الجزيرة.نت - 8/14/2026 8:59:46 PM - GMT (+3 )
اختارت سويسرا الفيلم الوثائقي "من لا يزال حيا" (Who Is Still Alive) للمخرج نيكولا واديموف لتمثيلها في المنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي لعام 2027، بعد مسيرة مهرجانية بدأت في فينيسيا وامتدت إلى القاهرة وتورنتو ولوكارنو وعدد من المهرجانات الدولية.
يتابع الفيلم 9 فلسطينيين غادروا قطاع غزة، ويستعيد من خلال شهاداتهم تجارب النجاة والفقد والنزوح، بعيدا عن الصور الإخبارية المعتادة للحرب.
وأكد المكتب الفدرالي السويسري للثقافة اختيار الفيلم رسميا يوم 13 أغسطس/آب الجاري، موضحا أنه سيدخل المنافسة من أجل الوصول إلى القائمة القصيرة للأفلام الدولية في الدورة الـ99 لجوائز الأوسكار. ولا يعني الاختيار أن الفيلم أصبح مرشحا للأوسكار، بل إنه العمل الذي قدمته سويسرا إلى الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما، ضمن الأفلام التي ترشحها الدول سنويا للتنافس في فئة أفضل فيلم دولي.
غزة بخطوط بيضاء
يبني واديموف فيلمه، الممتد لـ114 دقيقة، داخل أستوديو شبه خالٍ، تغطي أرضيته السوداء خطوط بيضاء ترسم بصورة تقريبية خريطة قطاع غزة ومدنه ومخيماته وأحيائه. ويتحرك المشاركون التسعة داخل هذه الخريطة، ويحدد كل منهم موضع منزله والطرق التي سلكها وأماكن من فقدهم.
ويتحول الرسم البسيط تدريجيا إلى بديل مكاني عن وطن لم يعد بإمكانهم الوصول إليه، وإلى مساحة يستعيدون داخلها تفاصيل حياتهم قبل الحرب وخلالها.
وقارن نقاد المعالجة البصرية بالمسرح التجريدي الذي استخدمه المخرج الدانماركي لارس فون ترير في فيلم "دوغفيل" (Dogville)، حيث حلت الخطوط المرسومة على الأرض محل الجدران والمنازل والشوارع. ولا يعيد الفيلم بناء القصف في مشاهد تمثيلية تقليدية، بل يعتمد أساسا على كلمات المشاركين وحركاتهم وذاكرتهم، إلى جانب عدد محدود من التسجيلات التي التقطوها بهواتفهم.
إعلان
ويستعيد المشاركون حياتهم قبل الحرب، وأعمالهم وعائلاتهم وأصدقاءهم، ثم يروون انتقالهم بين مدن القطاع ومخيماته، وفقدان منازلهم وأقاربهم، وخروجهم في نهاية المطاف إلى المنفى.
ووصف المكتب السويسري الفيلم بأنه عمل عن الفقد والهوية في زمن الحرب، يبتعد عن اختزال غزة في الصور المتكررة في نشرات الأخبار، ويقدمها من خلال تجارب أفراد يحاولون، بسرد حكاياتهم، استعادة صلتهم بذواتهم والتوقف عن العيش كالأشباح.
التصوير في جنوب أفريقياصوّر واديموف الفيلم في جنوب أفريقيا، التي وصفها المكتب الفدرالي السويسري للثقافة بأنها واحدة من الدول القليلة التي تمكن القادمون من قطاع غزة من دخولها دون تأشيرة. وذكرت صحيفة "ذا ناشيونال" أن الإنتاج انتقل إلى هناك بعدما رفضت السلطات السويسرية منح المشاركين تأشيرات دخول.
