الجزيرة.نت - 8/18/2026 3:12:15 AM - GMT (+3 )
اشتعلت الخريطة اليمنية باشتباكات متزامنة، لتشمل جبهات تمتد بين مأرب والجوف وحضرموت والحديدة وتعز والضالع ولحج، وتجاوزت الحدود المحلية لتصل الضربات إلى الجارة السعودية وممرات الملاحة بالبحر الأحمر، في مشهد يؤكد أن معادلة "خفض التصعيد" -التي سادت منذ أبريل/نيسان 2022- لم تعد قائمة.
وبينما يرى محللون عسكريون وإستراتيجيون أن ما يجري لا يعدو كونه حرب استنزاف مضبوطة الإيقاع لم تصل بعد إلى لحظة الحسم، يذهب آخرون إلى أن موازين القوة الداخلية والإقليمية تغيرت جوهريا لصالح الحكومة الشرعية، وأن المعركة الفاصلة باتت قضية وقت لا مسألة احتمال.
ويكاد أغلب المحللين -الذين تحدثوا إلى الجزيرة نت- يجمعون على أن جماعة أنصار الله (الحوثيين) تحاول استباق استحقاق عسكري تدرك أنه قادم، عبر جر "خصومها" إلى مواجهة مبكرة بشروط تختارها هي، وفي وقت تفضل فيه الحكومة تأجيل الحسم إلى حين اكتمال بناء مؤسستها العسكرية.
ويأتي هذا الانفجار الميداني نتاج تراكم محلي وإقليمي معا؛ فمنذ إعلان الحوثيين نهاية يونيو/حزيران الماضي النفير واندلاع أزمة الطائرة التابعة لشركة الطيران الإيرانية "ماهان إير" المتجهة إلى مطار صنعاء الشهر الماضي، أعلن الحوثيون انتهاء معادلة "خفض التصعيد"، لتتوالى موجات متصاعدة من حظر الملاحة واستهداف منشآت شركة "أرامكو" النفطية السعودية في جازان وينبع، وصولا إلى أعنف موجة هجمات تشهدها محافظات يمنية منذ سنوات.
وفي خلفية المشهد، يقف صراع إقليمي أشمل بين واشنطن وطهران، ترى فيه الحكومة اليمنية أن الحوثيين ليسوا سوى امتداد لأجندة إيرانية تسعى لرفع كلفة أي ضغط دولي عبر فتح جبهة اليمن كلما ضاقت الخيارات في ملفات أخرى كمضيق هرمز.
وفي هذا السياق، تكشف الخرائط الميدانية والتسلسل الزمني للأحداث صورة لكيفية تحوّل جبهات متفرقة إلى ميادين مشتعلة تمتد من الجوف شمالا إلى الضالع جنوبا، ومن مأرب شرقا إلى الحُديدة والبحر الأحمر غربا؛ مما يقودنا إلى الإجابة عن أسئلة من قبيل: من بدأ التصعيد؟ ومَن يقاتل مَن؟ وإلى أين يمكن أن تصل الاشتباكات إذا استمر منحناها الحالي؟
لم يعد التصعيد في اليمن محصورا في جبهة واحدة أو محور بعينه، بل تحول خلال أيام معدودة إلى نقاط اشتعال متزامنة في عموم البلاد، وهذا التزامن بين المحاور المتباعدة جغرافياً هو ما يقود الخبراء العسكريين إلى قراءة المشهد بوصفه تحولا نوعيا في طبيعة المواجهة وأدواتها، وليس مجرد تصعيد عابر.
إعلان
ويقول الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية الدكتور علي الذهب إن ما يجري ليس ولادة مفاجئة لتصعيد جديد، بل هو انتقال من نمط الدفاع إلى الضربات الاستباقية المتزامنة على عدة محاور في وقت واحد.
وأوضح الذهب -في تصريحاته للجزيرة نت- أن هذا التكتيك قائم في الأساس منذ سنوات الحرب "لكن الهدنة الإنسانية غيّبته عن الواجهة الإعلامية طويلا".
لكن الباحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية العميد الركن عبد الرحمن الربيعي يرى أن اتساع رقعة الاشتباكات في توقيت واحد يعكس تحولا في عقيدة القوات الحكومية القتالية التي باتت "تتعامل مع أي اعتداء حوثي على أي جبهة بوصفه اعتداء على الجسد الوطني بأكمله"، وهو ما يفسر تزامن الرد الحكومي على أكثر من محور دفعة واحدة.
