تجاوز مضيق هرمز.. "المخبر الاقتصادي" يبحث مدى واقعية الطرق البديلة
الجزيرة.نت -

يبحث “المخبر الاقتصادي” قدرة دول الخليج على تجاوز مضيق هرمز، ويخلص إلى أن تنويع مسارات النفط ممكن، لكن الاستغناء الكامل عن المضيق يصطدم بالجغرافيا وكلفة البنية التحتية وتعقيدات صادرات الغاز المسال.

أعاد إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة المخاطر أمام صادرات الطاقة الخليجية، بعدما وجدت دول المنطقة نفسها أمام ممر حيوي يمكن أن يتحول في لحظة إلى نقطة اختناق تشل جزءا كبيرا من إمدادات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، وتدفعها للبحث عن طرق أخرى.

وتتناول حلقة "المخبر الاقتصادي" بتاريخ 15 أغسطس/آب 2026 الموجودة على هذا الرابط، هذه المعضلة من زاوية مختلفة، انطلاقا من توقع لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن يفقد المضيق أهميته خلال عامين، مع انتقال أكثر من نصف الطاقة التي تمر عبره حاليا إلى خطوط أنابيب. وتناقش الحلقة مدى واقعية هذا السيناريو.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وتستعيد الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة من هنا) تجربة السعودية مع خط أنابيب شرق-غرب، الذي وافقت الحكومة على إنشائه عام 1978 لنقل النفط من بقيق شرقي المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر، بتكلفة قدرت آنذاك بنحو 400 مليون دولار، وجاء المشروع لتوفير منفذ تصدير آخر في حال تعرض الطريق البحري الوحيد للخطر.

دخل الخط الخدمة عام 1981، وبرزت أهميته خلال الحرب العراقية الإيرانية التي شهدت اضطرابات واسعة في الملاحة الخليجية، ولا سيما خلال ما عُرف بحرب الناقلات، لكن مع عودة الاستقرار، ظلت السعودية تعتمد بدرجة أكبر على موانئ الخليج، لأن التصدير عبر هرمز كان أسرع وأقل تكلفة.

وتكشف هذه المفارقة طبيعة الدور الحقيقي لخط شرق-غرب؛ فهو لم يكن مصمما لمنافسة موانئ الخليج في الظروف الطبيعية، وإنما ليكون شبكة أمان عند تعطل الملاحة، ولهذا واصلت المملكة الاستثمار في توسعته رغم عدم تشغيله بكامل طاقته، باعتباره تأمينا إستراتيجياً لصادراتها.

وقبل الحرب مباشرة كانت السعودية تصدر أكثر من 7 ملايين برميل يوميا، يمر نحو 6 ملايين منها عبر مضيق هرمز، بينما تبلغ الطاقة الإجمالية لخط شرق-غرب 7 ملايين برميل يوميا، يخصص مليونا برميل منها للمصافي المحلية، وبذلك أمكن نظريا تحويل نحو 5 ملايين برميل يوميا إلى موانئ البحر الأحمر.

تأمين إستراتيجي

وتكرر الإمارات التجربة السعودية عبر خط حبشان-الفجيرة، الذي يربط مراكز إنتاج وتجميع النفط التابعة لشركة أدنوك في أبو ظبي بميناء الفجيرة على الساحل الشرقي خارج مضيق هرمز، وبدأ تشغيل الخط عام 2012، ويبلغ طوله ما بين 360 و380 كيلومترا، بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميا.

وقبل الحرب كانت صادرات النفط من الفجيرة في حدود 1.1 مليون برميل يوميا، لكنها ارتفعت إلى نحو 1.6 مليون برميل يوميا في مارس/آذار الماضي، مع اتجاه الإمارات إلى الاعتماد بصورة أكبر على الخط بعد إغلاق المضيق، وهكذا أثبتت الأزمة قيمة استثمارات أُنشئت أساسا تحسبا لظروف استثنائية.

غير أن التجربة السعودية والإماراتية كشفت في الوقت نفسه حدود البدائل، إذ إن تشغيل خط شرق-غرب وخط حبشان-الفجيرة بكامل طاقتهما لن يسمح للبلدين بالاستغناء تماما عن هرمز، وتبدو هذه القدرة الجزئية أفضل نسبيا من وضع دول خليجية أخرى ترتبط صادراتها بالمضيق بصورة شبه كاملة.

وتتضح المشكلة بصورة أكبر في العراق، إذ كانت حقوله الجنوبية تنتج نحو 4.3 ملايين برميل من الخام يوميا قبل الحرب، بينما اقتربت صادراته في فبراير/شباط الماضي من 3.3 ملايين برميل يوميا، يخرج معظمها من موانئ البصرة، ومع إغلاق هرمز، فقد العراق منفذه الرئيسي إلى الأسواق العالمية.

ولدى بغداد مسار كركوك-جيهان الذي يصل النفط إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، لكن الكميات التي أمكن تصديرها عبره بقيت محدودة، عند نحو 170 ألف برميل يوميا، وانعكس ذلك على الصادرات العراقية التي تراجعت إلى ما بين 1.5 و1.7 مليون برميل يوميا.

أما الكويت والبحرين وقطر فتواجه معضلة أشد، لأن سواحلها تقع بالكامل على الخليج العربي، ولا تمتلك منافذ بحرية إلى مياه خارج الخليج يمكن أن تتيح تجاوز هرمز، ولهذا يتحول المضيق بالنسبة إليها إلى نقطة اختناق إستراتيجية، ويصبح إغلاقه عائقا شبه كامل أمام صادرات الطاقة.

