المزاج الأمريكي ينقلب.. وعزل إسرائيل قد يكون أقرب مما تظن
الجزيرة.نت -

في الأيام الماضية كشفت عدة استطلاعات للرأي عام 2026 الصادرة عن الكثير من المؤسسات الأمريكية المتخصصة في هذا المجال عن تحول أمريكي واضح في المزاج الشعبي لناحية الاقتناع بشكل أكبر بعدالة القضية الفلسطينية، وكذلك حتمية اتخاذ مواقف أكثر حيادية، وربما مناوئة لإسرائيل.

التحول الأمريكي الأخير ارتبط دون شك بالتطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة العربية والمحيط الإقليمي بها، ليس فقط فيما يتعلق بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بل والأهم من ذلك التطورات التي أعقبت هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من تدمير ممنهج لقطاع غزة، في عمليات راح ضحيتها نحو 73 ألف شهيد، منهم نحو 17 ألف طفل، وما يربو على 170 ألف جريح، إضافة إلى هدم أكثر من 90% من مباني قطاع غزة، ما جعل القطاع الذي يعد أكبر البؤر اكتظاظا بالسكان في العالم، غير قابل للعيش.

ما دفع الشعب الأمريكي لتحول رؤيته تجاه الفلسطينيين والإسرائيليين، أن المواطن الأمريكي نفسه هو من يدفع فاتورة تلك المأساة الكبرى؛ بسبب دعم الإدارة الأمريكية لإسرائيل، ما يجعل المواطن يدرك أنه مسؤول عن تلك النكبات التي تُرتكب، ومن ثم ضرورة وقف تبعات هذا الدعم، المفضي إلى تشجيع المحتل الصهيوني في التمادي في سياسته العنصرية، المعتمدة على القتل والتدمير والتهجير وتعذيب الأسرى، ونهب الموارد والثروات وتدنيس المقدسات الدينية.

من المهم أن يتم دعم هذا الزخم لدفعه إلى الأمام لجهة المزيد من التراجع في دعم الكيان الصهيوني، عسى أن يكون ذلك بداية لخطوات عملية نحو ترك الكيان أعزل عن أهم دعم دولي يدعم بقاءه واستمراره

تحولات جذرية في المزاج الأمريكي

خلال الأسابيع الماضية توالت نتائج أربعة استطلاعات رأي صادرة عن ثلاثة من أكبر مراكز استطلاعات الرأي الأمريكية وهي غالوب، وبيو، ومجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية، علاوة على شبكة "سي إن إن". تقول نتائج استطلاعات الرأي:

إعلان

1. إن نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين هي (41%)، مقارنة بالمتعاطفين مع إسرائيل (36%)، وهذا الأمر يتباين مع نتائج صدرت لذات القائمين بالاستطلاع، منذ 3 سنوات.

حيث كانت نسبة التعاطف مع الفلسطينيين (31%)، مقابل نسبة التعاطف مع إسرائيل والتي كانت (54%). وكان هذا التطور قد اتضح أيضا بالمقارنة بنتائج مشابهة عام 2013، حيث كان التعاطف على الترتيب هو (64%) لإسرائيل مقابل (12%) فقط للفلسطينيين.

2. يرى (68%) من الأمريكيين أن هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تكن تستحق تكاليفها الباهظة (المقدرة بـ34-42 مليار دولار)، ويعتقد (86%) أنها أضرت بتكلفة المعيشة في الولايات المتحدة، بينما يرى (59%) أنها أضرت بالأمن القومي الإسرائيلي نفسه، مما عزز الموقف الرافض للدعم المطلق لإسرائيل.

3. حزبيا، ورغم بقاء تعاطف الجمهوريين مع إسرائيل بشكل أكبر من التعاطف مع الفلسطينيين، فإن الميل العام لدى الجمهوريين صار في اتجاه الانحسار بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

فمن بين كل 10 أشخاص استُطلع رأيهم، أصبح هناك تعاطف لـ7 مع إسرائيل، بعدما كان عدد هؤلاء 8 قبل حرب غزة. ورغم أن هذا التطور لم يكن كبيرا، فإن ما أظهر إيجابيته أنه بعد تلك الحرب كان من بين كل 10 من الجمهوريين، 6 من المؤيدين لقيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. جدير بالذكر أن الاستطلاعات كشفت أن (64%) من الديمقراطيين أيدوا قيام دولة فلسطينية.

4. ذكر (91%) من الديمقراطيين و(76%) من المستقلين أن الحرب على إيران لم تكن تستحق التكاليف والأعباء المالية التي تحملتها بلادهم. هذا الرقم دلالته في أنه يضع صناع القرار تحت ضغوط غير مسبوقة في الولايات المتأرجحة.

