الجزيرة.نت - 8/17/2026 1:34:48 AM - GMT (+3 )
انتشر مقطع مصور على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة يزعم توثيق محاولة أبناء إماراتيين مفاجأة والدهم في عيد ميلاده عبر ربط كرسيه ببالونات الهيليوم قبل أن تتحول المفاجأة خلال ثوان معدودة إلى مأساة.
وتداول ناشطون على موقعيْ فيسبوك وإكس مقطع فيديو يظهر فيه رجل يجلس على كرسي مربوط بعدد كبير من بالونات الهيليوم الملونة، قبل أن يرتفع فجأة في الهواء وتحمله الرياح بعيدا عن الأرض، في لقطة تحبس الأنفاس حصدت تفاعلا واسعا على المنصات.
كما يُظهر المقطع المتداول مشاهد لعملية إجلاء الأب من منطقة جبلية وعرة بواسطة مروحية بعد العثور عليه؛ فما حقيقة المشاهد؟
مفاجأة انتهت بمأساةروّج ناشرو المقطع لرواية مفادها أن مجموعة من الشبان الإماراتيين خططوا لمفاجأة والدهم في عيد ميلاده بطريقة غير تقليدية.
واتجه الشبان لربط كرسي والدهم بالبالونات، لكنهم فوجئوا بارتفاعها السريع وفقدانهم السيطرة عليها، لتتحول اللحظة الاحتفالية إلى كارثة استدعت تدخل فرق الإنقاذ، وفق هذه الرواية.
انتشار رقمي واسعوحظي المقطع بانتشار واسع على عدة منصات، إذ تجاوزت مشاهدات أحد المنشورات على منصة "إكس" 2.4 مليون مشاهدة.
فيما أعادت حسابات عدة تداول المقطع بروايات متقاربة في الصياغة لكنها تحمل التفاصيل ذاتها، من بينها حسابات عربية على إكس وحققت مجتمعة آلاف المشاركات والتعليقات والإعجابات.
وساهم التداول السريع للمقطع في تصدير الرواية إلى فئات واسعة من المستخدمين باعتبارها "واقعة حديثة وموثقة" بأكثر من زاوية.
ما حقيقة المقطع؟وللتأكد من صحة ما نشر تحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقطع عبر فحص المقطع بطرق مختلفة، من بينها تحليل الأطر الثابتة لرصد أي تباين تقني بين أجزاء الفيديو، إلى جانب البحث العكسي بالصور لتتبع أصل كل مشهد على حدة، ومراجعة الحسابات التي روجت للمقطع تحت مسميات جغرافية مختلفة.
إعلان
وتبين أن الفيديو مركب من مشهدين منفصلين تماما لا تربط بينهما أي علاقة زمنية أو مكانية أو سردية، ولا يوثقان واقعة احتفال حقيقية بعيد ميلاد في الإمارات أو أي دولة أخرى.
وكشف فحص الانتقالات داخل المقطع تباينا واضحا في جودة التصوير ونسبة الدقة وزاوية الإضاءة الطبيعية وطبيعة الموقع الجغرافي بين مشهد الكرسي والبالونات ومشاهد الإنقاذ اللاحقة، وهي فروق فنية يصعب أن تتحقق في تسجيل واحد متصل لحدث واقعي واحد.
كما ظهر على المقطع، في أحد المشاهد الانتقالية، شعار مائي لتطبيق تحرير الفيديوهات "فيفا فيديو" (VivaVideo)، مما يرجح خضوع المقطع للمونتاج وإعادة التركيب والدمج قبل تداوله بالرواية الحالية.
إعلان عقاري من 2016وقادنا البحث العكسي عن اللقطات الأولى من المقطع إلى نسخته الأصلية المنشورة على منصة "يوتيوب" في 5 سبتمبر/أيلول 2016، أي قبل نحو عشر سنوات من تاريخ التداول الحالي بالرواية المضللة.
ونشرت قناة " Misfits Marketing Campaigns" -المتخصصة في إنتاج الحملات الترويجية- الفيديو تحت عنوان: "شبان يحلقون بكرسي بلاستيكي بحثا عن أفضل إطلالة".
ويكشف الوصف المرفق بالفيديو الأصلي أنه أُنتج كجزء من حملة دعائية إبداعية لمشروع "خور دبي" (Dubai Creek Harbour) العقاري، التابع لشركة "إعمار العقارية"، بهدف الترويج لإطلالة المشروع وليس تسجيلا لواقعة حقيقية جرت خلال احتفال عائلي بعيد ميلاد.
