"نريد مزيدا من المساجد والأذان".. هل يوثق الفيديو احتجاجا لمسلمين في بريطانيا؟
الجزيرة.نت -

تداولت حسابات يمينية على منصة إكس مقطع فيديو يُظهر تجمعا كبيرا لمسلمين يسيرون في شوارع مدينة ليستر البريطانية، وقدّمت المشاهد على أنها مظاهرة تطالب بتوسيع تراخيص بناء المساجد والسماح ببث الأذان والصلوات عبر مكبرات الصوت خمس مرات يوميا.

ورافقت المنشورات أوصاف تزعم أن ليستر أصبحت "إسلام آباد ثانية" وأن بريطانيا تقترب من "الخلافة الإسلامية"، في إطار خطاب أوسع يحذر من تغير التركيبة الديمغرافية والثقافية للمدن البريطانية بسبب الهجرة والمسلمين، وفق تلك المزاعم.

ولكن تبرز خلف هذه الرواية أسئلة تتجاوز ما يظهر في المقطع نفسه: من يقف وراء تقديم المشهد بهذه الصيغة؟ وما الذي كان يجري فعلا في شوارع ليستر؟ وهل كان التجمع تحركا مفاجئا أم فعالية معروفة ومنظمة مسبقا؟ وهل يمثل المشهد ظاهرة جديدة دخيلة على المدينة، أم جزءا من مناسبة تتكرر منذ سنوات؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة تتبعت مسار انتشار الفيديو، وحددت موقع انطلاق التجمع، كما قارنت المشاهد المتداولة بتسجيلات سابقة، وراجعت ما توفر من معلومات رسمية عن الفعالية والجهات المنظمة لها.

كيف انتشر المقطع؟

بدأ تداول المقطع على نطاق واسع في 17 أغسطس/آب 2026، عندما نشر حساب "HJB News" الفيديو مرفقا بعبارة تصف ليستر بأنها "إسلام آباد"، وهي الصياغة التي أصبحت لاحقا الإطار العام الذي أعادت عشرات الحسابات استخدامه.

ثم أعادت حسابات أخرى نشر الفيديو، مضيفة إليه ادعاءات بأن المسلمين في المدينة يطالبون بمزيد من تراخيص المساجد والسماح برفع الأذان عبر مكبرات الصوت، في حين حذرت منشورات أخرى من أن أوروبا "لن تستيقظ من هذه الكارثة".

كما انتقلت الرواية إلى لغات أخرى، إذ أعادت حسابات فرنسية وإيطالية ترجمة عبارة "ليستر تشبه إسلام آباد" وتداولتها إلى جانب المقطع، بينما ذهبت منشورات أخرى إلى وصف المدينة بأنها أقرب إلى "العالم الثالث" والمطالبة بترحيل جماعي للمهاجرين.

من دفع الرواية إلى الانتشار؟

يشير تتبع التسلسل الزمني للمنشورات إلى أن حساب "HJB News" كان من أوائل الحسابات التي نشرت المقطع بالإطار الذي ربطه بمدينة إسلام آباد، قبل أن تتولى حسابات أخرى إعادة إنتاج الرواية وتوسيع نطاق انتشارها.

وبتحليل الحساب نجد أنه يروّج لخطاب معاد للهجرة، إذ سبق أن نشر تغريدات تصف وصول طالبي لجوء بعبارات تحريضية، مما يشير إلى أن الخطاب كان متعمدا.

إعلان

ولم يتوقف الأمر عند إعادة النشر، بل ظهرت حسابات استخدمت المقطع ضمن خطاب أوسع عن "أسلمة أوروبا" و"الاستبدال الثقافي"، وهي سرديات شائعة في أوساط اليمين المتطرف المناهض للهجرة والمسلمين.

ومن بين الحسابات التي أعادت توظيف الفيديو، الناشط الإعلامي اليميني خافيير نيغري الذي زعم أن المسلمين في بريطانيا يطالبون بتصاريح إضافية للمساجد ورفع الأذان عبر مكبرات الصوت، وربط ذلك بادعاء أن بريطانيا تقترب من "الخلافة الإسلامية".

وانضمت حسابات من خارج بريطانيا إلى الحملة، من بينها حساب أسترالي دعا إلى "رحيل الملايين"، محذرا من أن تصبح المدن الأسترالية شبيهة بمدن بريطانية مثل برمنغهام وليستر وبرادفورد ولندن.

ودخل حساب أسترالي على خط الموجة، محذرا من أن تتحول بلاده إلى مملكة متحدة جديدة إن لم تستيقظ الحكومة، مضيفا "قريبا جدا ستصبح مدننا شبيهة ببرمنغهام وليستر وبرادفورد ولندن، يجب أن يرحل الملايين".

ما حقيقة الفيديو؟

تحققت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة من الفيديو المتداول، وتبين أنه لا يوثق مظاهرة أو حدثا سياسيا كما روجت الحسابات اليمينية، بل فعالية دينية معروفة تقام في ذكرى مولد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- كل عام.

وأكد البحث العكسي أن الفيديو المتداول حديث النشر، وجرى تداوله خلال منتصف أغسطس/آب الجاري. وقادت مطابقة المشاهد مع مقاطع أخرى منشورة من زوايا مختلفة إلى تسجيلات للفعالية نفسها على منصات عدة، نُشرت في الفترة ذاتها، مما يؤكد أن الفعالية حديثة، لكن ذلك ليس دليلا على صحة السياق.

