الجزيرة.نت - 8/14/2026 8:03:25 PM - GMT (+3 )
Published On 14/8/2026
|آخر تحديث: 19:57 (توقيت مكة)
بعد أن دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، تحولت البلاد إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فيما برز الذهب بوصفه أحد أهم الموارد التي تغذي اقتصاد الحرب، بعدما كان ينظر إليه في السابق كبديل اقتصادي يعوض البلاد عن خسارة معظم عائداتها النفطية.
فكيف تحول الذهب من مورد كان يفترض أن ينقذ الاقتصاد السوداني إلى وقود للصراع؟
يشير تقرير الجزيرة الذي أعده عبد الله سكر إلى أن التحول الكبير بدأ عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، حين فقدت الخرطوم ثلاثة أرباع إيراداتها النفطية، لتتجه بقوة نحو قطاع تعدين الذهب في محاولة لسد العجز الاقتصادي. وبحلول عام 2018، بلغ عدد المنخرطين في أنشطة تعدين الذهب نحو 13% من تعداد السكان آنذاك، في مؤشر على اتساع القطاع وتحوله إلى مورد اقتصادي رئيسي.
لكن الذهب لم يبق بعيدا عن شبكة السلطة والنفوذ خلال عهد الرئيس المعزول عمر البشير، إذ مُنحت امتيازات اقتصادية وشركات وأصول لشخصيات ومؤسسات مرتبطة بالنظام والأجهزة الأمنية والعسكرية، بما ساعد على بناء شبكة من الولاءات وحماية السلطة.
ومنذ عام 2005، فرضت قوات الدعم السريع نفوذها على مناطق غنية بالمعادن، خصوصا في دارفور، ومن أبرزها جبل عامر شمالي الإقليم، قبل أن تمتد أنشطتها إلى مناطق أخرى في جنوب دارفور وجنوب كردفان، بالتزامن مع حصول أجهزة أمنية وعسكرية أخرى على امتيازات وشركات تعمل في التعدين وتجارة الذهب.
ولم يقتصر النفوذ العسكري على استخراج الذهب، بل امتد إلى تجارته. ففي عام 2016، أنشئت شركة "السبائك" التابعة لجهاز الأمن السوداني، وكلفت بشراء الذهب نيابة عن الدولة بتمويل من البنك المركزي.
سيطرة الدعم السريعومنذ عام 2019، أصبحت شركة "الجنيد"، التابعة لقوات الدعم السريع، أحد المصدرين الرئيسيين للذهب في السودان، لترتبط الثروة المعدنية بصورة أكبر بالبنية الاقتصادية والعسكرية للقوى المتنافسة.
إعلان
ويختصر مركز الأبحاث البريطاني "تشاتام هاوس" أهمية الذهب في الحرب السودانية بالقول إن الذهب يمثل المصدر الرئيسي للدخل لكلا الطرفين المتحاربين، وإن عائداته تستخدم في شراء الأسلحة والسلع وتمويل الاحتياجات التي تبقي المجهود الحربي للقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحلفائهما مستمرا.
ومع اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، أصبح الصراع على مناطق التعدين جزءا من الصراع على الأرض والنفوذ، بحيث باتت خريطة الذهب مرتبطة إلى حد بعيد بخريطة السيطرة العسكرية.
ولم تقتصر نتائج ذلك على زيادة الموارد المتاحة للقتال، بل أسهمت عائدات الذهب في تغيير طبيعة الحرب نفسها. فبعدما ارتبطت صراعات سودانية سابقة بصورة سيارات الدفع الرباعي المسلحة بالرشاشات، أصبحت الحرب الحالية أكثر تطورا في وسائلها وقدراتها العسكرية، مع حضور متزايد للمسيّرات الصينية والإيرانية والمسيّرات المتفجرة بعيدة المدى التي يتجاوز مداها ألفي كيلومتر، ما جعل معظم الأراضي السودانية في مرمى الضربات.
وبحسب منصة "أكليد" المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة، تجاوز عدد المدنيين الذين قتلوا في هجمات بالمسيّرات خلال النصف الأول من عام 2026، حوالي 2500 قتيل.
وهكذا، انقلبت معادلة الذهب في السودان؛ فالمورد الذي كان يعول عليه لتعويض فقدان النفط وإنقاذ الاقتصاد، تحول إلى مصدر يمول السلاح ويطيل أمد الحرب، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من عائدات ثروة كان يفترض أن تكون رافعة للتنمية والاستقرار، فإذا بها تصبح وقودا لصراع مفتوح.
إقرأ المزيد


