الجزيرة.نت - 8/15/2026 10:20:54 PM - GMT (+3 )
تناولت حلقة برنامج “الدحيح” حياة المدرب الإسباني بيب غوارديولا، مستعرضة مسيرته منذ الطفولة في ريف كتالونيا وصولا إلى كونه مدربا عبقريا، ومواقفه الإنسانية تجاه قضايا العالم.
واستهلت حلقة (15 أغسطس/آب 2026) من برنامج "الدحيح" -التي تُبث على منصة (AJ+) وهذا رابطها– استعراضها بموقف يجسد لحظة فارقة في حياة بيب غوارديولا حين وقف في 9 يونيو/حزيران 2025 بقاعة ويتوورث في جامعة مانشستر مرتديا الزي الأكاديمي، ليتسلم الدكتوراه الفخرية من الجامعة، لكنه لم يتحدث عن كرة القدم، بل استغل المنصة ليتحدث عن العالم "الظالم"، إذ عبّر عن ألمه أمام صور الضحايا في السودان وأوكرانيا وقطاع غزة، متحدثا عن وجعه من مشاهد الأطفال الرضع الذين يُقتلون بقصف القنابل.
وأوضح مقدم برنامج حفل التخرج أن كلمة غوارديولا -التي تُرجمت إلى عشرات اللغات- أثارت ردود فعل متباينة، فبينما أحبها الملايين، اتهمه آخرون بخلط الكرة بالسياسة و"معاداة السامية"، لكن غوارديولا رد قائلا "رغم وصول البشرية إلى القمر، فإن الناس ما زالوا يقتل بعضهم بعضا بجنون، والعالم يصمت لأن الصحفي يقال له: ابق في مقالاتك، والمدرب يقال له: ابق في كرتك".
وتأكيدا لهذا المعنى، شبّه المدرب الإسباني نفسه بطائر صغير يحاول إطفاء غابة مشتعلة، في حين يقف ثعبان يقول له إنه لن ينجح، فيرد الطائر بثقة "أنا أعلم، ولكني أقوم بدوري"، معبّرا عن إيمانه بأن القيام بالواجب أهم من تحقيق النتيجة، وهو درس استقاه من تجاربه الإنسانية خارج الملعب.
وأظهرت الحلقة أن غوارديولا ليس مجرد مدرب مهووس بالكرة كما يُظن، بل هو إنسان مثقف ومتعاطف بحكمة فيلسوف، إذ وصفه الصحفي نيك ميلر بأنه شخص شديد الهوس بعمله، لكن تاريخه يُظهر إنسانا منفتحا على العالم.
تأثير كرويفوبالعودة إلى بداياته، فقد نشأ بيب غوارديولا في قرية سانت بيدور الكتالونية، وسط عائلة بسيطة، والده فالنتي عامل بناء ووالدته دولورس ربة منزل، وكان يستمع دائما لحكايات جده عن ابن عمه المثقف الذي اعتقله الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو الذي حكم البلاد بقبضة من حديد من عام 1939 حتى وفاته عام 1975، إضافة إلى شغف الجد الكروي بنادي برشلونة.
وفي الإطار ذاته، سلطت الحلقة الضوء على التأثير العميق للمدرب الأسطوري يوهان كرويف في مسيرة غوارديولا، إذ صعد الأخير إلى الفريق الأول عام 1990 بعدما انبهر به كرويف، واصفا إياه بالعبقري رغم نحافته، وبدأت رحلة طويلة تُوجت بالفوز بأول كأس أوروبية لبرشلونة عام 1992، حيث كان غوارديولا في التشكيلة الأساسية.
وتناولت الحلقة علاقة غوارديولا المعقدة مع المنتخب الإسباني، إذ واجه اتهامات بالولاء لإقليم كتالونيا ووصفوه بـ"الجاسوس"، ليدافع عن نفسه بأنه يقدّم كل ما لديه بقميص المنتخب، لكن التجربة علمته درسا في التركيز على طريقه وترك الناس تقول ما تشاء، وتطورت شخصيته ليصبح أقرب إلى شخصية متصوفة هادئة.
وعلى النقيض من الصورة النمطية للمدرب الرياضي، أوضحت الحلقة أن غوارديولا كان مولعا بالقراءة والروايات الرومانسية والشعر، مما جعله مدربا يفكر في الكرة ويستلهم أفكاره من مصادر متنوعة مثل كتاب أسطورة الشطرنج غاري كاسباروف عن السيطرة، واستخدم 23 خطة تدريبية خلال فترة تدريبه لبايرن ميونخ من أصل 29 خطة في لعبة كرة القدم.
وفي تباين واضح مع فلسفة كرويف، تعلّم غوارديولا درسا قاسيا في ليلة أثينا عام 1994 حين اكتسح إيه سي ميلان برشلونة، ثم تبعتها إقالة كرويف عام 1996، مما علّم بيب قاعدة مهمة "ارحل وأنت في عز مجدك، ولا تنتظر حتى تسقط لأن أحدا لن يرحمك"، وهو الدرس الذي طبقه لاحقا حين رحل عن برشلونة في ذروة نجاحه.
ورغم نجاحات غوارديولا، فقد وثقت الحلقة معاناته مع إصابة "سيئة التشخيص" أبعدته 15 شهرا عن الملاعب، حيث واجه شائعة قاسية بأنه مصاب بمرض نقص المناعة (الإيدز). ويعتقد مراقبون أن الشائعة كانت مصدرها إدارة برشلونة نفسها للضغط عليه في مفاوضات العقد، قبل أن يكتشف أن جسمه ينتج طبيعيا مادة الناندرولون التي اتُّهم بها، وحصل على البراءة بعد صراع قضائي استمر 6 أعوام.
وأوضحت الحلقة كيف تحول غوارديولا من لاعب منهك إلى مدرب ثوري، حين رفض المناصب الإدارية وأصر على تدريب الفريق الرديف لبرشلونة رغم هبوطه إلى الدرجة الرابعة، وفرض نظاما صارما قاد الفريق إلى تحقيق المعجزة والفوز بالدوري، ووصف هذا الإنجاز بأنه الأعظم في مسيرته لأنه ولّد فيه شخصية المدرب العبقري.
وعندما تولى تدريب الفريق الأول عام 2008، اتخذ قرارات خطيرة بالاستغناء عن نجوم مثل رونالدينيو وديكو (أحد أبرز الثنائيات في تاريخ النادي)، وفرض أنظمة صارمة حتى أنه منع التحدث باللغة الفرنسية بين اللاعبين، وحقق السداسية التاريخية مع النادي في عام 2009، ليصبح أول فريق في تاريخ كرة القدم يحقق هذا الإنجاز الفريد من نوعه عبر الفوز بجميع البطولات الممكنة في عام واحد، بفضل مواهب ليونيل ميسي في مركز "المهاجم الوهمي"، ليكتب اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة العالمية.
وخلصت الحلقة إلى تأكيد النواحي الإنسانية في حياة غوارديولا، عندما سئل -في مقابلة مع "بي بي سي" عام 2018- عن إقامته في وسط مانشستر، فأجاب "في كل مكان عشت فيه، كنت أسكن في وسط البلد، وسط الناس. أنا لا أعرف العيش وحدي"، مما يعكس إنسانية الرجل الذي لم ينس أصله ابنا لعامل بناء بسيط، ويستخدم منصته للتحدث عن المقهورين الذين لم يحصلوا على حظه أو شهرته.
Published On 15/8/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


