انتخابات الليكود الداخلية.. المصير المجهول والانشقاقات المتوقعة
الجزيرة.نت -

لم تكن انتخابات الليكود التمهيدية هذه المرة مجرد سباق على ترتيب الأسماء، بل تحولت إلى اختبار لقوة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو داخل الحزب عشية انتخابات الكنيست.

فالنتائج الأولية كشفت قائمة أكثر ازدحاما وأشد هشاشة، بينما صنعت المقاعد المحجوزة التي حصل عليها نتنياهو طبقة ثانية من الصراع، من يدخل الكنيست، ومن يُدفع خارجه، ومن يظل مواليا بعدما يعرف أن مستقبله السياسي انتهى.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

بعد فرز 100% من الأصوات، تصدر وزير الطاقة إيلي كوهين، يليه رئيس الكنيست أمير أوحانا ثم وزير العدل ياريف ليفين، فميري ريغيف وأوفير كاتس ثم يوآف كيش وميكي زوهار وألموغ كوهين وعميخاي شيكلي ودودي أمسالم.

وبينما استقرت تالي غوتليب في المركز الـ12، وديفيد بيتان في الـ15، ونير بركات في الـ16 بفارق يقل عن 200 صوت عن زئيف إلكين، بقي هانوخ ميلبيتسكي وماي غولان وكاتي شيتريت وأرييل كيلنر وعيديت سيلمان وآفي ديختر ونسيم فاتوري خارج المراكز الواقعية وفق الصورة الحالية.

تسعة مقاعد محجوزة لنتنياهو حتى المركز الثلاثين ستعيد فعليا ترتيب القائمة (رويترز)

وكتبت مراسلة "هآرتس" في الكنيست نوعا شبيغل -اليوم الثلاثاء- أن 9 مقاعد محجوزة لنتنياهو حتى المركز الثلاثين ستعيد فعليا ترتيب القائمة، بما يجعل المركز في الانتخابات التمهيدية مختلفا عن الموقع النهائي في قائمة الليكود.

وتكشف الأرقام حجم الاختناق، فقد منحت استطلاعات الرأي الليكود نحو 22 مقعدا، بينما كان نحو 40 من وزرائه ونوابه الحاليين يتنافسون على عدد محدود من المواقع. وحتى إذا تجاوز الحزب 30 مقعدا، فإن نحو 17 فقط من أعضائه الحاليين سيضمنون مواقع قابلة للدخول.

وبلغت نسبة المشاركة 53.5% مقابل 58% عام 2022، وهي نسبة عدَّها مسؤولون حزبيون مرتفعة قياسا بإجراء الاقتراع في منتصف أغسطس/آب، لكنها بقيت دون الدورة السابقة.

إعلان

خريطة قوى جديدة

ولم يكن تقدم كوهين وأوحانا وليفين وريغيف المفاجأة الوحيدة، ففي تقرير نشرته "يديعوت أحرونوت" اليوم الثلاثاء، رأت مراسلتها السياسية موران أزولاي أن ألموغ كوهين -الوافد من "عوتسما يهوديت"- سجل اختراقا كبيرا، في حين تراجع وزراء ونواب مخضرمون إلى حافة الخروج، بينهم ماي غولان وعيديت سيلمان وآفي ديختر.

تراجع وزراء ونواب مخضرمون إلى حافة الخروج، بينهم ماي غولان وعيديت سيلمان وآفي ديختر (الفرنسية)

وفي الوقت نفسه، حافظ ليفين على موقع متقدم رغم الصراع حول التغييرات القضائية، وقال لدى التصويت إنه لن يتراجع حتى يستكمل ما وصفه بـ"الإصلاح الضروري". ويشير ذلك إلى أن المعركة القضائية بقيت معيارا مهما داخل قواعد الحزب، إلى جانب الولاء الشخصي والقدرة التنظيمية.

وقبل التصويت، لم يُخفِ نتنياهو تفضيلاته كما فعل في دورات سابقة، وقال المعلق السياسي في "معاريف" ماتي توخفيلد -أمس الاثنين- إن رئيس الليكود أعلن فعليا مرشحيه المفضلين، بعدما اعتاد سابقا إبقاء "قوائم الاستبعاد" بعيدا عن العلن. وفي القناة 13، برزت غوتليب وبيتان ونير بركات ضمن الأسماء التي أراد نتنياهو منعها من التقدم.

وظل الصدام مع بيتان هو المسألة الأوضح، فبعد محاولة نتنياهو استبدال لجنة ترتيب بالانتخابات التمهيدية، لجأ بيتان إلى محكمة الحزب، وحذر في مقابلة مع "يديعوت أحرونوت" من أن مسار نتنياهو "قد يؤدي إلى انهيار الحزب"، كما هاجم سعيه للحصول على عدد كبير من المقاعد المحجوزة.

آليات تغير الموازين

ولم يكن الصراع بين أشخاص فقط، فقد أُلغي التصويت الإلكتروني بعد مشاورات سيبرانية حذرت -وفق مصادر الليكود التي نقلتها "يديعوت أحرونوت"- من احتمال تدخل أجنبي يشوش النتائج، لكن مصادر حزبية أخرى رأت أن الإبقاء على التصويت اليدوي يعزز قوة كبار المعبئين ومنظومات "الصفقات"، ويمنح مراكز القوة المنظمة وزنا أكبر.

محيط نتنياهو يعتزم بعد التمهيديات "تنظيف" الليكود من مجموعات حريدية لا تصوت للحزب (الفرنسية)

وفي "كان 11″، كشف دانيال غروبيوس مساء يوم الاقتراع أن محيط نتنياهو يعتزم بعد التمهيديات "تنظيف" الليكود من مجموعات حريدية لا تصوت للحزب، بعد تعاون بعضها مع بيتان في صفقات انتخابية، عبر تحديد مجموعات تدعم أحزابا أخرى وربما استبعاد شبكات تسجيل كاملة، وهو ما يكشف معركة أعمق حول من يملك الحزب: الأعضاء الأحرار أم شبكات التعبئة أم رئيس القائمة؟

وبدأت المعركة التالية فور إغلاق الصناديق، إذ كتبت المراسلة السياسية-الدبلوماسية في "معاريف" آنا بارسكي -اليوم الثلاثاء- أن نتنياهو انتقل إلى ملف المقاعد المحجوزة، وطرحت اسم وزير المالية السابق موشيه كحلون، الذي وصلته رسالة نيابة عنه "إن شئت، سأحجز لك مكانا مرتفعا"، كما طُرح اسم تسيغا مالكو، وسط تحرك لضمان تمثيل الإسرائيليين من أصول إثيوبية.

لكن لكل مقعد ثمن، فمن ينتهي في المركز الـ25 أو الـ28 يعرف أن أي اسم يضعه نتنياهو أمامه قد يخرجه من الكنيست، لذلك تتوقع مصادر حزبية أن يكتفي بمقعد أو اثنين إضافيين إذا لم يجد أسماء ذات قيمة انتخابية واضحة، لأن النواب الحاليين -بمن فيهم الخاسرون- يحتفظون بنفوذ داخل أمانة الحزب التي يتعين أن تصدّق على الترتيبات.

إعلان

خصوم نجوا سياسيا

لكن الخطر على نتنياهو لا يبدأ بعد انتخابات الكنيست، بل قد يسبقها، ففي تقرير لبارسكي في 14 أغسطس/آب، كُشف أن نتنياهو أجرى "محادثات شخصية" مع النواب الحاليين استعدادا لليوم التالي، فالسياسي الذي يعرف مسبقا أنه لن يعود إلى البرلمان يصبح أقل اعتمادا على رئيس الوزراء وأقل التزاما بالانضباط الحزبي.

نتنياهو نجح في ضبط جزء من القائمة لكنه خرج محاطا بخصوم نجوا وخاسرين لم يعودوا مضطرين إلى طاعته (الأوروبية)

وتناولت نقاشات داخلية سيناريو تجنيد نواب محبطين لتحرك ضد نتنياهو، حتى عبر حجب ثقة بنّاء، وتؤكد "معاريف" أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على تنظيم فعلي، لكن مجرد تداول السيناريو يكشف هشاشة الانضباط: فالخاسر لا يغادر الكنيست فورا، وقد يبقى يمتلك صوتا لا يستطيع نتنياهو ضمانه.

يمين أكثر تطرفا

وهناك مسار آخر للانشقاق من الجهة اليمنى، فقد تناول كاتب العمود في "يديعوت أحرونوت" بن درور يميني -اليوم الثلاثاء- قلق مكتب نتنياهو من انتقال تالي غوتليب أو ماي غولان بعد الانتخابات إلى حزب بن غفير، ولفت إلى تصريح غولان بأنه "لا توجد فجوات أيديولوجية" بين الليكود و"عوتسما يهوديت"، معتبرا أن "بن غفير لم يتقرب من الليكود، بل الليكود هو من تقرب منه".

ومن زاوية مختلفة، رأى الكاتب المخضرم في "يديعوت أحرونوت" ناحوم برنيع، في مقاله "بيبي فقط" المنشور في 17 أغسطس/آب، أن الليكود بوصفه إطارا للنقاش وصناعة القرار تراجع لمصلحة شخصنة القيادة وكتلة نتنياهو.

في الخلاصة، أنهت صناديق الليكود مرحلة الفرز، لكنها فتحت معركة أخطر على هوية الحزب ومستقبله، فنتنياهو نجح في ضبط جزء من القائمة، لكنه خرج محاطا بخصوم نجوا، وخاسرين لم يعودوا مضطرين إلى طاعته، وجناح يميني قد يجد بن غفير أقرب إليه من قيادة الليكود.

لذلك، فإن الانشقاق الأكثر ترجيحا لن يبدأ بحزب جديد في اليوم التالي، بل بتمردات فردية وصراع على المقاعد المحجوزة. أما إذا خسر الليكود السلطة في الانتخابات العامة، فقد تتحول هذه الشقوق إلى معركة خلافة مفتوحة، قد تعيد تشكيل الحزب كله.



إقرأ المزيد