مهمة تتجاوز البرلمان.. ماذا يحمل قاليباف إلى بغداد؟
الجزيرة.نت -

طهران- من المقرر أن يتوجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، اليوم الأربعاء، وهو يحمل صفتين متداخلتين: رئيس السلطة التشريعية ورئيس الفريق الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة.

وتقول مصادر إيرانية تحدثت للجزيرة نت إن اختيار قاليباف يرتبط بتقسيم للأدوار داخل طهران، إذ يتولى وزير الخارجية عباس عراقجي المسار الدبلوماسي الرسمي، بينما يتحرك رئيس البرلمان في الملفات التي تتقاطع فيها السياسة الخارجية مع الحرس الثوري والفصائل الإقليمية وترتيبات إنهاء الحرب.

وتستمر الزيارة يومين، وتشمل لقاءات مع عدد من المسؤولين العراقيين في مقدمتهم رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي ورئيس الوزراء علي الزيدي ورئيس الجمهورية نزار آميدي وغيرهم، وسيشارك قاليباف في مراسم أربعين المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في كربلاء.

ووفق وكالة "خانه ملت" التابعة للبرلمان الإيراني، تبحث الزيارة التطورات الإقليمية وأمن الحدود ومكافحة الإرهاب والعلاقات الاقتصادية وتنفيذ الاتفاقات المشتركة.

وقال السفير الإيراني في بغداد محمد كاظم آل صادق إن الزيارة جاءت استجابة لدعوة سابقة من رئيس البرلمان العراقي، وإنها كانت مقررة قبل التطورات الأخيرة في إقليم كردستان العراق ولا ترتبط بها، لكنه أكد أن ظروف المنطقة تمنح مشاورات قاليباف أهمية خاصة.

قاليباف (يمين) يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في طهران يوم 23 يوليو/تموز 2026 (رويترز)
لماذا قاليباف؟

تستند الإجابة الرسمية الإيرانية إلى التغيير الذي طرأ على دور قاليباف خلال الحرب، بعدما أُسندت إليه رئاسة الفريق الذي أدار المفاوضات مع الجانب الأمريكي.

وقال الرئيس مسعود بزشكيان، في مقابلة نشرتها وكالة "إرنا" في 7 أغسطس/آب، إنه طلب من قاليباف تولي رئاسة الفريق لإظهار مشاركة الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية والقوات المسلحة وسائر مؤسسات الدولة في المفاوضات، وعدم تقديمها بوصفها مسارا يخص الحكومة وحدها.

إعلان

وأوضح أن اختيار قاليباف جاء نتيجة تفاهم بين مؤسسات الدولة استنادا إلى وقائع الميدان والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في حين وصف عراقجي بأنه "الدبلوماسي الرسمي للبلاد".

ويقول الباحث الإيراني في الشؤون الإقليمية حسين باك للجزيرة نت إن "تقسيما للأدوار" جرى داخل إيران بشأن إدارة الملفات الإقليمية والقضايا المؤثرة في إنهاء الحرب.

ويوضح أن قاليباف انخرط منذ بداية الحرب بصورة مباشرة في الملف العراقي، وأصبح جهة يرجع إليها مسؤولون عراقيون عند إجراء بعض التنسيقات مع المستويات السياسية العليا في طهران.

ويقول باك، استنادا إلى معلوماته، إن قاليباف كان ضمن الشخصيات التي جرت استشارتها بشأن اختيار علي فالح الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية، وإن حضوره في الملفات الإقليمية اتسع خلال الحرب وما أعقبها من اتصالات وزيارات.

قاليباف (يسار) وعراقجي (وسط) خلال مشاركتهما في المباحثات التي جرت في سويسرا مؤخرا (الأوروبية)
قناة بين السياسة والحرس

وعن سبب توجهه إلى بغداد، يقول باك إن قاليباف يؤدي حاليا دور "المنسق والشخصية الرئيسية في التواصل بين الحرس الثوري والمستويات السياسية في إيران"، مما يمنحه موقعا خاصا في الملفات التي تتقاطع فيها السياسة الخارجية مع الاعتبارات العسكرية والأمنية.

ويرجح أن تشمل الزيارة لقاءات لا تقتصر على المسؤولين الرسميين، متوقعا تكرار هذا النوع من المهمات الإقليمية التي يتولاها مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى إلى جانب وزارة الخارجية.

ومن جانبه، يقول رئيس تحرير صحيفة "الوفاق" الحكومية الناطقة بالعربية مختار حداد للجزيرة نت إن العلاقات الإيرانية العراقية تقوم على "ترابط وتشابك واسع وعميق" في المجالات الاقتصادية والأمنية والدفاعية والسياسية، إلى جانب الروابط الشعبية والثقافية والاجتماعية.

ويرى حداد أن هذا الترابط يفرض استمرار التواصل على أعلى المستويات لمواجهة التحديات الأمنية وتعزيز العلاقات الاقتصادية، مشيرا إلى أن التعاون في مواجهة تنظيم الدولة قدم نموذجا لقدرة البلدين على العمل المشترك.

الحكومة والفصائل

وتأتي الزيارة في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء العراقي خلافا متصاعدا مع عدد من الفصائل بشأن مشروع حصر السلاح بيد الدولة.

