قلاع جبل عامل.. حين يطارد الخطر ألف عام من تاريخ الجنوب اللبناني
الجزيرة.نت -

Published On 14/8/2026

من فوق التلال التي طالما راقبت سهول الجنوب ووديانه، لا تزال قلاع جبل عامل تقف شاهدة على قرون طويلة من التاريخ. حجارة صمدت أمام الغزوات المتعاقبة ودول وإمبراطوريات مرت من هنا، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ وجودي مختلف؛ حرب تركت آثارها العميقة على أسوارها، واحتلال يحول دون الوصول إلى بعضها، وإهمال يهدد ما نجا منها.

وفي محاولة لحماية هذا الإرث الحضاري، أُدرجت قلاع جبل عامل على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). وتأتي هذه الخطوة لتعكس حجم المخاطر الداهمة التي تواجهها القلاع، وتسلط الضوء على الحاجة الملحة لإنقاذها بعدما تحولت بعض أجزائها ومحيطها إلى ساحات مواجهة مباشرة خلال الحرب.

قلعة الشقيف تميزت بموقعها الحصين المطل على نهر الليطاني وسهول الجنوب (الجزيرة)

ولا يقف هذا الإدراج عند حدود التوصيف النظري لحجم التهديد، بل يمنح هذه المواقع أولوية ضمن برامج الحماية التي تشرف عليها اليونسكو؛ مما يتيح حشد الخبرات الفنية والدعم الدولي لإعداد خطط عاجلة للترميم، إلى جانب تعزيز الرقابة الدولية ومواكبة جهود وزارة الثقافة اللبنانية لصون قيمتها التاريخية والإنسانية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وفي الوقت الذي تقف فيه المؤسسات الدولية عمليا عاجزة أمام آلة التدمير الإسرائيلية، تدرك الذاكرة العاملية أن حماية هذا الإرث لا تتم بقرارات أممية فقط، بل بصمود الإنسان الذي يحرس تاريخه، في مواجهة محتل يسعى لمحو الذاكرة العربية والإسلامية وإحلال سرديته المزيفة مكانها.

الخمس الكبار.. حراس الذاكرة التاريخية

تضم شبكة قلاع جبل عامل 5 قلاع رئيسية كانت عبر العصور مراكز عسكرية وإدارية حاكمة، وارتبطت بتاريخ المنطقة منذ الحقبة الصليبية وما قبلها، لتصبح جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية لسكان الجنوب وهويتهم الثقافية:

  • قلعة تبنين (طورون): شُيدت عام 1116 في موقع إستراتيجي يتحكم بالطرق الواصلة بين الساحل والداخل اللبناني.
  • قلعة الشقيف (بوفور): تتميز بموقعها الحصين المطل على نهر الليطاني وسهول الجنوب، وانتقلت السيطرة عليها تاريخيا بين الصليبيين والأيوبيين والمماليك.
  • قلعة شمع: نقطة دفاعية ساحلية ربطت بين المناطق الداخلية والمدن البحرية.
  • قلعة الدوبية (شقرا) وقلعة دير كيفا (مارون): حافظتا على دورهما التاريخي ضمن شبكة القلاع المخصصة لحماية الطرق والمواقع الحيوية عبر القرون.
قلاع جبل عامل.. سجل مفتوح لحضارات تعاقبت على الجنوب اللبناني (الجزيرة)

ولا تنحصر أهمية هذه القلاع في وظيفتها العسكرية التاريخية فحسب، بل هي سجل مفتوح للحضارات التي تعاقبت على أرض الجنوب اللبناني لأكثر من ألف عام، بدءا من الفينيقيين والرومان والبيزنطيين، وصولا إلى الحقبة الصليبية والإسلامية.

إعلان

هذه الحصون لم تكن مجرد حجارة صماء، بل كانت نقاط "دفاع" متقدمة، ومسرحا تكسّرت عليه أوهام الغزاة عبر ألف عام. واليوم، تعيد عجلة التاريخ دورتها، لتقف نفس القلاع في وجه غازٍ جديد.

