه أتاح لها الانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى التركيز على الاقتصاد والإنتاج وتنفيذ مشاريع البنية التحتية.
إعلان
ويقول وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إن الحكومة تسعى إلى جعل الاعتماد على الذات أساسا للاستقلال الحقيقي، عبر تقليص اعتماد البلاد على الخارج في المجالات الاقتصادية والتنموية.
وخلال كلمة ألقاها في كابل بمناسبة الذكرى الخامسة لعودة طالبان إلى الحكم، استعرض متقي ما وصفها بأبرز إنجازات الحكومة، وفي مقدمتها تمويل الموازنة من الإيرادات المحلية، والحفاظ على استقرار العملة الأفغانية، وتنفيذ مشاريع للبنية التحتية في أنحاء البلاد، معتبرا أن تحسن الوضع الأمني أتاح توجيه مزيد من الجهود والموارد نحو المشاريع الاقتصادية والخدمية.
وأكد متقي أن كابل تسعى إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع مختلف الدول على أساس المصالح المتبادلة، وتحويل أفغانستان من ساحة للصراعات إلى نقطة وصل للتجارة والتعاون الاقتصادي الإقليمي.
وفي هذا السياق، دعا الولايات المتحدة إلى إعادة فتح سفارتها في كابل وتشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار في أفغانستان، خصوصا في قطاعي التعدين والبنية التحتية، معتبرا أن البلاد بحاجة إلى الشراكات الاقتصادية والاستثمارات أكثر من التدخلات السياسية والعسكرية.
وتراهن السلطات الأفغانية على توسيع التجارة والاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتعدين لتوفير مصادر جديدة للإيرادات وخلق فرص العمل، بما يساعد على تقليص الاعتماد تدريجيا على المساعدات الخارجية.
في أسواق كابل، تظهر آثار التحسن الأمني بوضوح في حركة البضائع وسهولة التنقل بين المدن، لكنّ استقرار الطرق لم يُنهِ العقبات التي تواجه التجار، خصوصا ما يتعلق بالنقل والتمويل والتحويلات المالية.
ومع تراجع الاعتماد على المسار الباكستاني، اتجهت التجارة الأفغانية بصورة متزايدة نحو تنويع طرقها وأسواقها، وبحسب بيانات وزارة الصناعة والتجارة الأفغانية، بلغ إجمالي التجارة الخارجية خلال عام 2025 نحو 13.932 مليار دولار، منها 1.807 مليار دولار صادرات و12.125 مليار دولار واردات.
ويقول محمد يونس مومند نائب رئيس غرفة التجارة والاستثمار الأفغانية، للجزيرة نت: إن تراجع الاعتماد على باكستان دفع التجار إلى تعزيز علاقاتهم التجارية مع دول آسيا الوسطى، ولا سيما كازاخستان وأوزبكستان، والبحث عن مسارات بديلة تقلل الاعتماد على منفذ تجاري واحد.
وتعكس البيانات هذا التحول، إذ سجلت تجارة أفغانستان مع دول آسيا الوسطى ارتفاعا خلال عام 2025، مدفوعة بزيادة الصادرات والواردات.
لكنّ تنويع الأسواق والطرق لا يحل جميع مشكلات التجارة الأفغانية، إذ لا تزال تكاليف النقل وصعوبات التمويل والتحويلات المالية تضغط على نشاط التجار، في وقت يحتاج فيه القطاع الخاص إلى مزيد من الاستثمارات لتوسيع الإنتاج وتحويل نمو التجارة إلى فرص عمل جديدة.
لا يرى اقتصاديون أفغان أن تحسن الوضع الأمني وحده كافٍ لدفع الاقتصاد، إذ تحتاج البلاد إلى استثمارات قادرة على توسيع النشاط الإنتاجي، خصوصا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة.
إعلان
ويرى الخبير الاقتصادي عبد الله بوهان أن أفغانستان تمتلك فرصا كبيرة لاستغلال مواردها الطبيعية وتطوير بنيتها التحتية، لكنه يشدد على أن الاستفادة منها ترتبط بتنفيذ المشاريع وفق معايير واضحة وشفافة وبجودة عالية.
ويقول بوهان للجزيرة نت إن مشاريع الطرق والطاقة والسدود يمكن أن تدعم قطاعات الزراعة والنقل والصناعة، شريطة ضمان جودة التنفيذ وشفافية العقود الممنوحة للشركات، بحيث تتحول الاستثمارات في البنية التحتية إلى قاعدة تدعم النشاط الاقتصادي، بدلا من اقتصار أثرها على فترة الإنشاء.
