الجزيرة.نت - 8/15/2026 11:06:20 PM - GMT (+3 )
تواجه فرنسا ضغوطا مالية متزايدة مع استمرار ارتفاع الدين العام وضعف النمو واتساع العجز، في وقت تزيد فيه أزمة الطاقة والتوترات الدولية صعوبة المشهد الاقتصادي. بينما تبدو خيارات الإصلاح صعبة في مناخ سياسي منقسم واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو/أيار 2027.
وارتفع الدين الفرنسي بأكثر من تريليون يورو منذ تولي الرئيس إيمانويل ماكرون الرئاسة عام 2017، وفق وكالة رويترز، حين كان يعادل نحو 98% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير توقعات رسمية إلى ارتفاعه من 118% إلى أكثر من 130% بحلول عام 2030.
وبين خفض الإنفاق العام وزيادة الضرائب، تجد الحكومة نفسها أمام قرارات اقتصادية مكلفة سياسيا، في وقت تتزايد فيه فاتورة الدين وتبقى فيه قدرة الاقتصاد على النمو محدودة.
لا تتوقف الضغوط عند حجم الدين وحده، إذ تواجه فرنسا نموا اقتصاديا متواضعا. ويتوقع البنك المركزي الفرنسي نمو الاقتصاد بنسبة 0.7% عام 2026، في حين تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أنه لن يتجاوز 0.6%.
ووفقا لتوقعات بنك فرنسا الصادرة في يونيو/حزيران 2026، يُنتظر أن يسجل الاقتصاد نموا بنسبة 0.9% في 2027 و1.1% في 2028. وفي المقابل، ارتفع التضخم السنوي إلى 2.1% في يوليو/تموز، بحسب المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (إنسي).
ويرى أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة السوربون كميل الساري أن معالجة أزمة الدين ترتبط بقدرة الاقتصاد على استعادة نمو أقوى، في ظل صعوبة الاستمرار في تمويل الإنفاق والالتزامات العامة مع تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وقال الساري للجزيرة إن فرنسا تأثرت بسلسلة أزمات، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا والحرب على إيران، لافتا إلى أن البلاد مستورد صافٍ للنفط والغاز، ما يجعلها أكثر تعرضا لتداعيات اضطرابات أسواق الطاقة.
فوائد الدين.. فاتورة تتسعوتظهر الضغوط أيضا في كلفة خدمة الدين، إذ بلغت فوائد الدين في النصف الأول من العام 43.5 مليار يورو. وتحتاج فرنسا إلى تحقيق توفير سنوي يصل إلى 100 مليار يورو، في معادلة تضع الحكومة أمام خيارات حساسة تتصل بالإنفاق العام والإيرادات.
إعلان
وقال الساري إن خفض العجز والدين لا يمكن أن يتم عبر إجراء واحد، بل يحتاج إلى معالجة أوسع تشمل طريقة إدارة الإنفاق وقدرة الدولة على تحفيز الاقتصاد وتحقيق موارد مستدامة.
وتوقع أن يبلغ العجز 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، قبل أن يرتفع إلى 5.7% في 2027، مما يضيف ضغطا جديدا على المالية العامة الفرنسية.
إصلاح يصطدم بالسياسةلكن الأرقام لا تروي القصة كلها، فالإصلاحات التي يمكن أن تخفف عبء الدين والعجز تصطدم بحسابات سياسية وبرلمانية معقدة.
وقال أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة السوربون كميل الساري إن غياب أغلبية برلمانية متماسكة يجعل تمرير إجراءات اقتصادية جذرية أكثر صعوبة، خصوصا إذا تعلقت بخفض الإنفاق أو زيادة الضرائب.
وأضاف أن اقتراب الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار 2027 يضاعف حساسية هذه الخيارات، لأن القرارات غير الشعبية قد تتحول إلى كلفة انتخابية على القوى السياسية التي تتبناها.
كما تضع أزمة الدين والعجز الحكومة الفرنسية أمام خيارات اقتصادية حساسة. فخفض الإنفاق العام قد يثير اعتراضات اجتماعية وسياسية، في حين أن زيادة الضرائب قد تضيف أعباء على الأفراد والشركات.
أما تأجيل الإصلاحات، فيجنب الحكومة صداما سياسيا مؤقتا، لكنه يبقي ضغوط الدين والعجز وكلفة التمويل قائمة.
ويرى الساري أن التحدي لا يقتصر على اختيار إجراء اقتصادي بعينه، بل يتعلق بقدرة الحكومة على توفير توافق سياسي يسمح بتمريره وتنفيذه، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
شراء للوقت أم تأجيل التكلفة؟لا تبدو أزمة الدين في فرنسا مجرد مسألة أرقام في الموازنة، بل اختبارا لقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مالية صعبة في وقت يظل فيه النمو ضعيفا، والعجز مرتفعا، وكلفة الاقتراض آخذة في الزيادة.
وبين التقشف والضرائب وتأجيل الإصلاحات، تبقى فرنسا أمام سؤال مفتوح: هل تنجح في معالجة اختلالاتها المالية قبل أن تتحول كلفتها الاقتصادية إلى عبء سياسي أكبر؟
إقرأ المزيد