وكان الزيدي قد وجه بإعداد مشروع قانون لتنظيم الملف، معتبرا أن السلاح المنفلت يمثل أخطر ما يهدد الدولة ويقوض سلطة القانون. وحددت الحكومة نهاية سبتمبر/أيلول موعدا لاستكمال الإجراءات، بينما رفضت فصائل، في مقدمتها كتائب حزب الله العراقي، تسليم ما تصفه بـ"سلاح المقاومة".

كما يتزامن هذا المسار مع ضغوط أمريكية تربط تطوير العلاقة مع بغداد بإحراز تقدم في حصر السلاح، في حين تربط بعض الفصائل مناقشة الملف بانسحاب القوات الأجنبية وإنهاء التهديدات التي تقول إنها تبرر احتفاظها بالسلاح.

ويرى باك أن الخلاف بين حكومة الزيدي وفصائل المقاومة يمثل أحد سياقات الزيارة. ولم تدرج المصادر الإيرانية الرسمية حصر السلاح أو لقاء قادة الفصائل ضمن جدول الأعمال المعلن، مكتفية بالإشارة إلى أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتطورات الإقليمية.

الملف الكردي

ويحضر الملف الكردي من زاويتين مختلفتين. تتعلق الأولى بالهجوم الذي استهدف مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني ومقر مدير جهاز الأمن المحلي في أربيل قبل موعد الزيارة بيومين.

إعلان

واتهمت سلطات الإقليم إيران بإطلاق المسيرتين، وطالب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين طهران بتوضيح رسمي، بينما قال عراقجي إنه لا توجد معلومات تثبت انطلاق الهجوم من الأراضي الإيرانية، محذرا مما وصفه بعمليات "العلم الزائف" الهادفة إلى الإضرار بالعلاقات بين الجانبين.

وأعلن الزيدي تشكيل لجنة للتحقيق، في حين أدان المبعوث الأمريكي توم برّاك الهجوم وأعلن دعم واشنطن لحكومة بغداد في وضع جميع الأسلحة والقوات الأمنية تحت سلطة الدولة.

أما الزاوية الثانية فتتعلق بتنفيذ الاتفاق الأمني بين طهران وبغداد بشأن إبعاد الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة عن المناطق الحدودية وتسليم مواقعها إلى القوات العراقية. وكان عراقجي قد قال في يوليو/تموز إن الاتفاق نُفذ "بدرجة مقبولة"، لكنه أشار إلى استمرار مخاوف في بعض المناطق.

ورغم تأكيد السفير الإيراني أن زيارة قاليباف لا ترتبط بالهجوم الأخير، فإن أمن الحدود وتنفيذ الاتفاق الأمني مدرجان أصلا في برنامجها الرسمي.

قراءة في الرسالة إلى واشنطن

يربط باك زيارة بغداد بالبند الأول من مذكرة تفاهم إسلام آباد، المتعلق بإنهاء الحرب والعمليات العسكرية في جميع الجبهات، معتبرا أن الملف العراقي يدخل ضمن القضايا المؤثرة في مسار إنهاء الحرب.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من كون قاليباف رئيس الفريق المفاوض مع الولايات المتحدة. وقد قال عشية الزيارة إن إيران لن تعيد فتح مضيق هرمز ما لم تنفذ واشنطن التزاماتها، وفي مقدمتها رفع الحصار والعقوبات النفطية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء التهديد والعمليات العسكرية في جميع الجبهات.

وأضاف أن طهران تعمل من خلال "التنسيق بين الميدان الدبلوماسي والعسكري" لإجبار الولايات المتحدة على تنفيذ التزاماتها.

ولم تعلن طهران أن قاليباف يحمل رسالة مباشرة إلى مسؤولين أمريكيين عبر بغداد. لكنْ يمكن، وفق قراءة باك، فهم الزيارة بوصفها رسالة غير مباشرة إلى واشنطن بأن إيران لا تفصل مستقبل الفصائل العراقية عن الترتيبات الإقليمية لإنهاء الحرب.

وبحسب هذه القراءة، فإن انتقال الفصائل إلى ترتيبات أمنية جديدة يجب أن يقابله تنفيذ أمريكي للالتزامات المتعلقة بوقف العمليات والتهديدات، لا أن يجري حصر السلاح تحت ضغط أمريكي منفصل عن تفاهم إسلام آباد.

وسبق لقاليباف أن أدى دورا مشابها في الملف اللبناني، إذ يقول باك إنه أسهم خلال حرب الـ66 يوما في تقريب مواقف حركة أمل وحزب الله بشأن وقف إطلاق النار وبنوده، مستفيدا من اتصالاته برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.

وبذلك لا تمثل زيارة بغداد بديلا عن عمل وزارة الخارجية، بل مهمة سياسية أمنية موازية تجمع بين التواصل مع الدولة العراقية، وإدارة العلاقة مع الفصائل، ومتابعة الملف الكردي، ونقل موقف طهران من تنفيذ التفاهمات إلى واشنطن بصورة غير مباشرة.

ولن يُقاس البعد الحقيقي للزيارة بالبيانات الرسمية وحدها، بل بثلاثة مؤشرات: ما إذا كان قاليباف سيلتقي قادة الفصائل، والصيغة التي ستُستخدم في تناول حصر السلاح، وما إذا كانت مباحثاته ستربط تهدئة الجبهة العراقية بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها في مذكرة إسلام آباد. وستحدد هذه المؤشرات ما إذا كانت الزيارة برلمانية موسعة، أم مهمة سياسية أمنية ضمن إدارة طهران لمسار إنهاء الحرب.



إقرأ المزيد