وتبرز الوظائف بوصفها أحد أهم اختبارات هذه المشاريع. ويقول صهيب رووفي، رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية والإقليمية الأفغاني، للجزيرة نت إن مشاريع البنية التحتية التي أُطلقت خلال السنوات الماضية وفرت فرص عمل، لكنها لم تكن كافية لاستيعاب البطالة المتزايدة.
ويشير رووفي إلى أن جانبا من الوظائف التي توفرها هذه المشاريع يظل مؤقتا وينتهي بانتهاء مرحلة التنفيذ، في حين يحتاج سوق العمل الأفغاني إلى استثمارات تولد وظائف مستدامة وتوسع قاعدة الإنتاج على المدى الطويل.
بالنسبة إلى كثير من الشباب الأفغان، لا يُقاس التحسن الاقتصادي بعدد المشاريع أو حجم الإيرادات، بقدر ما يُقاس بقدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل ودخل مستقر.
وفي مدينة مزار شريف، عاصمة ولاية بلخ شمالي أفغانستان، تعكس تجربة ضياء الرحمن جانبا من تحديات سوق العمل، فبعد تخرجه في تخصص اللغة والأدب الإنجليزي وعمله سنوات في دائرة الإعلام والثقافة بالولاية، اضطُر إلى العمل سائق سيارة أجرة بعدما تعذر عليه العثور على وظيفة تتناسب مع مؤهلاته وخبرته.
ويقول ضياء للجزيرة نت إن الظروف الاقتصادية وضيق فرص العمل دفعاه إلى تغيير مساره المهني، موضحا أن قيادة سيارة الأجرة لم تكن خياره الأول، لكنها أصبحت وسيلته لتأمين احتياجاته المعيشية.
ولا يرى ضياء تجربته حالة منفردة، إذ يشير إلى أن كثيرا من الشباب الحاصلين على شهادات جامعية يواجهون خيارات محدودة في سوق العمل، ما يدفعهم إلى العمل في مهن بعيدة عن تخصصاتهم وخبراتهم.
ولا تقتصر ضغوط سوق العمل على الشباب الموجودين داخل البلاد، إذ أضافت عودة أعداد كبيرة من الأفغان من إيران وباكستان خلال السنوات الأخيرة قوة عاملة جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلا محدودية فرص التشغيل.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، عاد نحو 6.04 ملايين أفغاني من البلدين بين منتصف سبتمبر/أيلول 2023 و30 مايو/أيار 2026، في واحدة من أكبر موجات العودة التي شهدتها أفغانستان خلال السنوات الأخيرة.
وبالنسبة إلى هؤلاء العائدين، لا يقتصر التحدي على تأمين المأوى والخدمات الأساسية، بل يمتد إلى إيجاد مصدر دخل والاندماج مجددا في سوق العمل.
وتزيد هذه العودة الضغط على الوظائف والأجور، خصوصا في المدن والمناطق الحدودية التي تستقبل أعدادا كبيرة من العائدين، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يواجه صعوبة في توفير فرص عمل كافية للقوى العاملة الموجودة أصلا.
وتضع تلك التحديات الاقتصاد الأفغاني أمام اختبار مزدوج يتمثل في استيعاب ملايين العائدين، وفي الوقت نفسه خلق وظائف كافية ومستدامة للشباب الذين يدخلون سوق العمل.
تتزامن هذه الضغوط مع تراجع المساعدات الدولية التي اعتمدت عليها أفغانستان لسنوات في تمويل جانب كبير من الخدمات والاحتياجات الإنسانية، ما يضع الاقتصاد أمام تحدي تعويض جزء من الموارد التي كان يوفرها التمويل الخارجي.
وترى الحكومة الأفغانية في هذا التراجع دافعا لتوسيع قاعدة الإيرادات المحلية والبحث عن محركات بديلة للنمو، وفي مقدمتها التجارة والتعدين والاستثمار، ضمن مساعيها لبناء اقتصاد أكثر اعتمادا على موارده الذاتية.
إعلان
لكنّ هذا التحول يحتاج إلى وقت، خصوصا أن قطاعات وخدمات أساسية ظلت لسنوات مرتبطة بالتمويل الخارجي، في حين لا تزال قدرة الاقتصاد المحلي على تعويض هذا التمويل محدودة.
وبينما تسعى الحكومة إلى زيادة الإيرادات وتوسيع النشاط التجاري والإنتاجي، تواجه البلاد في المقابل احتياجات متزايدة لخلق فرص العمل وتوفير الخدمات وتطوير البنية التحتية، ما يجعل تقليص الاعتماد على المساعدات أحد أبرز اختبارات الاقتصاد الأفغاني.