وفي حين ركز الحوثيون هجماتهم على مواقع وأهداف في عمق مناطق سيطرة الحكومة، اقتصر رد الحكومة على هجمات بالطيران المسيّر والمدفعية على تجمعات وتعزيزات الحوثيين في جبهات التماس على مختلف المحاور.
ويمكن تقسيم تصاعد الاشتباكات والهجمات مؤخرا إلى المحاور التالية:
مأرب وحضرموت:- في مأرب يمتد خط التماس على شكل قوس من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي للمحافظة، حيث تشتعل جبهات رغوان ومدغل وكسارة ومشجح في مديرية صرواح شمالا وغربا، وحريب والجوبة والبلق الشرقي جنوبا.
- استهدفت الصواريخ الباليستية والمسيّرات الحوثية عمق المحافظة أيضا، بما في ذلك مدينة مأرب ومخيم جو النسيم ومحيط مخيمي السويداء والجفينة التي تؤوي فيها المحافظة أكثر من مليونيْ نازح.
- جاء القصف الحوثي الأعنف بعد عملية أمنية استباقية نفذتها القوات الحكومية الأربعاء 6 أغسطس/آب الجاري في صحراء حضرموت ومأرب وشبوة وأجزاء من الجوف استهدفت طرق تهريب السلاح. وتزامنا مع ذلك أطلق الحوثيون نحو 17 صاروخا باليستياً و5 إلى 7 طائرات مسيّرة على معسكرات للقوات الحكومية في "الرويك" و"الثنية" في مأرب و"العبر" بحضرموت، مما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى.
- منذ أكثر من أسبوع يواصل الحوثيون هجماتهم بين الحين والآخر على مواقع داخل مناطق سيطرة الحكومة في مأرب ومعسكرات للجيش غربي حضرموت.
- شريط صحراوي ممتد بين المحافظة ومأرب والحدود الشمالية، تتركز فيه جبهات قناو والنضود والعلم شرقا، ومديريتيْ خب والشعف والحزم جنوبا، وشهد محاولات حوثية متكررة لاختراق خطوط الجيش تصدت لها القوات الحكومية وقصف متبادل بين الطرفين.
- في تعز يحيط خط التماس بالمدينة من الشمال والشرق والغرب ويمتد إلى الريفين الغربي والجنوبي، وتشهد جبهتا الضباب وغراب اشتباكات متقطعة بالمدفعية والأسلحة الرشاشة، إلى جانب توتر في مديرية مقبنة بالريف الغربي ومديرية الصلو بالريف الجنوبي.
- شن الحوثيون منذ 9 أغسطس/ آب الجاري هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق استهدفت -وفق الحكومة- ميناء المَخا وتجمعات سكنية في المدينة التابعة لمحافظة تعز قرب مضيق باب المندب، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 35 آخرين.
- فيما قال الحوثيون إنهم استهدفوا معسكرات في المدينة الإستراتيجية، حيث وصلوا ضرباتهم باتجاه المدينة حتى أمس الاثنين.
- رد الحوثيون بهجوم استهدف مناطق مدنية وبنى تحتية ومحطات كهرباء في المخا ومينائها أسفر عن 4 قتلى من العسكريين والمدنيين وأصاب 30 آخرين.
- في الجهة المقابلة بالحديدة يمتد خط التماس من جنوب المحافظة باتجاه أطراف تعز الغربية، وتتركز نقاط الاشتباك شرق حيس وشمال الخوخة.
- في فجر السبت 8 أغسطس/آب الجاري نفذت القوات الحكومية هجمات ضد مراكز قيادة وتحصينات حوثية جنوب الحديدة، فيما تشهد من وقت لآخر هجمات ومواجهات بين الطرفين.
- تشتعل في شمال الضالع جبهات مريس وباب غلق والفاخر على الحدود مع محافظة إب في اشتباكات أرضية مباشرة.
- توتر في جبهتيْ كرش والحد يافع شمال لحج على التخوم مع تعز.
وعلى صعيد متصل ولكن بوتيرة أخف من خطوط التماس الأخرى، تشهد الجبهات الحدودية في صعدة معقل الحوثيين مواجهات ومناوشات متقطعة بين القوات الحكومية ومسلحي الجماعة، إضافة إلى قصف متبادل في جبهات محافظة حجة.
