الجزيرة.نت - 8/16/2026 11:23:13 PM - GMT (+3 )
نابلس- في مشهد بات يتكرر يوميا في مختلف مناطق الضفة الغربية، التي قطعت أوصالها مستوطنات الاحتلال الإسرائيلي وحواجزه العسكرية، اقتحم مستوطنون مسلحون أطراف بلدة برقة شمال مدينة نابلس منتصف يونيو/حزيران الماضي، وأوقعوا إصابات عدة، قبل أن يصلهم أي طاقم طبي.
في هذا المشهد، الذي يرويه سامي دغلس عضو مجلس قروي البلدة للجزيرة نت، لم يكن الوقت كافيا لانتظار سيارة إسعاف قادمة من المدينة التي تبعد نحو 11 كيلومترا خطا مستقيما، عبر طرق تُغلَق فجأة بالسواتر الترابية، فتدخَل متطوعو نقطة الهلال الأحمر الفلسطيني في القرية خلال دقائق، ليقدموا الإسعافات الأولية وينقذوا الموقف.
ما جرى في برقة يكشف عن حاجة جديدة فرضها تصاعد اعتداءات المستوطنين على الواقع الأمني والطبي في القرى الفلسطينية، في ظل جغرافيا تتجزأ بفعل الحواجز والإغلاقات، وتحوّل الوصول السريع إلى الرعاية الطبية إلى تحدٍ قائم بذاته.
مع تزايد هذه الحاجة واتساع نطاق المواجهة في الضفة واعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين، بدأ الهلال الأحمر بتوسيع استجابته الميدانية عبر إنشاء نقاط طبية قريبة من التجمعات السكانية، لتقديم الإسعافات الأولية للمصابين إلى حين تمكن مركبات الإسعاف من الوصول.
تقول منسقة نقاط الإسعاف في الهلال الأحمر بالضفة، أماني قرارية، إن عدد النقاط بدأ يتزايد من 10 نقاط قبل عام 2023، إلى 73 نقطة إسعاف فاعلة حاليا في الضفة، مع السعي لزيادتها قبل نهاية العام الجاري.
تشير المسؤولة -في حديثها للجزيرة نت- إلى أن التوزيع يستهدف "المواقع الأكثر احتكاكا وتضرراً من الاعتداءات "، ومنها بلدات لم تكن على خارطة عمل الهلال الأحمر سابقاً، مثل الفندقومية جنوب جنين التي أُنشئت فيها نقطة قبل نحو 3 أشهر إثر اقتحامات المستوطنين وحرق المنازل.
إعلان
وتصف المتحدثة طبيعة الخدمة بأنها "إسعافية بحتة " يقدمها أطباء وممرضون ومسعفون بالإضافة إلى متطوعين من خلفيات متنوعة -ليسوا بالضرورة من المهن الطبية- خضعوا جميعا لتدريب موحد على نظام "المستجيب الأول"، وبعضهم حصل على تدريبات متقدمة.
النقاط "ميزة"على أرض الواقع، تقول منسقة نقاط الطوارئ إنه تم التعامل في منطقة برقة وحدها مع نحو 400 حالة خلال 6 أشهر لم تُنقل منها للمستشفى سوى 3 حالات فقط.
وباتت نقاط الطوارئ هذه تؤدي دورا أوسع في تأمين الحد الأدنى من الرعاية الصحية عندما تنقطع القرى عن محيطها، وتجسدت هذه الوظيفة بوضوح خلال الحصار الذي فُرض على بلدة طمون لـ7 أيام متواصلة في فبراير/شباط 2025، حين مُنعت سيارات الإسعاف من الدخول إلا بصعوبة بالغة.
وتواصل المنسقة أماني قرارية "عمل نحو 50 متطوعا ومتطوعة بنظام الورديات، وتعاملنا مع 7 حالات ولادة داخل نقطة الإسعاف قبل نقلها إلى المستشفيات، إلى جانب إسعاف مصابين جراء القصف، وحالات مرضية لأطفال بسبب البرد وتوزيع أدوية الأمراض المزمنة بالتنسيق مع وزارة الصحة ".
وتلفت إلى أن اعتماد الجمعية على متطوعين من أبناء البلدات نفسها هو "ميزة " أساسية، لأنهم يعرفون جغرافية بلدهم ويبقون داخلها عند إغلاق الاحتلال، مستشهدة بمنسق متطوعي برقة "علاء بزاري"، العامل في محل ألمنيوم والحاصل رغم ذلك على تدريبات متقدمة في "الإسعاف" و "التروما" (الصدمات النفسية).
من موقعه كمتطوع في طواقم الهلال الأحمر في برقة، يقول الشاب محمد سيف، إن الدافع الأساسي لتطوعه هو "وجود مشكلة أساسية في تأخر وصول سيارات الإسعاف إلى القرية عند وقوع أي حدث بسبب حواجز الاحتلال وتعقيداته الأمنية "، ما جعل وجود شخص في الميدان منذ اللحظات الأولى ضرورة ملحة.
