الأرض تفقد "نصوعها" عاما بعد عام.. والعلماء قلقون من تأثير خطير
الجزيرة.نت -

Published On 16/8/2026

|

آخر تحديث: 11:11 (توقيت مكة)

حين ننظر إلى الأرض من الفضاء تبدو شديدة السطوع بسبب السحب والجليد والثلوج وغيرها من الأسطح التي تعيد جزءًا من ضوء الشمس إلى الفضاء.

ويستخدم العلماء مصطلح "الألبيدو" أو "النصوع" للتعبير عن نسبة الإشعاع الشمسي الذي يعكسه الكوكب بدلا من امتصاصه. وفي المتوسط تعكس الأرض نحو 29–30% من ضوء الشمس الساقط عليها، بينما تمتص الباقي.

تراجع معدلات السحب المنخفضة يؤثر على نصوع الكوكب (أسوشيتد برس)
أقل لمعانا

لكن القياسات تشير إلى أن الأرض أصبحت خلال العقود الأخيرة أكثر قتامة قليلا. ففي دراسة نُشرت عام 2021 في دورية "غيوفيزيكال ريسيرش ليترز" (Geophysical Research Letters)، استخدم الباحثون ظاهرة "ضوء الأرض"، أي ضوء الشمس المنعكس من الأرض إلى الجزء المظلم من القمر، إلى جانب بيانات أقمار "سيريس" التابعة لناسا. ووجدوا انخفاضا ملحوظا في نصوع الأرض بين عامي 1998 و2017، يعادل زيادة في الطاقة المحتجزة بنحو 0.5 واط لكل متر مربع.

والفاعل الأهم على المستوى العالمي ليس اليابسة، بل السحب. فالسحب المنخفضة، خصوصا فوق المحيطات، أشبه بمظلات بيضاء ضخمة تعيد قدرا كبيرا من ضوء الشمس إلى الفضاء.

وفي دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science)، وجد هيلغه غوسلينغ وزملاؤه أن النصوع الكوكبي وصل إلى مستوى منخفض قياسي عام 2023، وأن جانبا كبيرا من الانخفاض ارتبط بتراجع السحب المنخفضة في العروض الوسطى الشمالية والمناطق المدارية.

وقدر الباحثون أن هذا الانخفاض في النصوع ساعد في تفسير نحو 0.2 درجة مئوية من الارتفاع الاستثنائي في حرارة ذلك العام الذي لم تفسره التقديرات المعتادة بالكامل.

وتعزز دراسة أحدث نُشرت عام 2026 هذه الصورة؛ إذ وجد باحثون أن تناقص السحب المنخفضة بين منتصف عام 2003 ومنتصف عام 2024 أدى إلى زيادة امتصاص الأرض للطاقة الشمسية بمعدل يساوي نصف الاتجاه المسجل في تزايد اختلال ميزانية طاقة الأرض خلال الفترة نفسها.

إعلان

وتشير الدراسة إلى أن الاحترار نفسه، وزيادة غازات الدفيئة، وتغير الهباء الجوي، تعمل معا على تغيير السحب.

يتسبب تغير المناخ في تفاقم المشكلة (غيتي)
حلقة تغذية راجعة

وهنا تدخل حلقة تغذية راجعة خطرة، حيث ترتفع الحرارة، فتتغير بعض السحب ويذوب الثلج والجليد، وعندما تختفي الأسطح البيضاء يظهر تحتها المحيط أو اليابسة الأكثر قتامة، فتمتص طاقة أكبر، فيزداد الاحترار.

يسهم ذوبان الجليد والثلوج كذلك في جعل الأرض أكثر قتامة. فحين يتراجع الجليد البحري الأبيض، الذي يعكس قدرا كبيرا من أشعة الشمس، ينكشف تحته المحيط الداكن القادر على امتصاص قدر أكبر من الطاقة.

يؤدي ذلك إلى مزيد من التسخين ثم مزيد من الذوبان، فيما يعرف بتغذية الجليد–النصوع الراجعة.

وتشير القياسات إلى أن الجليد البحري العالمي فقد بالفعل جزءا ملموسا من تأثيره التبريدي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وإن كانت تغيرات السحب تظل عاملًا رئيسيا في مشكلة انخفاض "نصوع" الأرض.

وهناك عامل آخر أكثر تعقيدا، وهو تنظيف الهواء من التلوث. فهباء الكبريت الناتج عن المصانع والسفن كان يجعل بعض السحب أكثر سطوعا.

لذلك يمكن لخفض هذه الانبعاثات، وهو أمر مفيد جدا للصحة، أن يكشف مؤقتة جزءا من الاحترار الذي كان التلوث يخفيه.

وتوصلت دراسة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) عام 2026 إلى أن انخفاض الهباء البشري قلل عدد قطرات السحب وزاد امتصاص الطاقة فوق مساحات واسعة من المحيطات، وإن كان مقدار هذا التأثير العالمي لا يزال موضع نقاش بين الدراسات.

تأثير على الأرض

الخطورة أن هذا التغير لا يحل محل تأثير ثاني أكسيد الكربون، بل يعمل إلى جانبه، فالغازات الدفيئة تقلل خروج الحرارة إلى الفضاء، بينما انخفاض النصوع يسمح بدخول مزيد من الطاقة الشمسية إلى النظام المناخي.

والنتيجة هي زيادة اختلال طاقة الأرض، وتسارع تراكم الحرارة، ومعظمها في المحيطات، بما يعزز الاحترار وذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار.

وتشير أحدث التحليلات إلى أن اختلال طاقة الأرض أكثر من تضاعف خلال العقود الأخيرة، وهو أحد أهم المؤشرات الفيزيائية على استمرار تسارع تغير المناخ.



إقرأ المزيد