انهيار معادلة تجميد التصعيدمنذ انتهاء الهدنة الأممية التي بدأت في أبريل/نيسان 2022 وانتهت مطلع أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، اعتاد اليمنيون على وصف المرحلة التي أعقبتها بأنها "لا حرب ولا سلم"، رغم أنها لم تتحول يوما إلى اتفاق مكتوب ولم تخضع لآلية مراقبة دولية تكفل التزام الطرفين ببنودها.
إعلان
وينفي العميد الربيعي وجود "هدنة" بالمعنى المتعارف عليه، مبينا أن ما ساد منذ عام 2022 لم يكن سوى "استراحة محارب" غير مكتوبة، وأن البلاد ظلت طوال هذه الفترة في حالة حرب مفتوحة توقفت فيها المعارك الكبرى دون أن تتوقف الحرب نفسها.
ويضيف الخبير علي الذهب إلى هذه القراءة مؤشرا لافتا يتمثل في استمرار مواكب تشييع قتلى الحوثيين طوال سنوات "الهدوء" رغم غياب أي إعلان رسمي عن عمليات هجومية حكومية في تلك الفترة، وهو ما يكشف في تقديره عن حرب استنزاف صامتة لم تتوقف يوما تحت سطح الهدنة المعلنة.
أما لحظة الانهيار الفعلي فتعود إلى أزمة الرحلات الجوية الإيرانية إلى مطار صنعاء أواخر يونيو/حزيران ومطلع يوليو/تموز الماضييْن، حين اعتبر مجلس القيادة الرئاسي والتحالف هذه الرحلات انتهاكا للسيادة الوطنية وآلية لنقل خبراء وتجهيزات عسكرية، فشددت الحكومة الرقابة على الحركة الجوية والبحرية، ليرد الحوثيون بإعلان صريح لانتهاء حالة "خفض التصعيد"، وفرض حظر على الملاحة المرتبطة بالسعودية والتهديد بضرب منشآت التحالف الحيوية.
وفي المقابل، تقدم الرواية الحوثية توصيفا مختلفا تماما لأسباب هذا الانهيار، ويقول وكيل محافظة صنعاء في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا وعضو الأمانة العامة للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري حميد عاصم إن هدف التصعيد هو "منع الحصار المفروض من قِبل السعودية"، متهما الرياض ببدء التصعيد وقصف مطار صنعاء ومنع الجرحى من الخروج للعلاج ومحاصرتهم.
ويمضي عاصم -في تصريحات للجزيرة نت- في اتهام الرياض بحشد المقاتلين والسيارات والآليات والأسلحة على أطراف صنعاء، متسائلا: "هل مطلوب منا أن ننتظر حتى يصل هؤلاء إلى صنعاء لقتالنا؟"، في رواية تعكس كيف يقرأ كل طرف توقيت الانهيار ومسؤوليته بعدسة معاكسة تماما لقراءة الطرف الآخر.
وتنفي الرياض اتهامات الحوثيين وتؤكد دعمها للحكومة اليمنية في إطار تحالف دعم الشرعية الذي تقوده المملكة في اليمن منذ عام 2015.
مَن يقاتل مَن في اليمن؟
خلف كل رصاصة تطلق على الجبهات اليمنية تقف شبكة معقدة من التحالفات المحلية والإقليمية، تتجاوز الثنائية المبسطة بين "الحكومة المعترف بها" و"جماعة الحوثي" إلى منظومة من القوى متعددة الروافد والمصالح.
ومن وجهة نظر الخبير العسكري والإستراتيجي علي الذهب، فإن طرفي الصراع هما:
أولا- الحوثيون المدعومون من إيران وأذرعها الإقليمية (حزب الله وفصائل الحشد العراقية والحرس الثوري) بدعم يتفاوت بين التسليح والتدريب والمعلومات الاستخبارية.
ثانيا- في المقابل، تقف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، مدعومة من تحالف عربي بقيادة السعودية، وقد باتت قواتها -حسب الذهب- أقرب إلى التكامل تحت مظلة وزارة الدفاع، وتضم القوات المشتركة في الساحل الغربي، وقوات "درع الوطن" المنتشرة في حضرموت وشبوة وعدن وأبين ولحج، وقوات الطوارئ الممتدة حديثا إلى مأرب والجوف وحضرموت، وقوات العمالقة التي كانت تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل أن تُخضع نسبيا لوزارة الدفاع.
لكن العميد الركن الربيعي يقول إن ما يشهده اليمن اليوم ليس محاولة لترسيم مناطق نفوذ جديدة، بل إعادة هيكلة لقوات الشرعية عبر غرف عمليات موحدة تطوّق الحوثيين من 4 اتجاهات في آن واحد.