قلعة تبنين شيدت عام 1116 وكانت من أبرز المراكز العسكرية التي تحكمت بالطرق الواصلة بين الساحل والداخل (الجزيرة)
واقع القلاع بعد الحرب.. بين التدمير والاحتلال

غير أن المشهد اليوم يختلف جذريا عما كانت عليه هذه المعالم عبر تاريخها الطويل:

  • تبنين: تظهر آثار الحرب بوضوح في أجزاء واسعة من البلدة المحيطة بالقلعة، ولا سيما في أطرافها الجنوبية والشرقية.
  • الشقيف والدوبية: تقعان ضمن المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي؛ حيث ألحقت التفجيرات القريبة من قلعة الشقيف أضرارا بأساساتها، فيما دخل الجيش الإسرائيلي إلى قلعة الدوبية في شقرا ورفع علمه فوقها.
  • شمع: تعرضت لتدمير واسع النطاق لم يبقِ من معالمها العمرانية الأثرية سوى القليل.
  • دير كيفا: هي القلعة الوحيدة الخارجة عن نطاق الاحتلال المباشر، لكنها لم تسلم من الغارات الجوية المتكررة والإهمال المتراكم.
    دمار واسع جراء الغارات الإسرائيلية في محيط قلعة تبنين (الجزيرة)
علي مزرعاني: القلاع ليست حجارة بل ذاكرة جمعية

في حديثه للجزيرة، يؤكد الباحث والمؤرخ في تاريخ جبل عامل، علي مزرعاني، أن قلاع الجنوب ليست مجرد معالم أثرية صامتة، بل هي جزء حسي من الذاكرة الجمعية لأبناء المنطقة، ارتبطت بحياتهم اليومية وتنقلاتهم وعلاقتهم بالأرض عبر القرون.

"العلاقة بين الأهالي وهذه القلاع تتجاوز قيمتها المعمارية؛ إذ تشكل جزءا أصيلا من هوية جبل عامل وجنوب لبنان. لذلك يحرص السكان على حمايتها والدفاع عنها باعتبارها إرثا تاريخيا وثقافيا يجسد انتماءهم للمكان"
علي مزرعاني (باحث ومؤرخ في تاريخ جبل عامل)

ويرى مزرعاني أن الدعم الدولي الملموس لا يزال حتى الآن محصورا في نطاق المواقف والبيانات الإنشائية دون أن يترجم إلى حماية ميدانية فعلية على الأرض. ويشير إلى أن المواقع الأثرية تعرضت لأضرار مباشرة رغم كل النداءات التي طالبت بتحييد التراث الحضاري عن الصراع، مؤكدا أن الحفاظ على هذه المواقع هو مسؤولية وطنية تتجاوز صيانة الأبنية الحجرية إلى صون الذاكرة الوطنية.

الغارات الإسرائيلية طالت قلعة تبنين (الجزيرة)
معركة بقاء جديدة

يُشكل إدراج قلاع جبل عامل على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر نافذة أمل لمرحلة جديدة من الدعم والتمويل وإيفاد الخبراء الدوليين لإعداد خطط صيانة وترميم عاجلة. إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يبقى مرهونا بقدرة وزارة الثقافة والحكومة اللبنانيتين على حشد الدعم المالي والتنفيذي.

ويبقى التحدي الأكبر ممثلاً في استمرار الاحتلال والاعتداءات المباشرة التي تحول دون الوصول إلى قلعتي الشقيف والدوبية، مما يجعل الرهان الحقيقي قائما على تحويل الاعتراف الدولي الصادر عن اليونسكو إلى إجراءات عملانية لحماية ما تبقى.

آثار التفجيرات الإسرائيلية في محيط قلعة الشقيف (الجزيرة)

في جبل عامل، القلاع لا تبكي مجدها الغابر، بل تقرأ في تعاقب الغزاة عليها دورة التاريخ وتؤكد أن من صمد ألف عام أمام صروف الزمان، لن يمحوه طارئ على الجغرافيا والتاريخ.

إعلان



إقرأ المزيد