ويشرح سيف -للجزيرة نت- آلية العمل: "شكلنا معا فريقا وبمركبة دفع رباعي خاصة، ونتحرك فور تلقي أي بلاغ عبر مجموعات واتساب مخصصة، إلى موقع الحدث لإسعاف المصابين".
ويوضح أن معظم الإصابات التي يتعاملون معها اليوم هي حالات "ضرب مبرح " بعد تصاعد اعتداءات المستوطنين مؤخرا، وخاصة مع انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية، إلى جانب حوادث سير وحالات اختناق بالغاز.
ويكشف الفارق الزمني الحاسم قائلا: "سيارة الإسعاف قد تحتاج إلى نحو 20 دقيقة لتصل، بينما نحن كمتطوعين نكون في قلب الحدث خلال دقيقة أو اثنتين فقط "، معتبرا أن هذه "اللحظة الأولى" هي الأهم في تحديد مصير المصاب.
ويوضح أن معظم الإصابات التي يتعاملون معها اليوم هي حالات "ضرب مبرح " بعد تصاعد اعتداءات المستوطنين مؤخرا، وخاصة مع انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية، إلى جانب حوادث سير وحالات اختناق بالغاز.
ويكشف الفارق الزمني الحاسم قائلا: "سيارة الإسعاف قد تحتاج إلى نحو 20 دقيقة لتصل، بينما نحن كمتطوعين نكون في قلب الحدث خلال دقيقة أو اثنتين فقط "، معتبرا أن هذه "اللحظة الأولى " هي الأهم في تحديد مصير المصاب.
واقع جيوسياسيمن جهته، يضع مدير الإعلام في جمعية الهلال الأحمر، عيد دويكات، هذا التوسع في سياقه الإستراتيجي، مؤكداً أن هذه النقاط "أُنشئت لسد الحاجة الميدانية على الأرض"، وأن الجمعية "أينما تلمس الاحتياج، تتدخل وتحاول أن تكون موجودة بأقصى إمكانياتها وطواقمها المجهزة والمدربة لتقديم الخدمة الطبية ".
إعلان
وهذه الفجوة التي تسدها النقاط الإسعافية ليست نتاج تقصير مؤسسي -بحسبه- بل انعكاس لواقع جيوسياسي معقد يفرضه وجود أكثر من 900 حاجز وبوابة عسكرية إسرائيلية منتشرة في أنحاء الضفة الغربية، ما "يصعب على الطواقم الإنسانية والطبية تقديم الخدمة بالسرعة المطلوبة ".
ويكشف دويكات أن الإغلاقات المتكررة قلبت معادلة "وقت الاستجابة" رأسا على عقب: فبدلا من وصول سيارة الإسعاف في غضون 7 إلى 10 دقائق كحد أقصى، باتت تحتاج أحيانا إلى أكثر من نصف ساعة، وهو تأخير يقول إنه "قد يغير تماماً من حالة المريض أو المصاب الذي يحتاج لخدمة عاجلة ".
إستراتيجية متطورةكما أن إستراتيجية الهلال الأحمر تطورت تبعا لذلك، يوضح دويكات: "سابقا، كانت نقطة إسعاف واحدة قادرة على خدمة عدة قرى لأنها كانت مفتوحة فيما بينها. أما اليوم، ومع كثرة الإغلاقات والحواجز، أصبحنا مضطرين للتواجد داخل كل قرية أو حي سكني لتقديم الخدمة فورا".
ويربط هذا الانتشار بجهود تدريب مستمرة للطواقم الميدانية، معتبرا أنها "إضافة نوعية " وأنه في حال غياب نقطة طبية ثابتة، يبقى لدى الجمعية أفراد وطواقم مدربون ومجهزون لعمل الإسعاف الأولي فور وقوع الحدث ولحين وصول سيارة الإسعاف، وهو "جزء أساسي من إستراتيجيتنا في هذه الفترة المعقدة التي تمر بها الضفة".
يتقاطع ما يرويه أهالي القرى مع بيانات رسمية توثّق تصاعدا حادا في وتيرة العنف؛ فبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، ارتقى منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026 أكثر من 1172 شهيدا في الضفة والقدس، وسُجّلت إصابة قرابة 12 ألفا و660 مواطنا برصاص جيش الاحتلال والمستوطنين.
أما هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (حكومية) فتوثق في تقرير لها تنفيذ قوات الاحتلال والمستوطنين أكثر من 56 ألف اعتداء منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية يونيو/حزيران الماضي، بينها نحو 12 ألفا و500 اعتداء من تنفيذ المستوطنين وأدت لاستشهاد 52 فلسطينيا، إلى جانب إقامة 200 بؤرة استيطانية جديدة خلال الفترة نفسها.
وفي موازاة ذلك، وثّقت جمعية الهلال الأحمر عشرات الحالات التي أعاق فيها الاحتلال وصول سيارات الإسعاف، من إغلاق البوابات الحديدية، إلى إجبار مرضى غسيل الكلى والحوامل على النزول من المركبات والمشي عبر الحواجز سيرا.
إقرأ المزيد