غير أن هذا التوصيف بأكمله يصطدم بجدار من الرفض في الخطاب الحوثي؛ فحميد عاصم ينفي جملة وتفصيلا وجود ما يسمى "قوات حكومية" تقاتل الحوثيين، في إشارة إلى وصفه الحوثيين أنفسهم بأنهم "القوات اليمنية الشرعية الوحيدة".
وقال في تصريحات للجزيرة نت: "نحن سننتصر بعون الله لأننا ندافع عن أنفسنا".
تصدير الأزمة للخارجولم تعد ساحة الحرب اليمنية حبيسة الحدود المحلية؛ فمنذ أسابيع تحول البحر الأحمر ومنشآت نفط سعودية إلى امتداد مباشر لجبهات القتال، في مؤشر على أن أطراف الصراع باتت تدرك أن الضغط الاقتصادي والملاحي قد يكون أداة لا تقل فتكا عن السلاح التقليدي، وأن أي تصعيد داخل الحدود اليمنية بات مرشحا للانتقال سريعا إلى خارجها.
إعلان
ويرى سفير اليمن لدى لبنان وقبرص عبد الله الدعيس -في مقال له منشور بموقع الجزيرة نت بعنوان "التصعيد الحوثي في خدمة الإستراتيجية الإيرانية"- أن توقيت هذا التصعيد لا ينفصل عن حسابات إيرانية أوسع تتزامن مع الحراك الدولي بشأن أمن الخليج ومضيق هرمز، مبينا أن الرسالة الإيرانية عبر الحوثيين تقوم على أنه إن كان أمن هرمز مطروحا على طاولة التفاوض، فأمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن الحسابات ذاتها.
ومنذ إعلانهم في 20 يوليو/تموز الماضي حظرا بحريا على السفن السعودية، حوّل الحوثيون البحر الأحمر وخليج عدن إلى ساحة ضغط موازية للجبهة البرية.
وقد استهدفت الجماعة، حسب المتحدث العسكري باسمها يحيى سريع، ناقلة النفط السعودية "وفاء" قبالة ينبع، ثم ناقلة ثانية في خليج عدن، فيما غرقت سفينة الشحن الهندية "فيز نور أوليا" قبالة الحديدة إثر هجوم بزورق مفخخ أواخر يوليو/تموز الماضي، فضلا عن تبني الجماعة هجمات أخرى على سفن قالت إنها سعودية.
سيناريوهاتوبين من يراهن على أن للتصعيد الحالي سقفا محسوبا لا يتجاوزه أي طرف ما دامت الحسابات الإقليمية والدولية على حالها، ومن يرى أن الانزلاق نحو مواجهة شاملة بات مسألة وقت لا خيار فيها؛ تتفرع القراءات حول مستقبل المشهد اليمني في اتجاهين متقابلين يعكسان حجم الغموض الذي يلف المرحلة المقبلة.
فالدكتور الذهب يستبعد اندلاع مواجهة شاملة في المدى القريب، مرجحا أن الظروف الداخلية والإقليمية لم تكتمل بعد لدى الحكومة والتحالف بما يجعل المعركة الحاسمة "مضمونة النتائج".
مشيرا إلى أن الحوثيين -رغم تراجع قدراتهم جراء ضربات سابقة- يحاولون "استقدام" معركة مؤجلة يدركون أنها قادمة لا محالة. ويحدد الذهب أفقا زمنيا محتملا للمواجهة الواسعة في الربع الأخير من العام الجاري إذا تهيأت ظروفها الميدانية والسياسية.
وفي المقابل، يرى الباحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية أن المعادلة الجيوسياسية والعسكرية تغيّرت لصالح الشرعية اليمنية، وأن الحسم سيكون بقرار يمني خالص مسنود بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق.
ويستدل الربيعي على ذلك بتوحيد قوات "درع الوطن" والطوارئ والعمالقة تحت مظلة وزارة الدفاع كمؤشر على جاهزية متصاعدة.
وبين هاتين الرؤيتين تبقى الأسئلة التي أثارها هذا التصعيد مطروحة بلا إجابة واضحة المعالم نتيجة تعقُّد المشهدين المحلي والإقليمي، وارتباطهما بملفات تتقاطع فيها أهداف التصعيد الحالي بمصالح القوى الإقليمية وأجنداتها بالمنطقة.
إقرأ المزيد


