الجزيرة.نت - 8/16/2026 8:19:55 PM - GMT (+3 )
ترصد السينما المصرية تحولات القاهرة عبر 9 عقود، مقدمة صورا متباينة للمدينة تعكس كل مرحلة سياسية واقتصادية مرت بها البلاد، فمن خلال أول لقطة سينمائية، حملت الكاميرا رؤى وتفاصيل مختلفة للمدينة.
واستعرضت حلقة (2026/8/16 ) من برنامج "غاليريتا" الذي يبث على منصة الجزيرة 360، وهذا رابطها، كيف شكلت السينما المصرية الذاكرة البصرية لمدينة القاهرة، مقدمة روايات متعددة ومتباينة حول تعريف القاهرة الحقيقية.
وترصد الأفلام المصرية في ثلاثينيات القرن الماضي القاهرة وكأنها "باريس الشرق" أو روما، بشوارعها الواسعة وأرصفتها النظيفة وترامها المنتظم، حيث قدمت أعمال مثل "الوردة البيضاء" و"ياقوت" صورة المدينة الأوروبية التي بناها الخديوي إسماعيل في القرن 19.
وتكشف هذه الأفلام مركزا حديثا للقاهرة ظل منفصلا عن أحيائها الشعبية والقديمة، وفقا للباحث نزار الصيّاد في كتابه "العمران السينمائي"، مشيرا إلى أن تلك الشوارع الواسعة لم تكن للجمال والزينة فحسب، بل كانت أداة للسيطرة والمراقبة من قبل السلطات والطبقة الميسورة.
وفي السياق ذاته، يوضح الصيّاد أن معظم أفلام تلك الحقبة استخدمت القاهرة كـ"خلفية ديكورية"، وشمل ذلك حتى الأفلام التي تناولت حياة الفقراء، والتي صورت داخل أستوديوهات لتقديم نسخة محسنة وبعيدة عن واقع حياة الناس البسطاء.
غير أن المخرج كمال سليم كسر هذه القاعدة في عام 1939 بفيلم "العزيمة"، الذي يعتبره النقاد -كما توضح الحلقة- أول فيلم واقعي في تاريخ السينما المصرية، إذ أدخل الكاميرا إلى حواري القاهرة، مصورا حياة الفقراء وآلامهم وأحلامهم لأول مرة.
وتتوالى الصور السينمائية للقاهرة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، موضحة انقسام المدينة إلى شطرين يفصلهما كوبري أبو العلا، بولاق منطقة الفقراء و"الحرافيش"، والزمالك موطن الفيلات والأجانب والباشوات.
وتبين هذه الأفلام كيف عكست السينما الحلم القومي بعد ثورة الضباط الأحرار، خصوصا بعد حريق القاهرة عام 1952 الذي أحرق الوجه الأوروبي للمدينة، ثم أعيد بناؤها بوعد قاهرة عربية قائدة للوحدة والتحرر.
بيد أن نكسة عام 1967 شكلت منعطفا حاسما في صورة القاهرة السينمائية، حيث توضح الحلقة أن السؤال عن الفقر والغنى تحول إلى السؤال حول كيفية العيش بعد الهزيمة، ويعرض فيلم "ثرثرة فوق النيل" المقتبس من رواية للكاتب نجيب محفوظ عام 1971 صورة مدينة تعاني هزيمة عسكرية وأخلاقية، تختصرها عوامة على النيل يجتمع عليها مثقفون وموظفون هاربون من واقعهم بتعاطي المخدرات والسخرية.
الانفتاح الاقتصاديوفي السبعينيات، تظهر القاهرة تحت تأثير قرار الانفتاح الاقتصادي الذي اتخذه الرئيس السابق محمد أنور السادات عام 1974، والذي خلق فجوة طبقية حادة، ويرصد فيلم "الحب فوق هضبة الهرم" للمخرج عاطف الطيب في الثمانينيات معاناة موظف حكومي يحاول الزواج في مدينة أصبحت أمامه "دائرة مغلقة"، حيث كل باب يطرقه وراءه باب مغلق، حتى يجد الحل الوحيد في دخول السجن.
مع تزايد السكان وبروز أزمة السكن وضعف التخطيط، توسعت العشوائيات في القاهرة، وبدأت السينما في التسعينيات والألفينات تهتم بأفلام الكوميديا الشبابية، لكنها عادت في منتصف الألفينات لتطرح أفلاما عن العشوائيات بقوة، كما في فيلم "حين ميسرة" الذي أثار جدلا حول تضخيم القبح، وفيلم "هي فوضى" ليوسف شاهين الذي صور الفساد والبلطجة كقاعدة وليس استثناء.
وتشير حلقة غاليريتا إلى أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 حولت ميدان التحرير من فضاء رسمي بارد إلى فضاء شعبي تملكه الجموع، وفق ما يوضح الدكتور علي عبد الرؤوف في كتابه "شعب وميدان ومدينة".
وتتناول أفلام مثل "اشتباك" و"آخر أيام المدينة" هذه التحولات، بينما يعيد فيلم "من أحرق مدينتي" للمخرج محمد رأفت ربط حريق عام 1952 بثورة عام 2011، مشيرا إلى تشابه السرديات الرسمية التي تصف الثوار في المرتين بأنهم مخربون وعملاء.
وخلال العقد الأخير، أصبحت كثير من الأفلام تفضل تصوير القاهرة عبر الكاميرات المسيرة، أو من داخل المجمعات السكنية الفخمة، مبتعدة عن تفاصيل الشارع والمقهى والحارات، ولكن فيلم "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو" عام 2025 للمخرج خالد منصور يعود إلى جوهر المدينة، حاكيا قصة شاب يطرد من بيته مع والدته، ليوضح أن المدينة نفسها تسرق من أصحابها.
وتخلص مقدمة الحلقة ريتا خان إلى أن السينما ليست مجرد أرشيف للمباني والشوارع، بل تحكي قصة مدينة وناس عاشوا فيها، وتجاربهم بين الحلم والنكسة والنشوة والفقر، متسائلة عن الفيلم أو المسلسل الذي صور القاهرة بواقعية شديدة، مؤكدة أن الفن مرآة يمكن أن يفهم العالم من خلالها.
Published On 16/8/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