وعند تحليل المقاطع، رصدت الوحدة أفرادا من الشرطة البريطانية منتشرين وسط المحتفلين لتأمين المسيرة، إلى جانب آخرين يشرفون على تنظيم الحركة المرورية في مسار التجمع، وهو ما يؤكد أن الفعالية جرت بتنسيق مسبق مع شرطة المدينة والبلدية، ولم تكن تجمعا عفويا أو غير منظم كما أُوحي في المنشورات المتداولة.

ظهور أفراد من الشرطة البريطانية بين المشاركين بهدف تأمين الفعالية (يوتيوب)
ماذا تعني الأعلام والشعارات؟

وكشف تحليل المقاطع أن الأعلام والشعارات المرفوعة في المسيرة لا تحمل أي مطالب تتعلق بتراخيص المساجد أو مكبرات الصوت، ولا تمت بصلة إلى أي شكل من أشكال الاحتجاج.

فالراية الأكثر ظهورا، تأكدنا أنها تتعلق بحركة "دعوة إسلامي"، وهي حركة إسلامية دعوية وغير سياسية ذات توجه صوفي، أُسست عام 1981 في مدينة كراتشي الباكستانية.

ويدمج تصميم العَلَم بين القبة الخضراء للمسجد النبوي الشريف (باللون الأخضر) ونقوش قبة ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد (باللون الأزرق) والأشكال الهندسية لقمة قبة ضريح الإمام أحمد رضا خان البريلوي في بريلي بالهند (بالخطوط المتموجة بالأسود والأبيض).

كما وجدنا صورة العَلَم في أرشيف المنظمة على مدار السنوات الماضية، إذ يظهر في أكثر من فعالية ومناسبة، كما يُرفع في المسيرات الاحتفالية بذكرى مولد النبي كل عام.

وبالبحث في أرشيف المنظمة وموقعها الرسمي، تبين أن لها نشاطات ومراكز رسمية في دول عدة، أبرزها باكستان وبنغلاديش والمملكة المتحدة وأستراليا وكوريا الجنوبية، إلى جانب انتشارها في عشرات الدول الأخرى.

مظاهر احتفالية

وتظهر في مقاطع أخرى للفعالية مظاهر احتفالية، من بينها توزيع المشروبات والطعام على المشاركين، بما يتسق مع طبيعة حدث ديني واحتفالي وليست احتجاجات، كما زعمت الحسابات.

إعلان

فعالية سنوية

كشف تتبع الأرشيف الرقمي عن وجود مقاطع فيديو مماثلة للمسيرة نفسها في أعوام سابقة، إذ يُنظم هذا الحدث سنويا في المدينة منذ عقود، مما يدحض الرواية القائلة بأنه حدث استثنائي يعكس "تحولا مفاجئا في التركيبة السكانية أو الثقافية للمدينة".

أين بدأت المسيرة؟

بتتبع حسابات بعض المشاركين في المسيرة على منصات التواصل، تبيَّن للوحدة أن المسيرة بدأت من أمام مبنى يتميز بالقبة الخضراء في هيكله الخارجي.

وبمطابقة خصائص المبنى مع الصور والخرائط اتضح أنه المركز الإسلامي في ليستر (Leicester Islamic Centre) الواقع في شارع كوندويت بالمملكة المتحدة.

موقع انطلاق المسيرة من أمام المركز الإسلامي في ليستر (خرائط غوغل).

إحداثيات المبنى: 52.63196060059776 -1.1212809901385634

ويؤكد الموقع الرسمي للمركز الإسلامي في ليستر أنه ينظم مسيرة سنوية بمناسبة المولد النبوي، تنطلق من المركز وتجوب شوارع المدينة.

تنسيق رسمي

كما سبق أن أعلنت بلدية ليستر عن ترتيبات خاصة لإغلاق بعض الطرق خلال المسيرة، مشيرة إلى أنها فعالية ينظمها المركز الإسلامي في المدينة ويشارك فيها مئات الأشخاص، وأن تنظيمها يتم بالتنسيق مع الشرطة والسلطات المحلية.

تأكيد رسمي من بلدية ليستر يعود إلى عام 2025 عن المسيرة السنوية والجهة المنظمة لها (موقع البلدية).

وتشير بيانات البلدية إلى أن المركز ينظم المسيرة منذ أكثر من 30 عاما، وهو ما يناقض وصفها في المنشورات المتداولة بأنها ظاهرة جديدة أو مؤشر مفاجئ على تغير هوية المدينة.

التركيبة السكانية تدحض المزاعم

بحسب بيانات بلدية المدينة، فإن عدد سكان ليستر يبلغ نحو 368 ألف نسمة. وتُعد المسيحية أكبر ديانة في المدينة بنسبة 24.7% من السكان، يليها الإسلام في المرتبة الثانية بنسبة 23.5%، ثم الهندوسية بنسبة 17.9%، وتضم المدينة أيضا واحدة من أكبر الجاليات السيخية في إنجلترا بنسبة 4.5%.

أما عرقيا، فيمثل السكان من أصول آسيوية نحو 43.4% من إجمالي السكان (أغلبيتهم من أصول هندية) مقابل 33.2% من ذوي الأصول البريطانية البيضاء.

وتعكس هذه الأرقام مدينة متعددة الأديان والأعراق تاريخيا، ولا تدعم الرواية القائلة إن المدينة "باتت تشبه إسلام آباد" أو تحولت ديمغرافيا وثقافيا إلى مدينة إسلامية خالصة، كما روجت الحسابات اليمينية المتشددة.



إقرأ المزيد