ما الذي تغيّر في عمل المخابرات الألمانية؟ 5 أسئلة عن الإصلاح الجديد
الجزيرة.نت -

يتفق المراقبون في العاصمة الألمانية على أن الإصلاح الجديد لأجهزة الاستخبارات الألمانية يأتي استجابة للتحولات العميقة التي طرأت على البيئة الأمنية في ألمانيا وأوروبا، ولا سيما في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من تصاعد في أنشطة التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية، وغيرها من أشكال الحرب الهجينة التي تنسب ألمانيا جانبا منها إلى روسيا.

وفي هذا السياق، جاءت حادثة المسيّرة المحملة بالمتفجرات التي شهدها مطار لايبزيغ قبل أكثر من أسبوع لتشكل القشة التي قصمت ظهر البعير، وتعزز قناعة حكومة برلين بضرورة منح أجهزة الاستخبارات قدرات أوسع للتعامل مع التهديدات الجديدة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ولكن فكرة الإصلاح ليست وليدة حادثة مطار لايبزيغ الأخيرة، بل تعود إلى اتفاق الائتلاف الحكومي بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي أثناء تشكيل الحكومة في عام 2025، الذي نص على ضرورة إجراء إصلاح شامل لقانون أجهزة الاستخبارات الاتحادية بهدف تعزيز القدرات العملياتية للأجهزة، وتحسين تبادل المعلومات بينها من جهة وبين السلطات الأخرى من جهة أخرى.

ولكن ما أهداف الحكومة من خلال هذا الإصلاح وما الصلاحيات الجديدة التي يمنحها لأجهزة المخابرات؟ وهل سيتمكن جهاز الاستخبارات الخارجية من ممارسة أنشطته في الخارج؟ وما أبرز الانتقادات الموجهة لمشروع القانون الجديد؟

وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرنت خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي في برلين (الأوروبية)

1- ما أهداف الحكومة من هذه الخطوة؟

لخّص وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرنت أهداف الحكومة الألمانية من هذه الخطوة -في مقابلة حصرية مع صحيفة "بيلد"- بقوله إن إصلاح قانون أجهزة الاستخبارات يهدف إلى إحداث تحول جوهري في طريقة عمل جهاز حماية الدستور (المخابرات الداخلية) وجهاز الاستخبارات الخارجية (بي إن دي) بحيث لا تقتصر مهمتهما على جمع المعلومات وتحليلها، بل جعلهما يمتلكان أيضا قدرات عملياتية للتدخل في مواجهة التهديدات.

إعلان

وأضاف أن هدف الحكومة هو جعل أجهزة الاستخبارات أكثر قدرة على التعامل مع ما تصفه برلين بـ"التهديدات الهجينة" مثل التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والإرهاب والتدخلات من جانب دول أجنبية، ولا سيما في ظل تزايد المخاطر الأمنية المرتبطة بروسيا.

كما تريد الحكومة -وفق تصريحات وزير الداخليةـ رفع قدرات أجهزة الاستخبارات إلى مستوى نظيراتها في الدول الحليفة لأن حكومة برلين تعتبر أن القيود المفروضة على عمل المخابرات أكثر صرامة مقارنة بدول أخرى.

من هنا يمكن القول إن الحكومة الألمانية تسعى إلى الانتقال من سياسة "المراقبة وجمع المعلومات" إلى "المراقبة مع القدرة على التدخل"، بحيث تستطيع أجهزة الاستخبارات ليس فقط اكتشاف التهديد وإنما أيضا محاولة تعطيله ومنعه قبل أن يتحول إلى هجوم فعلي.

2- ما الصلاحيات الجديدة التي ستحصل عليها أجهزة الاستخبارات؟

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الجديد لجهاز الاستخبارات الاتحادية الألمانية مارتن ييغر (أسوشيتد برس)

يتضمن مشروع القانون 139 مادة بعدما كان جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني يعمل وفق 69 مادة فقط، ويتضمن مجموعة كبيرة من الصلاحيات والقواعد الجديدة التي من المتوقع أن تثير نقاشا سياسيا واسعا.

حتى الآن، اقتصرت مهمة جهاز الاستخبارات الخارجية بصورة أساسية على جمع المعلومات وتحليلها، لكن هذا الأمر سيتغير. فوفقا للإصلاح الجديد، سيُسمح لعناصر الجهاز في المستقبل بالقيام بعمليات نشطة لحماية البلاد من التهديدات الخارجية، مثل تنفيذ أعمال تخريب لإضعاف قدرات الجهات المعادية أو تنفيذ عمليات إلكترونية لتعطيل أنظمة الأسلحة.

كما تسعى الحكومة إلى منح الأجهزة صلاحيات أكثر فعالية في إطار الدفاع عن ألمانيا وحلفائها، ويستخدم مشروع القانون تعبير "إجراءات عملياتية لاحقة" في إشارة إلى إجراءات تهدف تحديدا إلى إضعاف القدرات الهجومية للخصم. وبموجب الإصلاح، يمكن أن تشمل هذه الإجراءات عمليات تخريب سرية في الخارج إذا اعتُبر ذلك ضروريا لمواجهة تهديد صادر عن قوات معادية أو عن أعمال تقوم بها دولة أخرى ضد ألمانيا.