5. انخفضت ثقة المستطلعين في نتنياهو إلى (59%) (ثقة ضئيلة أو منعدمة)، في حين كانت الثقة فيه (27%)، وهذه الأرقام التي أتى بها بيو لم تختلف عن أرقام "سي إن إن"؛ إذ انخفض التأييد لنتنياهو من 9 نقاط مع بداية عام 2024 إلى -23 اليوم.

تكشف استطلاعات الرأي أن التعاطف مع الفلسطينيين قد بدأ مبكرا، على النحو الذي شوهد في مظاهرات الجامعات الأمريكية الكبرى في الولايات المتحدة منذ ثلاث سنوات، والتي تُشير إلى أنه دعم صار متقدا ومتصاعدا

الفجوة الجيلية تزيد التعاطف مع الفلسطينيين

وكان التطور أكبر لدى الشباب، لكون هذا الجيل من أكثر المتفاعلين مع الأحداث السياسية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يُجيد هؤلاء التعامل مع شبكات الاتصال غير الرسمية، إضافة إلى أن هؤلاء هم الأكثر تمردا على ما اعتاده كبار السن من دعم تقليدي لإسرائيل.

والأهم من كل ذلك، هو أن أهمية هذا الجيل تكمن في أنه هو من سيتولى القيادة والريادة في المجتمع الأمريكي خلال السنوات القادمة. هنا تكشف الأرقام المرتبطة بالخط العمراني عن شواهد لا تخطئها عين، وذلك على النحو التالي:

1. نظر من هم فوق الـ55 عاما إلى إسرائيل عبر منظور الحليف، إذ يوافق حوالي نصفهم على سلوكها العسكري في غزة، في حين أن الشباب تحت 35 عاما يتعامل مع الأمر عبر منظور قيمي وحقوقي وعدلي، حيث لا يوافق سوى (9%) منهم على السلوك العسكري الإسرائيلي، و(15%) فقط أيدوا الضربات على البرنامج النووي الإيراني، مقابل (55%) لدى كبار السن، مقابل تعاطف (53%) منهم بشكل واضح مع الفلسطينيين.

إعلان

2. الأكثر دلالة هو جيل الـ 35-54 عاما، الذي شهد أقوى تحول سنوي بارتفاع حاد في تعاطفه مع الفلسطينيين خلال عام واحد فقط، مما ينبئ بأن صعود هذه الأجيال الشابة إلى مواقع القرار التشريعي والتنفيذي سيُعيد بالضرورة تشكيل ملامح السياسة الخارجية الأمريكية لعقود قادمة، لا سيما مع تراجع الثقة بالقيادة السياسية الإسرائيلية إلى أدنى مستوياتها، حيث كشفت بيانات مركز بيو أن هناك زيادة في الانطباعات السلبية عن إسرائيل، إذ يرى (64%) من الأمريكيين أن إسرائيل تلعب دورا سلبيا في الشرق الأوسط.

3. وفي الحزب الجمهوري تراجع الدعم لإسرائيل فيمن هم أدنى من 50 عاما بفارق 28 نقطة، إلى (-16) نقطة. وبين الديمقراطيين في نفس الشريحة العمرية انهار الدعم من 3 نقاط إلى (-55) نقطة.

ظهور نتائج الاستطلاعات على أرض الواقع

في الواقع العملي ظهرت نتائج استطلاعات الرأي الأربعة على الأرض الأمريكية، سواء بين المواطنين العاديين أو الحزبين، وكل تلك النتائج تكشف على أن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل قد ولى.

من ناحية أخرى، تكشف استطلاعات الرأي أن التعاطف مع الفلسطينيين قد بدأ مبكرا، على النحو الذي شوهد في مظاهرات الجامعات الأمريكية الكبرى في الولايات المتحدة منذ ثلاث سنوات، والتي تُشير إلى أنه دعم صار متقدا ومتصاعدا. ما يعنى أن التحول في المزاج العام بدا يسير بسرعة لجهة الابتعاد عن التأييد الآلي للكيان الصهيوني.

واحد من أبرز الأمور التي دلت على التحول هو انتخاب عبدول السيد (عبد الرحمن السيد) في أغسطس/آب الحالي ممثلا عن الديمقراطيين في ولاية ميشيغان في انتخابات مجلس الشيوخ التي ستجرى قبل نهاية العام الحالي، وذلك بحصوله على (48.5%) على منافسته المدعومة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) هيلي ستيفنز التي حصلت على (47.5%) من الأصوات.