منافذ جديدة

ولا تقتصر المخاطر المستقبلية على احتمال إغلاق المضيق مجددا، إذ تبدو إيران متمسكة أيضا بفكرة إدارة حركة المرور فيه بالتعاون مع سلطنة عُمان وفرض رسوم على السفن العابرة، ومن شأن ذلك أن يضيف كلفة جديدة إلى صادرات الخليج، يتحملها المنتج في النهاية للحفاظ على تنافسية نفطه.

لهذا بدأت دول المنطقة التفكير في توسيع مسارات التصدير البديلة، ففي يوليو/تموز نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن السعودية تدرس زيادة سعة خط شرق-غرب بما بين مليون ومليوني برميل يوميا، عبر تطوير البنية القائمة أو إنشاء خط جديد، مع بحث محادثات مع دول مجاورة بشأن توسيع الشبكة.

وتحاول الكويت الاستفادة من هذه الشبكات، إذ تُجري محادثات مع السعودية والإمارات بشأن توسيع خطوط الأنابيب بما يسمح باستيعاب النفط الكويتي وتصديره مستقبلا عبر منافذ البلدين. وفي الإمارات، يتواصل تنفيذ خط موازٍ لخط حبشان-الفجيرة، بدأ العمل فيه عام 2025 وتجاوز إنجازه 50%، على أن يدخل الخدمة في 2027.

أما العراق، فيحاول بناء شبكة أوسع لا تكتفي بمسار كركوك-جيهان، ومن أبرز مشروعاتها خط البصرة-حديثة بطاقة تصل إلى 2.5 مليون برميل يوميا، وتدرس بغداد توجيه النفط من الجنوب إلى جيهان بتركيا أو بانياس في سوريا أو العقبة بالأردن، بما يتيح فتح منافذ تصدير جديدة بعيدا عن هرمز.

وتشير دراسة نشرها بنك غولدمان ساكس في يوليو/تموز إلى أن أكثر من 45% من صادرات النفط الخليجية التي كانت مرتبطة بهرمز قبل الحرب قد تتوافر لها قدرة على تجاوز المضيق بحلول نهاية 2027، وقد تتجاوز النسبة 60% بنهاية 2028، إذا اكتملت المشروعات المطروحة.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن تلك النسب من النفط ستُصدّر فعليا بعيدا عن هرمز، وإنما تعني توافر بنية تحتية تسمح بتجاوز المضيق عند تعطل الملاحة، ففي الظروف الطبيعية يظل هرمز أكثر كفاءة من حيث الوقت والتكلفة، وهو ما يفسر عدم تشغيل البدائل الحالية بكامل طاقتها.

جدوى البدائل

وهنا تبرز معضلة اقتصادية أخرى؛ فالمشروعات التي تبدو شديدة الأهمية أثناء الأزمات قد تفقد جزءا من جدواها إذا عادت الملاحة إلى طبيعتها، ويستشهد البرنامج برأي لارس جينسن الذي يحذر من احتمال تحول بعض مشروعات تجاوز هرمز إلى استثمارات ضعيفة الجدوى إذا تحقق سلام دائم وعادت الأفضلية للمسار البحري التقليدي.

وتتجاوز المسألة مجرد مد خطوط جديدة، لأن دول الخليج أنفقت خلال عقود أموالا ضخمة على منظومة متكاملة للطاقة على سواحل الخليج، تشمل الحقول وخطوط الأنابيب والمصافي والموانئ ومحطات تسييل الغاز والخزانات وأرصفة التحميل، لذلك فإن بناء بديل كامل قد يعني إعادة إنشاء منظومة بأكملها.

وتكشف قطر وقطاع الغاز الطبيعي المسال حدود هذه الفكرة بأوضح صورة؛ فقبل الحرب كان نحو 20% من تجارة الغاز المسال العالمية يمر عبر هرمز، وكانت قطر المصدر الرئيسي لهذه الكميات. وتعتمد صادراتها على رأس لفان، المنشأة التي تعالج الغاز القادم من حقل الشمال وتسيّله وتخزنه وتحمّله على ناقلات عملاقة.

وتزداد المعضلة تعقيدا لأن الغاز المسال يبرد إلى نحو 162 درجة مئوية تحت الصفر، فينكمش حجمه قرابة 600 مرة، مما يتطلب منشآت متخصصة للغاية للتسييل والتخزين والتحميل، لذلك لا يمكن ببساطة مد خط للغاز المسال إلى ساحل آخر، بل تحتاج قطر إلى بناء منظومة تصدير كاملة خارج الخليج.

وهكذا يبدو الفرق واضحا بين النفط والغاز: تجاوز هرمز بالنسبة إلى شحنة نفط يمكن أن يعني تغيير مسارها عبر خط أنابيب آخر، أما في حالة الغاز القطري فإن تجاوز المضيق يعني عمليا إعادة بناء جزء كبير من سلسلة التصدير، من خطوط الغاز إلى محطات التسييل والخزانات وأرصفة التحميل، بكلفة هائلة.

وتخلص الحلقة إلى أن دول الخليج تستطيع تقليل اعتمادها على مضيق هرمز، لكنها لا تستطيع الاستغناء عنه بالكامل. فالبدائل توفر شبكة أمان في الأزمات، بينما تبقي الجغرافيا وكلفة البنية التحتية وطبيعة صادرات الغاز المضيق في قلب معادلة الطاقة الخليجية.



إقرأ المزيد