الجزيرة.نت - 8/18/2026 4:46:26 PM - GMT (+3 )
تبدو أهرامات مروي محاطة بمظاهر متراكمة من التدهور؛ فالرمال تزحف إلى محيط عدد منها وتتراكم على جوانبها، بينما تتجمع مياه الأمطار في المناطق المنخفضة وتتسرب إلى أجزاء منها، وتنمو الأعشاب بين الأحجار وحول قواعد الأهرامات.
يترافق ذلك مع تشققات في بعض الأحجار وتبلور للأملاح داخل الحجر الرملي، في مشهد يثير مخاوف وجودية بشأن سلامة واحد من أبرز مواقع مملكة كوش الأثرية شمالي السودان. يضم هذا الموقع أكثر من 200 هرم، شُيدت على مراحل خلال تاريخ المملكة، لتشكل واحداً من أصلب الشواهد على الهوية والحضارة الكوشية.
تأتي هذه التطورات الخطيرة في وقت تعطلت فيه أعمال الصيانة المنتظمة منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، بينما شهد الموقع خلال العامين الماضيين (2024 – 2025) ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات الأمطار والرطوبة.
تآكل مستمر.. جغرافيا قاسية وحجر يقاوملا ترتبط مظاهر التلف التي تصيب الأهرامات بالسنوات الأخيرة وحدها؛ إذ تشير دراسات أثرية إلى تعرض الحجر المستخدم في تشييدها لعوامل التدهور منذ عصور قديمة، في معركة طويلة من أجل البقاء.
وتقول ليلى عثمان عبيد، نائب مدير العلاقات الدولية والمنظمات بقطاع السياحة، إن الدراسات أظهرت تغيرات مستمرة في الحجر النوبي الرملي المستخدم في بناء الأهرامات منذ القرن الرابع قبل الميلاد، بفعل عوامل مناخية وطبيعية مختلفة.
وتوضح ليلى في حديث للجزيرة، أن طبيعة الحجر والمواد اللاصقة المستخدمة في البناء، وهي خليط من الجير والطمي والرمل، تجعل بعض مكونات الأهرامات أكثر عرضة للتشقق. كما تؤثر طريقة استخراج الأحجار من المحاجر ووضعها في اتجاه مغاير لطبقاتها الطبيعية في تماسكها، بينما تسهم الرياح المحملة بالرمال والأتربة في تآكل الأسطح وطمس النقوش والمنحوتات.
وخلال عامي 2024 و2025، أدى ارتفاع معدلات الأمطار وتراكم الرمال والكثبان حول الأهرامات إلى زيادة الرطوبة في الموقع، بحسب عثمان.
إعلان
وتتغلغل مياه الأمطار من قمم بعض الأهرامات إلى طبقاتها الداخلية، حيث يمكن أن تؤثر في الردم الواقع بين جدران الحجر الرملي وتضعف تماسك البناء. كما يؤدي تشبع الأحجار بالرطوبة إلى تكوّن الأملاح داخلها، ومع تمددها وانكماشها تتسع الشقوق ويتسارع تفتت الحجر.
لقد ضاعفت الحرب من صعوبة التعامل مع هذه العوامل، ليس فقط بتعطيل الميزانيات، بل بتشتيت العنصر البشري؛ إذ فقدت الهيئة المعنية بالآثار عدداً من كوادرها بسبب النزوح والهجرة القسرية، وفقاً لمحمود سليمان، مدير إدارة الآثار.
ويقول سليمان في تصريحات للجزيرة، إن ذلك انعكس سلبياً على قدرة الهيئة على تشكيل فرق منتظمة لمراقبة المواقع الأثرية وصيانتها. ويواجه الموقع ضغوطاً أخرى مرتبطة بزحف الرمال والأمطار الغزيرة، في وقت تَحُد فيه محدودية الموارد المالية من القدرة على تنفيذ أعمال الحماية والصيانة المطلوبة.
وتكشف حالة "الهرم رقم 19" عن جانب من هذه المخاطر؛ فقد انفصلت أجزاء من واجهته الأمامية وبوابته عن جسم الهرم. ويربط سليمان ذلك بوقوع الهرم في منطقة منخفضة تتجمع فيها مياه الأمطار وتتدفق إلى داخله، مشيراً إلى أن فرق الآثار تعمل حالياً بجهود ذاتية على إنشاء مصارف مؤقتة للمياه، إلى حين الوصول إلى معالجة أكثر استدامة.
دفعت هذه المخاطر الهيئة إلى إطلاق نداءات عاجلة، بحسب سليمان، لكن الاستجابة الدولية ظلت محدودة ومخيبة للآمال، في حين واجه مشروع "اليونسكو" صعوبات مرتبطة بعدم استقرار التمويل، مما يكشف هشاشة الاعتماد على المنظومة الدولية في حماية الإرث الوطني وقت الأزمات.
إلى جانب ذلك، لا تقتصر التهديدات على العوامل الطبيعية وتداعيات الحرب، فالممارسات البشرية تسهم بدورها في التدهور. ويشير سليمان إلى تسلق بعض الزوار للمباني والكتابة على أحجارها، وهي سلوكيات تفتقر لوعي "الاستخلاف الحضاري" وتلحق أضراراً مباشرة بالمكونات الأثرية.
المخاطر التي تواجه مروي لا تبدو معزولة عن محيطها؛ إذ يرى الصحفي المهتم بالآثار أحمد سيف الإسلام، أن المقارنة بين مروي ومواقع مثل "جبل البركل" و"نوري" و"النقعة" و"المصورات الصفراء" تكشف اتساع نطاق التحديات التي تواجه التراث الأثري في شمال السودان بأكمله.
ويوضح سيف الإسلام للجزيرة، أن الأمطار والسيول والرطوبة تمثل تهديداً لبعض المواقع، بينما تتعرض أخرى لتأثيرات الرياح والتعرية، فضلاً عن الزيارات غير المنظمة. ويضيف أن الحرب فاقمت هذه المخاطر عبر تعطيل أعمال المراقبة وتوقف المشروعات والبعثات.
لا تبدو مظاهر التدهور في أهرامات مروي وليدة اللحظة، إذ وثقت تقارير سابقة سقوط كتل حجرية من قمم عدد من الأهرامات (11، 12، 13). وتشير اليونسكو إلى أن الموقع شهد عبر تاريخه انهيار أجزاء من مقابره، فضلاً عن الأضرار الفادحة التي لحقت به خلال عمليات "البحث عن الكنوز" (النهب الاستعماري) في القرن التاسع عشر.
إعلان
إلا أن الفارق اليوم يتمثل في تراجع القدرة الوطنية على التدخل السريع. إن أهرامات مروي لا تقف اليوم في مواجهة المناخ فحسب، بل تواجه اختباراً قاسياً لمدى قدرة الأمة – وسط جراحها النازفة – على التمسك بشواهد هويتها وتاريخها قبل أن تذروها رياح النسيان والرمال.
إقرأ المزيد