في تلك الانتخابات كانت القضية الفلسطينية حاضرة جنبا إلى جنب، وليست تالية، لقضايا السياسة الداخلية المعنية بالصحة وغيرها. جدير بالذكر أن "عبدول" بعد فوزه الأخير، بدأ مبكرا حملته لمجلس الشيوخ ضد منافسه الجمهوري مايك روجرز.

على ذات المنوال، فاز في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي زهران ممداني في انتخابات عمدة نيويورك، وذلك بنسبة (50.4%)، وذلك على منافسيه المدعومين من إسرائيل.

جدير بالذكر أن ممداني رغم أنه أعلن في 21 يوليو/تموز الماضي أن مدينة نيويورك لا تملك اعتقال نتنياهو إذا قدم لمقر الأمم المتحدة، فقد أقر أن الإدارة الفدرالية عليها أن تقوم بذلك، لكون المطلوب "مجرم حرب" وهو مطلوب للعدالة.

من أبرز الأمور التي دلت على التحول هو انتخاب عبدول السيد في أغسطس/آب الحالي ممثلا عن الديمقراطيين في ولاية ميشيغان بانتخابات مجلس الشيوخ التي ستجرى قبل نهاية العام الحالي، وذلك بحصوله على (48.5%) على منافسته المدعومة (أيباك) هيلي ستيفنز

زخم يستحق الركض خلفه لدفعه إلى الأمام

هذا التطور الكبير الذي عبرت عنه استطلاعات الرأي، وبدأ يعبر عنه شعبيا في الجامعات وصناديق الانتخابات في الولايات المتحدة، ربما يحقق بعض النتائج المهمة في الانتخابات القادمة للكونغرس. هنا من المهم أن يتم دعم هذا الزخم لدفعه إلى الأمام لجهة المزيد من التراجع في دعم الكيان الصهيوني، عسى أن يكون ذلك بداية لخطوات عملية نحو ترك الكيان أعزل عن أهم دعم دولي يدعم بقاءه واستمراره.

1. لا شك أن التركيز على قضايا الداخل الأمريكي الأكثر احتياجا للجمهور يتحتم أن يسير جنبا إلى جنب قضايا الخارج. بمعنى أن جعل قضايا الداخل ثانوية لصالح قضايا الخارج، لن يجدي نفعا، نظرا لاهتمام الناخب الأمريكي بشكل كبير بقضايا الداخل التي تمس حياته بشكل مباشر. بعبارة أخرى، مهم أن يتم مزج قضايا الداخل بالخارج (تكلفة دعم إسرائيل)، وأثر الأخيرة على الوضع المتردي للأولى.

إعلان

2. يعتبر تهميش ودحض كافة القضايا التي تتحرك فيها أيباك ومن شابهها من منظمات يهودية، فيما يخص دعم الكيان الصهيوني بالمال والسلاح، اتجاها مهما، من خلال تحليل رقمي وبياناتي لكيفية قيام الناخب بتحمل أعباء ضريبية ولنكبات عديدة أخرى يجنيها الشعب الأمريكي جراء دعم كيان عنصري يستبيح القتل والتدمير والتهجير.

3. لا شك أن حث الناخب الأمريكي على عدم قطع صلاته بنوابه في الكونغرس، ومن ثم دعم المطالب الشرعية المتعلقة بعدم دعم الكيان الصهيوني ولفت الأنظار للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، هو من الاتجاهات المهمة، التي لا تجعل العلاقة بين الناخب والنائب مجرد علاقة انتخابية استمرت لأيام وانتهت.

4. أيضا الحث والتحريض المستمران على المشاركة بأعمال تطوعية ذات أهداف سياسية واقتصادية، لقيام من هم في الولايات المختلفة، والأدنى من الولاية كالمدن والجامعات، برفض الاستثمارات في الكيان الصهيوني، ومنع استيراد السلع المنتجة إسرائيليا من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الدخول للأراضي الأمريكية. لا شك أن أهمية هذا العمل ستفقد الدعم غير المباشر للكيان الصهيوني، ويجعل إدراكه أنه كيان أصبح منبوذا من الكافة، يأتي أكله تدريجيا.

5. الاتصال المستمر بالمنظمات الحقوقية الأمريكية والتنسيق مع المنظمات الدولية والأوروبية الشبيهة بغرض فضح ممارسات الكيان الصهيوني، وبث صور حية ومستمرة دون كلل أو ملل، لمأساة شعب أعزل يُقتل ويُعذب ويُشرد ويُطلب منه الخضوع والإذعان وعدم المقاومة بكافة الطرق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد