الجزيرة.نت - 8/18/2026 1:31:52 PM - GMT (+3 )
Published On 18/8/2026
عاد مضيق هرمز إلى واجهة التصعيد مع إصابة سفينة تجارية بمقذوف مجهول أثناء عبورها باتجاه الخارج، في حادث ألحق أضرارا بغرفة المحركات وأصاب أحد أفراد الطاقم، بالتزامن مع ارتفاع طفيف في حركة الملاحة، لكنها ظلت عند مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بما قبل الحرب.
ولا تزال ملابسات الهجوم والجهة التي تقف وراءه غير معلنة، غير أن استهداف السفينة من دون إغراقها يطرح سؤالا عن طبيعة الرسائل التي يمكن أن تحملها هذه العمليات، وما إذا كان الهدف فرض قواعد جديدة للملاحة أكثر من تعطيل حركة التجارة نفسها.
وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن السفينة تعرضت للإصابة أثناء عبورها المضيق، وإن الأضرار طالت غرفة المحركات، بينما تولى خفر السواحل العماني مساعدة بقية أفراد الطاقم. ولم تُسجل حتى الآن آثار بيئية للحادث، فيما تتواصل التحقيقات.
ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه التوتر الأمريكي الإيراني نقطة حساسة مع انتهاء مهلة تفاوضية استمرت 60 يوما، وسط خلاف بشأن مضمونها ومستقبل المفاوضات، وفي هذا السياق، أصبحت حركة السفن في المضيق مؤشرا على مستوى التصعيد وقدرة الأطراف على فرض شروطها.
وتكتسب الضربة أهميتها من موقعها أيضا؛ إذ أوضح الزميل صهيب العصا من خلال الخريطة التفاعلية أن السفينة أصيبت على بعد بضعة كيلومترات من الساحل العماني، ضمن منطقة قريبة من المسار العماني، في وقت تتعدد فيه مسارات العبور بين العماني والدولي والإيراني.
فيما قال الخبير في الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد إن انتهاء مهلة 60 يوماً لا يعني بالضرورة الدخول في حرب جديدة، لكنه يمثل نقطة تحول، خصوصا مع تزامن اضطرابات في أكثر من جبهة، بينها البحر الأحمر واستهداف مواقع في المنطقة.
مسارات تحت الناروتوضح الخريطة التفاعلية أن إيران تدفع السفن نحو المسار القريب من سواحلها، بينما فتحت سلطنة عمان مسارا موازيا لتخفيف الضغط عن حركة الملاحة، ويقول العصا إن المسار العماني أصبح موضع استهداف، رغم عدم إعلان طهران مسؤوليتها عن الضربات.
إعلان
ويضيف أن إيران أعلنت انتقالها من الدفاع إلى الهجوم، في محاولة لكسر ما تصفه بالحصار البحري الأمريكي، الذي يحد من حركة سفنها عبر خليج عمان وبحر العرب، وبحسب تقديره، انخفضت حركة التجارة في المضيق بأكثر من 90% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
ويرى عبد الواحد أن الحدث الأبرز يتمثل في استهداف السفينة من دون السعي إلى إغراقها، مرجحا أن تكون الإصابة ناتجة عن مسيّرة أو صاروخ موجه، بالنظر إلى طبيعة الضربة والمسافة المفترضة عن موقع الإطلاق.
بدوره، يرى عبد الواحد أن استهداف غرفة المحركات أو غرف الرفاصات يحقق هدفا محددا، وهو تعطيل السفينة وإخراجها من الخدمة مؤقتا، من دون تدميرها بالكامل، ويصف هذا النوع من الضربات بأنه يحمل هدفا سياسيا، يتمثل في الضغط وإثبات القدرة على التأثير في حركة الملاحة.
وتكتسب غرفة المحركات أهمية خاصة في هذا النوع من العمليات، لأنها تمثل أحد المكونات الأساسية لقدرة السفينة على المناورة والإبحار. وتعطيلها قد يجبر الطاقم على التوقف أو طلب المساعدة، ويحوّل السفينة نفسها إلى عبء ملاحي داخل ممر شديد الحساسية.