ولكن هذه الصلاحيات لن تكون متاحة في جميع الظروف، بل فقط في حال أعلن مجلس الأمن الاتحادي القومي وجود وضع أمني استثنائي يتمثل في تهديد منهجي لأمن البلاد.

3- هل سيتمكن جهاز الاستخبارات الخارجية (بي إن دي) من استخدام القوة ضد أشخاص في الخارج؟

من حيث المبدأ، لا، وفق مشروع القرار، فحتى في حالات اكتشاف تهديد لا يجوز للتدابير الجديدة استهداف حياة الأشخاص أو سلامتهم الجسدية بصورة مباشرة، وبذلك ستظل صلاحيات جهاز الاستخبارات الخارجية في هذا المجال أقل من صلاحيات أجهزة دول أخرى مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أو جهاز الأمن الخارجي الفرنسي.

مقر الشعبة الخارجية للمخابرات الألمانية في برلين (الفرنسية)

لكن الإصلاح ينص على أن موظفي جهاز الاستخبارات الألماني مثل أفراد الجيش والشرطة الاتحادية لن يحتاجوا في المستقبل إلى تصريح خاص لحمل الأسلحة معهم أثناء وجودهم في الخارج، وسيجري تعديل قانون مراقبة حيازة الأسلحة لهذا الغرض، إلا أن الهدف الأساسي من ذلك هو حماية الموظفين أنفسهم.

إعلان

4- ماذا عن مجال جمع البيانات؟

ينص الإصلاح على توسيع صلاحيات جهاز الاستخبارات الخارجية وجهاز حماية الدستور (المخابرات الداخلية) في مجال جمع البيانات وتحليلها، ويشمل ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات ضخمة من البيانات، إضافة إلى مقارنة البيانات البيومترية الموجودة لدى الأجهزة إضافة إلى المعلومات المتاحة في الإنترنت، وذلك بهدف التعرف على الأشخاص والروابط المحتملة بين هؤلاء الأشخاص بصورة أسرع وأوسع.

كما يسمح القانون الجديد في بعض الحالات بتمديد المدة التي يمكن خلالها الاحتفاظ بالبيانات، ويتناول المشروع قوانين مثيرة للجدل مثل التفتيش السري للأجهزة الإلكترونية ومراقبة أماكن سكن الأشخاص المطلوبين وإنشاء ملفات تتبُّع لتحركات هؤلاء الأشخاص.

5- لماذا تنتقد مفوضة حماية البيانات وجهات أخرى مشروع القانون الجديد؟

تنتقد المفوضة الاتحادية لحماية البيانات الإصلاح لأنها ترى أنه يسحب منها صلاحيات الرقابة المتعلقة بحماية البيانات، وترى المفوضية أن الأشخاص الذين يتم جمع بياناتهم لن يتمكنوا إلا بصورة محدودة جدا من معرفة كيفية معالجة أجهزة الاستخبارات لهذه البيانات.

كما تنتقد السماح لمكتب حماية الدستور وجهاز الاستخبارات الخارجية في المستقبل بالوصول إلى أنظمة كاميرات المراقبة الموجودة في الأماكن العامة، وترى كذلك أن الاحتفاظ بالبيانات الشخصية إلى أجل غير محدد يتعارض مع الدستور.

ويلقى المشروع أيضا انتقادات من بعض أحزاب المعارضة، فحزب الخضر مثلا يرى أن إصلاح أجهزة الاستخبارات ضروري بصورة عاجلة، ويؤيد ضرورة منح جهاز الاستخبارات الخارجية صلاحيات أكثر قوة، لكنه يرى أن خطط الحكومة تتجاوز الهدف المطلوب.

الرئيس الجديد لجهاز الاستخبارات الاتحادية الألمانية مارتن ييغر خلال مراسم تسلّم مهامه في برلين (الفرنسية)

وينتقد الحزب تحديدا الصلاحيات الجديدة الممنوحة لمكتب حماية الدستور (المخابرات الداخلية) معتبرا أنها قد تتعارض مع مبدأ الفصل بين صلاحيات أجهزة الاستخبارات وصلاحيات الشرطة، أما جمعية الحقوق والحريات (غي إف إف) فتحذر من أن تؤدي الصلاحيات الجديدة إلى زيادة هائلة في قوة أجهزة الاستخبارات على حساب جهات أخرى ولا سيما أجهزة الشرطة.

وترى الجمعية أن جهاز الاستخبارات الخارجية ومكتب حماية الدستور سيحصلان على صلاحيات واسعة لاستخدام برامج التجسس على الأجهزة وتحليل البيانات بالذكاء الاصطناعي والوصول إلى كاميرات المراقبة الخاصة.



إقرأ المزيد