الجزيرة.نت - 8/18/2026 1:01:58 PM - GMT (+3 )
الخرطوم- منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، وجد الصحفيون أنفسهم في قلب واحدة من أعقد الأزمات التي شهدتها البلاد؛ فبين من قُتلوا أو أُصيبوا أثناء أداء عملهم، ومن تعرضوا للاعتقال والاختفاء والتهديد، اضطر المئات منهم إلى النزوح داخل السودان أو مغادرته، في حين فقد آخرون وظائفهم بعد توقف مؤسسات إعلامية وتدمير مقارها.
وفي محاولة للاستجابة لتحديات الإعلام، تعود برامج التدريب المهني إلى الواجهة، من بينها مبادرة سفراء الجزيرة التي ينظمها معهد الجزيرة للإعلام بالتعاون مع مركز رصد للدراسات الإنسانية والإنمائية، في أول مبادرة لسفراء الجزيرة في السودان منذ اندلاع الحرب.
يقول المدير العام لمركز رصد للدراسات الإنسانية والإنمائية محمد مهدي المقبول إن إطلاق المبادرة من الخرطوم يتزامن مع عودة مؤسسات الدولة والمواطنين إلى ممارسة حياتهم، معتبرا أن استئناف التدريب الميداني يمثل محطة مهمة لاستعادة العمل الإعلامي المهني.
ويضيف -في حديثه للجزيرة نت- أن الشراكة مع معهد الجزيرة للإعلام تستهدف تطوير قدرات الصحفيين والإعلاميين وصناع المحتوى، ورفع جاهزيتهم للتعامل مع التحولات التي طرأت على العمل الإعلامي خلال سنوات الحرب، ولا سيما في المجال الرقمي.
بدوره، يقول مدير مكتب الجزيرة في السودان الطاهر المرضي إن الدورة تأتي في وقت شهدت فيه صناعة الإعلام تغيرات كبيرة، انعكست على طريقة تفكير الصحفيين وأساليب إنتاج المحتوى، خاصة مع تسارع التحول الرقمي ودخول أدوات وتقنيات جديدة إلى العمل الصحفي.
ويشير المرضي -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن الصحفيين السودانيين في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، وما فرضته الحرب من تحولات على بيئة العمل الإعلامي، أصبحوا في حاجة متزايدة إلى هذه الدورات، التي تساعدهم على تطوير أدواتهم ومواكبة التغيرات التي طرأت على صناعة الإعلام.
من جهته، أشار الصحفي أبو بكر الزاكي، أحد المتدربين في المبادرة، إلى أن توقف مبادرة سفراء الجزيرة بسبب الحرب حرم آلاف الصحفيين من فرص التدريب والمواكبة والتطور المهني، في وقت شهدت فيه صناعة الإعلام تحولات متسارعة.
إعلان
ويرى الزاكي -في تصريحه للجزيرة نت- أن عودة المبادرة إلى السودان تمثل استئناف مسار التدريب المهني الذي انقطع خلال سنوات الحرب، معتبرا عودتها بمثابة "عودة الروح إلى الجسد".
وعبّر عدد من المتدربين عن سعادتهم باستئناف المبادرة، مؤكدين أن الرجوع إلى التدريب يمثل فرصة لمواكبة التحولات المتسارعة التي شهدتها صناعة الإعلام خلال الحرب.
ويقول مدير المشاريع بمعهد الجزيرة للإعلام عبد الستار كمال إن مبادرة سفراء الجزيرة بدأت في السودان عام 2016، ونظمت منذ ذلك الوقت أكثر من 30 دورة تدريبية، استفاد منها نحو 1800 متدرب ومتدربة. ويعتبر أن استئنافها بعد توقفها بسبب الحرب يمثل استكمالا لما بدأته خلال السنوات السابقة.
ولفت -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن عودتها لن تقتصر على الدورتين الحاليتين، إذ يُنتظر أن تتبعها دورات تدريبية أخرى خلال العام المقبل.
صحفيون ضحايا الحربفي الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2023، كان الصحفي محمد عبد الرحيم، مراسل وكالة السودان للأنباء (سونا)، قد خرج من منزله في العاصمة الخرطوم، لكنه لم يعد إليه.
وبحسب المعلومات التي وثقتها منظمة مراسلون بلا حدود، اختطفت قوات الدعم السريع عبد الرحيم في ذلك اليوم، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره، ليصبح واحدا من بين عشرات الصحفيين السودانيين الذين ابتلعتهم الحرب، تاركة عائلاتهم أمام سؤال مفتوح عن مصيرهم.
لم يكن عبد الرحيم حالة منفردة، فمنذ اندلاع الحرب وجد الصحفيون أنفسهم في مواجهة مخاطر لم تعد تقتصر على صعوبة الوصول إلى الخبر أو المصدر، بل امتدت إلى سلامتهم الشخصية وحياتهم، في وقت تحولت فيه مناطق واسعة من البلاد إلى ساحات قتال، وتراجعت قدرة المؤسسات الإعلامية على حماية العاملين فيها.
كما كانوا في كثير من الأحيان شهودا على تداعيات الحرب وضحايا لها في الوقت ذاته، يعملون في ظروف أمنية ومهنية واقتصادية قاسية، ويحاولون نقل ما يجري رغم صعوبة الوصول إلى المعلومات والمصادر، ومخاطر التنقل والاتصال.
تقول إحصاءات تقرير نقابة الصحفيين السودانيين إن 34 صحفيا وصحفية قُتلوا منذ اندلاع الحرب، بينهم 5 صحفيات، في حين وثقت نحو 680 انتهاكا بحق الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي.
وتشمل هذه الانتهاكات الاعتقال والاحتجاز والتهديد والاعتداء ومصادرة المعدات، إلى جانب حالات الاختفاء القسري، في وقت لا تزال فيه معلومات مصير بعض الصحفيين المعتقلين أو المفقودين غير واضحة.
وقالت النقابة في تقريرها إن 6 صحفيين ظلوا في عداد المختفين قسريا، بينما كان 7 آخرون يواجهون اعتقالا طويل الأمد في الخرطوم وسنار ودارفور.
مخاطر مستمرةولا تزال الاعتقالات تطال الصحفيين حتى العام الرابع من الحرب، خاصة في مناطق سيطرة الدعم السريع بإقليم دارفور. ففي فبراير/شباط 2026، اعتقلت هذه القوات 5 صحفيات خلال مداهمة ورشة عمل في مدينة نيالا، ولا تزال 3 منهن محتجزات وسط تحذيرات من تدهور أوضاعهن الصحية.
كما اعتُقل الصحفي آدم إسحق منان في مدينة كتم بشمال دارفور، بينما تواصل الدعم السريع احتجاز الصحفي معمر إبراهيم منذ اعتقاله في الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
إعلان
وتختلف أرقام الضحايا والانتهاكات بين الجهات التي توثق أوضاع الصحفيين، نتيجة اختلاف منهجيات الرصد ومعايير إدراج الحالات، إلا أنها تتفق على حجم الخسائر التي لحقت بالوسط الصحفي منذ اندلاع الحرب.
ومع عودة عدد من المؤسسات والنشاط الإعلامي إلى الخرطوم، يواجه الصحفيون الذين استمروا في العمل أو عادوا إليه تحديات جديدة، تتصل بتغير أدوات المهنة، والتحول الرقمي، والسلامة المهنية، وطرق التحقق من المعلومات، فضلا عن الحاجة إلى استعادة المهارات التي تضررت بفعل سنوات الحرب وتشتت المؤسسات وغرف الأخبار.
إقرأ المزيد


