هكذا باع رونالد ريغان "الهدوء" للأمريكيين
الجزيرة.نت -

Published On 15/8/2026

يرى الكاتب لوك شلوسنر في مقال له نشرته مجلة فورين بوليسي، أن أحد أهم أسباب استمرار صورة الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان كقائد ناجح هو قدرته الكبيرة على طمأنة الأمريكيين وإقناعهم بأن الأمور تحت السيطرة.

لكن شلوسنر الذي يتولى منصب الرئيس والمؤسس المشارك لمنظمة "آوت إن ناشونال سكيورتي" (Out in National Security) يطرح سؤالا بشأن حقيقة هذا التصور: هل كان ريغان بالفعل حاكما كفؤا، أم أن هدوءه وثقته جعلا الأمريكيين يخلطون بين الطمأنينة والكفاءة؟

في هذه الصورة المؤرخة في 19 مارس/آذار 1987، يضرب ريغان على جبينه ردًّا على سؤال أحد الصحفيين خلال مؤتمر صحفي أقر فيه بتورّط إسرائيل في قضية إيران-كونترا (أسوشيتد برس)
الهدوء لا حل المشكلات

يبدأ شلوسنر -الذي عمل كاتبا للخطابات لوزراء الدفاع السابقين ليون بانيتا وتشاك هيغل وآشتون كارتر– من كتب حديثة عن ريغان، من بينها كتابا ماكس بوت وويليام إنبودن، اللذان يقدمان صورتين مختلفتين للرئيس، لكنهما يتفقان على أنه كان شخصية قادرة على تهدئة بلد مرتبك. وبالنسبة إلى شلوسنر، كانت هذه القدرة على بث الطمأنينة جزءا من أسلوب الحكم نفسه. فقد أصبح الهدوء، بدلا من حل المشكلات، وسيلة لإدارة الدولة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ويضع الكاتب هذه الفكرة في سياق أوسع بدأ في سبعينيات القرن الماضي، عندما واجهت الحكومة الأمريكية أسئلة صعبة حول كيفية توسيع الحماية والخدمات الحكومية لتشمل النساء والأقليات والعمال وغيرهم، من دون إجراء تغييرات عميقة في مؤسسات الدولة.

ولم تحسم إدارات جيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريغان هذه المشكلات، بل لجأت بصورة متزايدة إلى الإجراءات والتقارير والتدقيق واللوائح.

شلوسنر:

أصبحت المؤسسات الحكومية تتعلم كيف تلتزم بالقواعد، أكثر مما تتعلم كيف تحكم وتتخذ قرارات صعبة. وبمرور الوقت، أصبحت الثقة في الحكومة أهم من قدرتها الفعلية على حل المشكلات.

وضوح أقل

وبحسب الكاتب، أدى ذلك إلى مشكلة خطيرة: أصبحت الحكومة تهتم بإثبات أنها تعمل بدلا من التأكد من أنها تعمل بالفعل. ومع وصول ريغان إلى الحكم، تصاعد هذا الاتجاه تحت شعار الكفاءة وتقليص البيروقراطية. وجرى إلغاء أو تقليص بعض التقارير والبيانات الحكومية، وتضييق نطاق بعض الإفصاحات أمام الكونغرس، وإغلاق أو إسناد بعض المكاتب والخبرات إلى جهات أخرى. وهكذا أصبحت الحكومة أقل وضوحا أمام المواطنين والكونغرس.

إعلان

ويقول شلوسنر إن النتيجة كانت ما يسميه "الدين الإداري" ، أي تراكم مشكلات وقرارات لم تحل، ثم التعامل معها لاحقا من خلال إجراءات مؤقتة وحلول بيروقراطية. وأصبحت المؤسسات الحكومية تتعلم كيف تلتزم بالقواعد، أكثر مما تتعلم كيف تحكم وتتخذ قرارات صعبة. وبمرور الوقت، أصبحت الثقة في الحكومة أهم من قدرتها الفعلية على حل المشكلات.

الإيدز والأبارتايد كشفا خطورة النهج

ويرى الكاتب أن أزمة الإيدز كشفت الجانب الأخطر من هذا النهج. فقد واجهت الحكومة أزمة صحية ضخمة، لكن المسؤولين والموظفين واجهوا قيودا في نقل المعلومات إلى الكونغرس. واضطر بعض الموظفين إلى تمرير المعلومات بصورة غير رسمية. ويقول شلوسنر إن المشكلة لم تكن مجرد ضعف في التواصل، بل نتيجة لنظام أصبح يخشى المعلومات التي قد تكشف فشله أو تناقض الصورة الهادئة التي يريد تقديمها.

ويضيف أن الأسلوب نفسه ظهر في السياسة الخارجية، خصوصا تجاه نظام الأبارتايد (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا. فقد فضلت إدارة ريغان سياسة "التواصل البناء" والحوار الهادئ بدلا من العقوبات، وأكدت أن الدبلوماسية الصامتة يمكن أن تحقق نتائج أفضل. لكن الكاتب يرى أن هذا الهدوء لم يغير الواقع، وأن الكونغرس اضطر في النهاية إلى تجاوز اعتراض ريغان وفرض عقوبات.

كذلك، يربط المقال بين هذا الأسلوب وفضيحة "إيران-كونترا"، التي كشفت، في رأيه، خطورة وجود إدارة تهتم بالحفاظ على رواية موحدة ومتسقة أكثر من اهتمامها بالشفافية والمساءلة. فحين تصبح حماية صورة الرئيس أهم من اختبار قراراته، يمكن أن تتراكم الأخطاء خلف واجهة من الهدوء والثقة.

ضرورة عكس مسار ريغان

وخلاصة المقال أن إرث ريغان لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرته على استعادة الثقة والهدوء بعد سنوات مضطربة، بل أيضا بما تركه من مؤسسات أقل شفافية وأقل قدرة على رؤية مشكلاتها بوضوح.

ويرى شلوسنر أن الولايات المتحدة تحتاج اليوم إلى عكس هذا المسار: حكومة قادرة على الاعتراف بالمشكلات، وقياسها، واتخاذ قرارات صعبة بشأنها، بدلا من الاكتفاء بطمأنة المواطنين بأن كل شيء على ما يرام.

وبعبارة بسيطة، يقول الكاتب إن ريغان أتقن "إدارة الشعور" أكثر مما أتقن إصلاح الدولة، وإن الهدوء الذي اعتبره كثيرون دليلا على الكفاءة قد يخفي أحيانا ضعفا في القدرة على الحكم والمساءلة.



إقرأ المزيد