ويشرح عبد الواحد أن الاستهداف غالبا ما يتركز عند منطقة الغاطس، أي الحد الفاصل بين الجزء المغمور والجزء الظاهر من السفينة، وصولا إلى غرف الماكينات، وإصابة هذه المناطق تكفي لتعطيل الحركة، بينما يظل إغراق السفينة خيارا أكثر تصعيدا وكلفة.
وتشير المعطيات إلى أن الضربة الأخيرة ألحقت أضرارا بالهيكل وغرفة المحركات، وهو ما استدعى تدخل جهات الإنقاذ العمانية. ومع ذلك، فإن عدم الإعلان عن غرق السفينة أو حدوث تسرب بيئي واسع يبقي الحادث في إطار التعطيل والضغط أكثر من التدمير الشامل.
ولا تقتصر أهمية هذا الأسلوب على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الحسابات السياسية؛ فإغراق سفينة تجارية قد يؤدي إلى سقوط ضحايا وخسائر بيئية كبيرة، ويفتح الباب أمام ردود دولية أوسع، بينما يحقق التعطيل رسالة ردع بتكلفة سياسية أقل.
سيطرة عسكرية وملاحيةوفي موازاة الهجوم، بقيت حركة العبور محدودة للغاية، وقالت رويترز نقلا عن بيانات شركة كبلر إن 6 سفن محملة بسلع أولية عبرت المضيق الاثنين، 3 منها خرجت من الخليج و3 دخلته، مقابل متوسط بلغ 11 سفينة خلال 10 أيام.
وتُظهر هذه الأرقام ارتفاعا محدودا مقارنة بالسبت والأحد، حين عبرت 3 سفن ثم سفينتان على التوالي، لكنها تظل بعيدة جدا عن مستويات الملاحة الطبيعية قبل الحرب، كما لم تعبر ناقلات عملاقة للنفط الخام أو ناقلات للغاز الطبيعي المسال خلال تلك الفترة.
ويشير عبد الواحد إلى أن بعض السفن قد تعبر ضمن ما يعرف بالملاحة المظلمة، عبر إيقاف أجهزة التعريف والتتبع، وهو ما يجعل بيانات العبور أقل من العدد الفعلي المحتمل، وتظل هذه الظاهرة عاملا يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم حجم الحركة.
لكن التراجع يظل حادا قياسا بما كان عليه المضيق قبل الحرب، إذ كانت تمر عبره أعداد كبيرة من السفن يوميا، وتقول بيانات سابقة إن حركة العبور قبل اندلاع الحرب كانت تتجاوز 130 سفينة يوميا، ما يوضح حجم الانكماش الحالي.
إعلان
ويطرح ذلك سؤالا عن معنى السيطرة على المضيق، وفي هذا يقول عبد الواحد إن الولايات المتحدة تفرض وجودا عسكريا قويا عبر القطع البحرية والطائرات والمسيّرات، لكن إيران تملك أدوات للتأثير في إدارة الملاحة، عبر فرض قواعد للعبور ومعاقبة السفن التي تخالف تعليماتها.
ومن هنا يتحول المضيق إلى ساحة لتبادل الرسائل؛ فاختيار السفينة لمسارا دون آخر قد يصبح بحد ذاته اختبارا لقواعد العبور التي تحاول الأطراف فرضها، ويبرز المسار العماني في هذه المعادلة بوصفه بديلا يخفف الضغط، لكنه لا يخرج من حسابات التصعيد.
وفي ظل استمرار المفاوضات بين إيران وسلطنة عمان بشأن ترتيبات العبور، تزداد حساسية هذه المسارات، خصوصا مع إعلان طهران أنها توصلت إلى تفاهم بشأن خريطة للملاحة المستقبلية، ولم تُعلن تفاصيل نهائية بشأن هذا التفاهم أو آليات تطبيقه.
إقرأ المزيد