وتظهر في نهاية الإعلان الأصلي عبارة تفيد بأن هذه الإطلالة "ستصبح متاحة قريبا"، في إشارة تسويقية مباشرة إلى المشروع الذي صممت الحملة للترويج له تجاريا.
عملية إجلاء عام 2018أما الجزء الثاني من المقطع، الذي يُظهر عملية إنقاذ جوي في منطقة جبلية وعرة، فهو -على النقيض من المشهد الأول- إذ يظهر توثيق حادثة واقعية، لكنها لا ترتبط إطلاقا بمشاهد البالونات أو بالإعلان العقاري من حيث الزمان أو المكان أو الأشخاص.
فعند البحث عن الطائرة الظاهرة بالمقطع من خلال لونها وهيكلها الخارجي وجدنا تطابقا كبيرا مع طائرات إدارة جناح الجو التابعة للإدارة العامة للإسناد الأمني بوزارة الداخلية في دولة الإمارات، وهي وحدة متخصصة في تقديم خدمات الإسعاف الجوي، والبحث والإنقاذ، ونقل المصابين والمرضى في الحالات الحرجة.
وبتتبع هذه اللقطات، تبيّن أنها تعود إلى عملية إنقاذ نُفذت في سبتمبر/أيلول 2018 لامرأة آسيوية الجنسية سقطت في منطقة جبلية برأس الخيمة، رابع أكبر إمارة في الإمارات، أثناء رحلة تنزه جبلي كانت تخوضها برفقة زوجها وأصدقائها.
نسخة سابقة للمقطعوقادنا البحث إلى نسخة من نفس المقطع بجودة أعلى، منشورة قبل أكثر من 8 سنوات، إذ يوثق لحظة نقل السيدة التي سقطت في جبل وادي غليلة برأس الخيمة من جناح الجو التابع لوزارة الداخلية إلى المستشفى.
وأُصيبت السيدة، التي كانت في الثلاثينيات من عمرها، بجروح خطرة إثر سقوطها في جبل غليلة، قبل أن تنقلها طواقم الإنقاذ بواسطة مروحية إلى المستشفى، حيث فارقت الحياة لاحقا متأثرة بإصابتها البالغة، حسب صحف ووسائل إعلام إماراتية.
ونقلت وسائل إعلام إماراتية عن شرطة رأس الخيمة آنذاك أن السيدة سقطت من أعلى جبل غليلة أثناء توجهها في رحلة ترفيهية مع زوجها وأصدقائها في الإمارة.
روايات مضللة متكررةولم تكن هذه المرة الأولى التي يُستغل فيها هذا المقطع بعينه في سياق مضلل؛ إذ يكشف أرشيف التحقق أن الفيديو استُخدم سابقا في أكثر من موجة تضليل منفصلة بروايات جغرافية متباينة تتقاسم البنية السردية ذاتها: مفاجأة عيد ميلاد تتحول إلى مأساة.
إعلان
فقد انتشر المقطع في وقت سابق على أنه يوثق وفاة رجل في سلطنة عُمان بعدما ربطه أقاربه ببالونات احتفالا بعيد ميلاده. كما نُسبت الواقعة ذاتها في روايات أخرى إلى كل من السعودية والإمارات في مناسبات متفرقة، ووقعت صحف ووسائل إعلام عربية في فخ التضليل عبر نشره بنفس الرواية.
ويعد التكرار الجغرافي للرواية ذاتها، مع تغيير الجنسية المقصودة فقط، يعد أحد أبرز المؤشرات التقليدية على تضليل المحتوى، إذ نادرا ما تتكرر واقعة حقيقية بالتفاصيل ذاتها في عدة دول مختلفة.
وقد أكدت الشركة المنتجة للإعلان الأصلي، في منشور سابق على صفحتها الرسمية على "فيسبوك"، أن أحد أعمالها الدعائية القديمة استُخدم دون إذن في صناعة أخبار زائفة بعد أن أقدم أشخاص مجهولون على دمج مشاهده بلقطات عملية الإنقاذ من حادثة منفصلة تماما، في محاولة لإضفاء طابع درامي مأساوي عليها.
إقرأ المزيد


