عاد بعد 3 سنوات فوجد الجميع اختفوا.. ما سر الكلمة الغامضة في مستعمرة رونوك؟
الجزيرة.نت -

Published On 18/8/2026

في 18 أغسطس/آب 1590، عاد المستكشف الإنجليزي جون وايت إلى جزيرة رونوك (Roanoke) بحثا عن ابنته وحفيدته وبقية المستعمرين الذين تركهم هناك قبل 3 سنوات، لكنه لم يجد أحدا من المستعمرين. كانت المستوطنة مهجورة، ولم يبق ما يشير إلى مصير سكانها سوى كلمة محفورة على الخشب.

وكان ذلك اليوم أيضا موعد عيد الميلاد الثالث لحفيدته فيرجينيا دير، التي وُلدت في رونوك عام 1587. ومنذ تلك اللحظة، تحولت المستعمرة إلى واحدة من أشهر ألغاز التاريخ الاستعماري الأمريكي، إذ لم يُحسم حتى اليوم أين ذهب سكانها أو ماذا حل بهم.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
ثلاث سنوات من الانتظار

كانت رونوك إحدى المحاولات الإنجليزية المبكرة لإقامة مستوطنة في العالم الجديد. وفي عام 1587، قاد جون وايت مجموعة من المستعمرين إلى الجزيرة، وأصبح حاكم المستعمرة.

وفي 18 أغسطس/آب من العام نفسه، وُلدت حفيدته فيرجينيا دير، التي تعدها خدمة المتنزهات الوطنية الأمريكية أول طفلة إنجليزية تولد في أمريكا الشمالية. لكن المستعمرة واجهت صعوبات في توفير المؤن والاستقرار، فعاد وايت إلى إنجلترا لتأمين الإمدادات، تاركا خلفه أسرته وبقية المستعمرين.

كان من المفترض أن تكون العودة سريعة، لكنها تأخرت بسبب الحرب بين إنجلترا وإسبانيا، ولم يتمكن وايت من العودة إلى رونوك إلا عام 1590.

وصل في عيد ميلاد حفيدته.. فلم يجدها

في 18 أغسطس/آب، نزل وايت إلى الجزيرة، في اليوم الذي كان من المفترض أن تتم فيه حفيدته عامها الثالث.

لكن بدلا من العثور على أسرته والمستعمرين، وجد المكان مهجورا. وبقيت من المستوطنة آثار وبقايا للمباني، من دون وجود سكان أو علامات واضحة على وقوع صراع أو مغادرة على عجل.

وسط هذا الفراغ، وجد وايت العلامة التي أبقت رونوك حاضرة في كتب التاريخ: "كرواتوان" (CROATOAN) محفورة على أحد أعمدة السور، في حين ظهرت أحرفها الثلاثة الأولى (CRO) على شجرة في موضع آخر من المستوطنة.

"كرواتوان".. رسالة أم بداية اللغز؟

لم تكن "كرواتوان" كلمة غامضة بالنسبة إلى وايت، فقد كان الاسم يشير إلى جماعة من السكان الأصليين وإلى المكان الذي كانوا يعيشون فيه، والذي يرتبط اليوم بجزيرة هاتراس في كارولاينا الشمالية. وكانت تربط المستعمرين وبعض أفراد هذه الجماعة صلات سابقة، من بينها وجود مانتيو -وهو من شعب كرواتوان- مع الإنجليز.

إعلان

وكان وايت قد اتفق مع المستعمرين على ترك علامة تحدد المكان الذي سيتوجهون إليه إذا اضطروا إلى مغادرة رونوك. وإذا غادروا بسبب خطر أو هجوم، كان عليهم إضافة علامة صليب إلى النقش.

لذلك رأى وايت في كلمة "كرواتوان" من دون الصليب دليلا محتملا على أن المستعمرين غادروا رونوك واتجهوا إلى كرواتوان. لكنه لم يتمكن من الوصول إلى هناك للتحقق من فرضيته، إذ عطلت العواصف رحلته، وأجبرته على العودة إلى إنجلترا.

أين ذهب المستعمرون؟

منذ ذلك الحين، ظهرت فرضيات عدة بشأن مصير المستعمرة، ومن أبرزها أن المستعمرين غادروا رونوك وانتقلوا إلى مناطق أخرى، وربما اندمج بعضهم مع جماعات من السكان الأصليين.

وتدعم كلمة "كرواتوان" فرضية الانتقال، لكنها لا تثبتها وحدها. فقد عُثر على آثار تعود إلى الفترة الاستعمارية في جزيرة هاتراس، لكن خدمة المتنزهات الوطنية تقول إن أيّا من البقايا البشرية أو القبور أو المباني أو مواقع القرى لم يُربط بصورة حاسمة بمستعمرة رونوك.

ولهذا ظل مصير المستعمرين غير محسوم، رغم أكثر من أربعة قرون من البحث في الوثائق والآثار والخرائط.

فيرجينيا دير.. الطفلة التي بقيت في قلب اللغز

لم تكن فيرجينيا دير مجرد واحدة من أفراد المستعمرة المفقودة، فقد ارتبط اسمها منذ البداية بقصة رونوك، لأنها وُلدت هناك في 18 أغسطس/آب 1587، وكانت ابنة إليانور دير وحفيدة جون وايت. وعندما عاد جدها بعد 3 سنوات لم يجدها، شأنها شأن بقية المستعمرين.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت قصة فيرجينيا دير جزءا من الذاكرة الأمريكية، وتحولت إلى رمز للمستعمرة التي لم يُعرف مصير سكانها، رغم أن المصادر التاريخية لا تقدم أي معلومات موثوقة عن حياتها بعد مغادرة جدها رونوك.

لماذا بقيت رونوك لغزا؟

تكمن قوة قصة رونوك في أن الدليل المتاح قليل، لكنه يفتح أبوابا كثيرة للتفسير؛ مستوطنة مهجورة، ومستعمرون غادروا من دون أن يُعرف إلى أين، وكلمة تشير إلى مكان وجماعة من السكان الأصليين.

ومنذ القرن الـ16، استمرت محاولات البحث عن المستعمرين، ثم تطورت لاحقا إلى عمليات تنقيب ودراسات تاريخية وأثرية. لكن العثور على آثار إنجليزية في المنطقة لا يكفي وحده لإثبات أنها تعود إلى أفراد مستعمرة رونوك.

وهكذا بقيت "كرواتوان"، الكلمة المحفورة على الخشب، أهم خيط تركه المستعمرون وراءهم؛ ليست إجابة نهائية عن مصيرهم، لكنها آخر إشارة واضحة وصلتنا من مستعمرة غادرها سكانها في ظروف لم تُعرف تفاصيلها، وبقي لغزها مفتوحا أكثر من أربعة قرون.



إقرأ المزيد