ويعزز مكان التصوير معنى الاقتلاع الذي يقوم عليه الفيلم، إذ يستعيد الفلسطينيون بيوتهم وأحياءهم داخل أستوديو بعيد جغرافيا عن غزة، ويرسمون المكان المفقود على أرض لا تربطهم بها ذكريات سابقة. وتظهر بين المشاركين غادة العبادلة، التي تستعيد حبها لركوب الدراجة في غزة، والموسيقي فراس الشرافي، الذي يعزف على آلة القانون المقطوعة التي كان يؤديها عندما وقع انفجار قربه، ثم يتوقف عند النغمة نفسها التي انقطع عندها العزف.
ويشارك أيضا الفنان التشكيلي عادل الطويل، المولود في مخيم النصيرات، والذي كان في مصر عند بداية الحرب، لكنه عاد سرا إلى غزة ليبقى مع أسرته، قبل أن يتعرض منزل العائلة للقصف. وتضم قائمة المشاركين، إلى جانب العبادلة والشرافي والطويل، جودت الخضري ومحمود جودة وحنين حرارة وملاك خضرة وهنا عليوة وإيمان شنان.
الاختيار السويسريقالت لجنة الاختيار السويسرية إن الفيلم يمنح 9 أشخاص مساحة لرواية تجاربهم، ويتخذ خيارا سرديا قويا "ينشئ بيتا لمن فقدوا بيوتهم". وأضافت أنه يتناول مشاعر الفقد والنزوح والانتماء، ويوفر مساحة نادرة تتقدم فيها الذاكرة الشخصية على السرد السياسي.
ووصف واديموف تمثيل سويسرا في سباق الأوسكار بأنه شرف ومسؤولية، وقال إن الاختيار يتيح جعل أجساد المشاركين وأصواتهم مرئية ومسموعة، بعدما واجهوا ما وصفه بـ"جحيم غزة" وظلوا أحياء وصامدين. وأضاف أن المشاركة تمنح الفيلم فرصة للدفاع عن قيم الإنسانية والحوار واحترام الآخر، التي يرى أن على سويسرا الاستمرار في تمثيلها.
ثالث أفلام واديموف عن فلسطينيمثل "من لا يزال حيا" الفيلم الثالث في مسيرة واديموف الذي يتناول فلسطين، بعد "عايشين.. ما زلنا أحياء في غزة" (Aisheen: Still Alive in Gaza) عام 2010، و"أبولو غزة" (The Apollo of Gaza) عام 2018.
وُلد المخرج والمنتج السويسري في جنيف عام 1964، ودرس السينما في جامعة كيبيك بمونتريال، قبل أن يؤسس شركة "أكا فيلمز" (Akka Films) عام 2003. ورصد في "عايشين" الحياة داخل قطاع غزة عقب الحرب الإسرائيلية التي انتهت مطلع عام 2009، مركّزا على محاولات السكان استعادة حياتهم وسط الدمار.
أما "أبولو غزة"، فتتبع قصة تمثال برونزي للإله اليوناني أبولو، قيل إنه عُثر عليه قبالة شاطئ غزة عام 2013 ثم اختفى. واستخدم المخرج لغز التمثال للتأمل في تاريخ القطاع وحق الفلسطينيين في رواية ماضيهم وحماية تراثهم.
إعلان
ويواصل الفيلم الجديد اهتمامه نفسه بغزة، لكنه يتخلى هذه المرة عن التحقيق التاريخي والصور الميدانية الواسعة، ويجعل الشهادة الشفوية والمساحة الفارغة أساسا لبنائه السينمائي.
من فينيسيا إلى لوكارنوشهد "من لا يزال حيا" عرضه العالمي الأول في سبتمبر/أيلول 2025 ضمن برنامج "أيام المؤلفين" في مهرجان فينيسيا السينمائي، وفاز هناك بجائزة "السينما والفنون". وقالت لجنة الجائزة إن الفيلم يمثل فعلا اجتماعيا وسياسيا مباشرا لا ينزلق إلى الخطابة أو الابتزاز العاطفي، ويضع حياة الأفراد وهوياتهم وعلاقاتهم اليومية في مواجهة الأرقام المجردة.
وفاز الفيلم مطلع 2026 بجائزة سولوتورن في مهرجان سولوتورن السينمائي، كما رُشح لجائزة أفضل فيلم وثائقي ضمن جوائز السينما السويسرية.