في مواجهة تراجع المساعدات وضيق سوق العمل، تراهن حكومة طالبان على الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي لأفغانستان بوصفهما ركيزتين لزيادة الإيرادات وخلق فرص العمل.
وخلال السنوات الخمس الماضية، دفعت السلطات باتجاه استثمار المناجم وتوسيع مشاريع الطاقة والطرق والنقل، بالتوازي مع فتح ممرات تجارية جديدة مع دول الجوار، في محاولة لربط الموارد المحلية بالأسواق الإقليمية.
وفي قطاع التعدين، قالت وزارة المناجم والبترول الأفغانية إن قيمة العقود الموقعة خلال العامين الماضيين بلغت نحو 7 مليارات دولار، بينها استثمارات بنحو 6.5 مليارات دولار في 7 عقود رئيسية.
كما تشير بيانات الوزارة إلى توقيع أكثر من 200 عقد تعدين خلال السنوات الثلاث الماضية، تقول إنها أسهمت في توفير أكثر من 150 ألف فرصة عمل في القطاع.
وتُعول الحكومة على التعدين ليصبح أحد مصادر الإيرادات والتشغيل الرئيسية، لكنّ الأثر الاقتصادي لهذه العقود يبقى مرتبطا بانتقالها من مرحلة التوقيع والاستثمار إلى الإنتاج الفعلي، وهو ما يتطلب بنية تحتية داعمة من طرق وطاقة ووسائل نقل، إلى جانب القدرة على الوصول إلى الأسواق.
لكنّ جانبا من العقبات التي تواجه الاقتصاد الأفغاني لا يظهر مباشرة في الأسواق، إذ يبدأ داخل النظام المصرفي وينعكس لاحقا على التاجر والمصنع والمستهلك.
فالشركات التي تعتمد على استيراد المواد الخام والآلات تحتاج إلى قنوات مالية قادرة على تحويل الأموال بكفاءة وفي الوقت المناسب، بينما يؤدي تأخر التحويلات أو ارتفاع تكلفتها إلى زيادة أعباء الأعمال والتجارة الخارجية.
ويقول التاجر الأفغاني محبوب الله محمدي إن صعوبات الخدمات المصرفية وتحويل الأموال أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه التجار، خصوصا في المعاملات المرتبطة بالاستيراد والتجارة الخارجية.
ويضيف محمدي للجزيرة نت، أن الرسوم وتكاليف الخدمات المصرفية تفرض أعباء إضافية على أصحاب الأعمال، الذين يحتاجون إلى قنوات مالية أكثر سهولة وكفاءة لتسديد قيمة البضائع وإتمام معاملاتهم.
وتنعكس هذه القيود في نهاية المطاف على كلفة النشاط التجاري، إذ تزيد تكلفة حركة الأموال وتحد من قدرة الشركات على توسيع أعمالها وإدارة معاملاتها الخارجية بكفاءة.
في المقابل، تسعى الحكومة الأفغانية إلى توظيف تحسن الوضع الأمني بوصفه عاملا لجذب رؤوس الأموال والشركات إلى البلاد، بعد سنوات كانت فيها المخاطر الأمنية من أبرز العوائق أمام الاستثمار.
وتقول السلطات إنها نجحت خلال السنوات الماضية في استقطاب استثمارات جديدة إلى قطاعات التعدين والطاقة والصناعة، بالتوازي مع دعوة الشركات الأجنبية إلى دخول السوق الأفغانية والمشاركة في المشاريع الكبرى.
لكنّ الخبير الاقتصادي عبد الله بوهان يقول للجزيرة نت إن الأمن يمثل جزءا فقط من البيئة التي يحتاجها المستثمر، إذ يتطلب جذب رؤوس الأموال أيضا وضوح الإجراءات وتوفير البنية التحتية والخدمات اللازمة لاستمرار أعمال الشركات.
ويرى بوهان أن قدرة أفغانستان على استقطاب استثمارات طويلة الأجل ترتبط كذلك بسهولة الوصول إلى التمويل والأسواق، وتوفير بيئة أعمال مستقرة تساعد المستثمرين على التخطيط والتوسع.
وتكتسب هذه التحديات أهمية أكبر مع رهان الحكومة على التعدين والطاقة والمشاريع الكبرى لزيادة الإيرادات وخلق النشاط الاقتصادي، ضمن مساعيها لتقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية.
إقرأ المزيد


