الجزيرة.نت - 8/18/2026 4:46:31 PM - GMT (+3 )
الخرطوم- في أقصى الركن الشمالي الشرقي من ولاية شمال دارفور، حيث تنتهي الطرق وتبدأ الصحراء، وعلى بعد نحو 220 كيلومترا شمال غرب مدينة الفاشر، تقبع محلية المالحة في عزلة شبه تامة عن العالم.
هذه المنطقة، التي كانت يوما بوابة التجارة البرية مع ليبيا وأكبر نقطة جمارك للبضائع القادمة من الشمال، أصبحت اليوم منسية، قطعتها الحروب وأغلقت منافذها الحدودية.
وتقطنها قبيلة الميدوب، التي تعتمد على الرعي والتجارة الحدودية، وتضم ثروات طبيعية نادرة، أبرزها بئر العطرون، التي تُعد أحد أهم الموارد الطبيعية في المنطقة.
ومنذ 20 مارس/آذار 2025، عندما سيطرت قوات الدعم السريع على المالحة بعد معارك استمرت أكثر من شهرين، لم تعد الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء تدخل إليها، في مشهد يعيد إلى الأذهان مآسي المجاعات التي ضربت إقليم دارفور في عقود سابقة.
من جانبه، يقول حسبو محمد علي جودة مسؤول الإعلام في منظمة الجسور للسلام والتنمية (منظمة محلية)، للجزيرة نت، إن عدد سكان محلية المالحة يبلغ نحو 271 ألف نسمة، استنادا إلى مسوحات ميدانية سابقة، وإنها أصبحت منطقة منسية ومعزولة تماما عن العالم، وتفتقر إلى وجود المنظمات الإنسانية الدولية.
واليوم، يواجه السكان، بينهم أطفال ونساء، خطر الموت جوعا وعطشا، في وقت كشف فيه برنامج الأغذية العالمي عن خفض المساعدات الغذائية في السودان بنسبة تزيد على 50% بسبب نقص التمويل الحاد.
وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن المالحة شهدت نزوحا واسعا، حيث اضطرت أكثر من 15 ألف أسرة إلى الفرار خلال 48 ساعة فقط جراء القتال العنيف الذي سبق سيطرة الدعم السريع على المنطقة.
ويقول ممثل غرفة طوارئ المالحة ياسر عبد الكريم فضل، في تصريحات للجزيرة نت، إنه منذ 20 مارس/آذار 2025، لم تدخل أي شاحنة محملة بالغذاء أو الدواء إلى المنطقة بسبب الأوضاع الأمنية، حيث عزف أصحاب الشاحنات عن الوصول إليها.
إعلان
ويضيف فضل أن الطرق التي كانت تربطهم بليبيا وشمال السودان أصبحت غير آمنة، وأن المواطنين يعانون من شح في الغذاء والدواء، وسط انتشار الأمراض. ويؤكد أن "الوضع في المالحة يتجاوز حدود التحمل البشري. نحن نناشد المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية التدخل العاجل لفتح ممرات إنسانية آمنة، قبل فوات الأوان".
وكانت المالحة، التي تقع على الحدود مباشرة مع ليبيا، تعتمد بشكل شبه كامل على الطرق القادمة من الشمال، خاصة ليبيا ومنطقة المثلث والدبة، لتأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء والوقود.
وكانت تضم أكبر نقطة جمارك لاستقبال الشاحنات القادمة من ليبيا، فضلا عن بئر العطرون الشهيرة التي كانت مصدر رزق للكثيرين. لكن مع اشتداد الحرب في المناطق الصحراوية، أُغلقت هذه الطرق والمنافذ بالكامل، وتحولت المنطقة إلى جزيرة معزولة عن العالم.
ويقول فرح عبد الرحيم، وهو مواطن نازح من قرية مجاورة للمالحة، للجزيرة نت: "كنا نعتمد على ما يأتي من ليبيا ومن شمال السودان (الدبة)، لكن الآن لا شيء يأتي. الأسعار ارتفعت بشكل جنوني، والدواء انتهى من الصيدليات، والمستشفى يعمل بدون إمدادات".
وأوضح أن معظم المتاجر في المنطقة أغلقت أبوابها بعد أن نفدت لديها السلع الأساسية، في وقت تزايدت فيه أعداد النازحين الوافدين إلى المنطقة جراء الأحداث التي شهدتها المناطق المجاورة، والذين يعيشون الآن -وفقا له- في أوضاع معيشية قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وتابع عبد الرحيم "النازحون الجدد وصلوا بلا شيء، ووجدوا أنفسهم في منطقة تعاني أصلا من ندرة حادة في السلع والخدمات. الجميع هنا يعاني، سواء من كان مقيما أو نازحا. لا غذاء، لا دواء، ولا أمل".
وتشير تقديرات غرفة طوارئ المالحة إلى أن عشرات الآلاف من السكان أصبحوا معزولين تماما عن أي مساعدات إنسانية، في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية.
ومع انقطاع الطرق، ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات قياسية، وتوقفت أكثر من 40 بئرا ومحطة مياه عن العمل بسبب نقص الوقود، مما دفع السكان إلى الاعتماد على مصادر مياه ملوثة.
من ناحيته، أشار مسؤول الإعلام بمنظمة الجسور والسلام إلى أن المنظمة أجرت مسوحات في مختلف القرى المجاورة أثبتت وجود ندرة في السلع الاستهلاكية بسبب إغلاق المنافذ وانقطاع الإمدادات، إلى جانب تدهور الوضع الصحي مع انعدام الأدوية، لافتا إلى أن النساء والأطفال يصطفون أمام الآبار لساعات طويلة للحصول على مياه الشرب.
وحذرت غرفة طوارئ المالحة من أن استمرار انقطاع الطرق، خاصة مع دخول موسم الأمطار، سيؤدي إلى كارثة إنسانية، إذ سيواجه الأطفال والنساء خطر الموت جوعا وعطشا.
وفي تقرير ميداني أصدرته في 6 أغسطس/آب 2026، أشارت منظمة الجسور للسلام والتنمية إلى أن المجتمع الدولي "يركز جهوده على مخيمات النزوح الرئيسية، متجاهلا مناطق مثل المالحة التي تعاني بصمت"، محذرة من أن استمرار العزلة القسرية للمنطقة، واستمرار انقطاع المساعدات، قد يحولها إلى "مقبرة جماعية صامتة".
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من برنامج الأغذية العالمي حول خفض المساعدات في إقليم دارفور وتداعيات ذلك على المناطق المعزولة مثل المالحة، لكنها لم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير.
إعلان
كما سعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع، التي تقع المنطقة تحت سيطرتها، حول الأوضاع الإنسانية فيها، لكنها لم تتلق ردا.
إقرأ المزيد