وشارك بعد ذلك في مهرجانات إسطنبول وتسالونيكي وأغادير وغابِس ولا روشيل وديربان وعمان، ومهرجان "هوت دوكس" للأفلام الوثائقية في تورنتو.
وعُرض الفيلم في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ضمن العروض الخاصة للدورة الـ46 من مهرجان القاهرة السينمائي، قبل مشاركته خلال أغسطس/آب الجاري في قسم "بانوراما سويسرا" بمهرجان لوكارنو.
حضور فلسطيني في سباق الأوسكارارتبطت شركة "ووترميلون بيكتشرز" (Watermelon Pictures) خلال موسم الأوسكار السابق بعدد من الأفلام العربية والفلسطينية، إذ تولت توزيع "فلسطين 36″ للمخرجة آن ماري جاسر، و"كل ما تبقى منك" للمخرجة شيرين دعيبس. ووصل الفيلمان إلى القائمة القصيرة للدورة الـ98؛ مثّل الأول فلسطين، بينما مثّل الثاني الأردن.
ووصل الفيلم التونسي "صوت هند رجب" للمخرجة كوثر بن هنية إلى القائمة نفسها، قبل أن يحصل على ترشيح لجائزة أفضل فيلم دولي. ولا تمنع القواعد اختيار فيلم وثائقي للمنافسة في فئة الفيلم الدولي، كما يمكن للفيلم الوثائقي المقدم في هذه الفئة أن ينافس أيضا في فئة أفضل فيلم وثائقي طويل إذا استوفى شروطها المستقلة، وفق قواعد الدورة الـ99.
لكن الأفلام الوثائقية نادرا ما تصل إلى الترشيحات النهائية في فئة الفيلم الدولي، بسبب المنافسة الواسعة مع الأفلام الروائية التي تقدمها عشرات الدول. وسبق أن حقق فيلم "أرض العسل" (Honeyland) من مقدونيا الشمالية سابقة بارزة عندما ترشح عام 2020 لجائزتي أفضل فيلم وثائقي وأفضل فيلم دولي.
وحصل الفيلم الدانماركي "فلي" (Flee) في دورة 2022 على 3 ترشيحات، هي أفضل فيلم وثائقي وأفضل فيلم متحرك وأفضل فيلم دولي، ليصبح أحد أبرز الأمثلة على انتقال فيلم واحد بين أكثر من فئة.
الطريق إلى الترشيحتعلن الأكاديمية القائمة القصيرة المكونة من 15 فيلما في فئة أفضل فيلم دولي يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2026، عقب الجولة الأولية من التصويت. وتكشف الأكاديمية أسماء الأفلام الخمسة المرشحة للجائزة في 21 يناير/كانون الثاني 2027، بينما يقام حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ99 في لوس أنجلوس يوم 14 مارس/آذار 2027، وفق الجدول الرسمي للأكاديمية.
وينافس "من لا يزال حيا" في المرحلة الأولى أفلاما تختارها دول أخرى خلال الأسابيع المقبلة. ولا يضمن تمثيل سويسرا الوصول إلى القائمة القصيرة، لكنه يمنح الفيلم دفعة جديدة بعد مسيرة مهرجانية امتدت قرابة عام.
ويأتي اختياره بعد موسم شهد حضورا بارزا لأفلام تناولت فلسطين في سباق الأوسكار، إذ وصلت أفلام "فلسطين 36″ و"كل ما تبقى منك" و"صوت هند رجب" إلى القائمة القصيرة للدورة السابقة، قبل حصول الأخير على ترشيح نهائي. ولا يقوم رهان الفيلم على إعادة عرض صور الدمار المتداولة في التغطية اليومية، بل على استعادة الأفراد الذين عاشوا خلفها، من أسمائهم ومهنهم وبيوتهم وذكرياتهم، وما بقي من حياتهم بعد فقدان المكان.
إعلان
إقرأ المزيد


