شبكات ساسون وإبشتاين.. القصة الكاملة للمحاولات الصهيونية الأولى لابتلاع لبنان
الجزيرة.نت -

كانت مادة التاريخ، ولا تزال، من أكثر المواد إثارة للجدل في لبنان. ففي بلد تتعدد فيه الطوائف وتتباين السرديات، أخفقت محاولات صياغة رواية وطنية موحدة تستوعب مختلف مكوناته، لا سيما في المراحل الأكثر حساسية من تاريخه. ومع ذلك، تبقى هناك محطات مفصلية قليلة تحظى بإجماع نسبي بين معظم اللبنانيين.

يعد الميثاق الوطني لعام 1943 من أبرز هذه المحطات الجامعة التي لا يكاد طالب لبناني يغادر المدرسة إلا وقد تشبع بروايتها. فهي اللحظة التي أُعلن فيها، عمليا، ميلاد لبنان الحديث، عندما أقر رئيس الحكومة رياض الصلح، بوصفه أعلى ممثل للمسلمين في الدولة آنذاك، اعترافه النهائي بالكيان اللبناني المستقل، في مقابل إقرار رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ممثل رأس الهرم السياسي المسيحي، بعروبة لبنان وتراجعه عن خيار طلب الحماية الأجنبية. وبهذه التسوية وُضِعَت اللبِنة التي شكلت نقطة الالتقاء التي يعود إليها اللبنانيون طيلة عقود كلما سعوا إلى الخروج من صراعاتهم نحو أفق العيش المشترك.

"أسدل الميثاق الوطني الستار على رهان قام على إمكانية فصل لبنان عن محيطه العربي، وتحويله إلى حليف طبيعي للمشروع الصهيوني"

هذا هو الوجه الأشهر للميثاق الوطني، غير أن ثمة وجها آخر أقل حضورا في الذاكرة اللبنانية. فقد أسدل الميثاق الستار على رهان صهيوني استمر عقودا، وقام على إمكانية فصل لبنان، أو جزء من مكوناته، عن محيطه العربي، وتحويله إلى حليف طبيعي للمشروع الصهيوني الذي كان يتشكل في فلسطين آنذاك، ليكون اختراقا إستراتيجيا يفتح الباب أمام اختراقات أكبر في المنطقة.

رياض الصلح (يمين) وبشارة الخوري (وسط)، قطبا الميثاق الوطني عام 1943، الذي قام على التوفيق بين استقلال لبنان وانتمائه العربي (موقع القوات اللبنانية الرسمي)
مطامع في الجنوب اللبناني

بدأ التماس بين لبنان والمشروع الصهيوني بالتوازي مع انطلاق هذا المشروع في فلسطين. فكما انصبت أطماع الحركة الصهيونية على فلسطين، امتدت أنظارها أيضا إلى جنوب لبنان، بما يمثله من أهمية جغرافية ومائية، وبحكم اتصاله المباشر بمنطقة الجليل.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

إعلان

ومن منظور الحركة الصهيونية، لم تكن حدود "أرض إسرائيل" محددة بصورة نهائية، كما أن الحدود الدولية الفاصلة بين لبنان وفلسطين لم تكن قد رُسمت بعد في مطلع القرن العشرين. ولذلك نظر بعض الجغرافيين والباحثين، مثل مايكل فرويند، إلى أجزاء من جنوب لبنان بوصفها امتدادا للمجال التاريخي اليهودي، مستندين إلى تفسيرات مزعومة تربط أراضي سبط "آشر"، أحد أسباط بني إسرائيل، بالساحل الممتد شمالا حتى صيدا ونهر الليطاني، وإلى وجود جماعة يهودية قديمة في المدينة.

"برز البعد الاقتصادي بوصفه أحد دوافع الاهتمام الصهيوني بجنوب لبنان"

وعزز هذا التصور ارتباط يهود صيدا بالمؤسسات اليهودية في فلسطين؛ إذ كانوا يتلقون منها الدعم، وشاركوا في انتخابات أول جمعية يهودية منتخبة في "أرض إسرائيل"، كما شهدت مؤسساتهم نقاشات حول مستقبل الطائفة بين البقاء في صيدا أو الهجرة إلى فلسطين.

وإلى جانب الخلفية "التوراتية"، برز البعد الاقتصادي بوصفه أحد دوافع الاهتمام الصهيوني بجنوب لبنان. ففي عام 1907 زار حاييم وايزمان لبنان، وأبدى اهتماما خاصا بصيدا وساحلها وما يمتلكانه من إمكانات زراعية وصناعية، ما جعله ينظر إلى المنطقة على أنها مجال واعد للاستثمار والاستيطان. وعقب الزيارة اقترح وايزمان إنشاء مشروعات يهودية في مجالات إنتاج الزيت والصابون ومعالجة المنتجات الزراعية. وفي ذات الاتجاه، سعت جماعة "أحباء صهيون" إلى الاستثمار في محيط صيدا وشراء المزارع فيها، ووصفت المنطقة بأنها جوهرة ثمينة.

حاييم وايزمان زار لبنان وأبدى اهتماما خاصا بصيدا (غيتي)

في المخيال الصهيوني آنذاك، بدا جنوب لبنان منطقة شديدة الجاذبية؛ فهو يمتلك أراضي زراعية خصبة، وموارد مائية وفيرة، كما كان يُنظر إليه باعتباره قليل الكثافة السكانية وغير مستثمر فيه بالقدر الكافي، بما يجعله امتدادا لمنطقة الجليل ومصدرا لمياهها ومقومات ازدهارها. وشملت هذه الرؤية أيضا البعد الأمني، فقد طُرحت فكرة اعتماد نهر الليطاني حدا طبيعيا يوفر الحماية للكيان الصهيوني الناشئ من الجهة الشمالية، ويمنحه عمقا دفاعيا وطابعا جغرافيا أكثر رسوخا.

في تلك المرحلة، انطلقت الحركة الصهيونية من حسابات براغماتية جلية، ركزت على إعطاء الأولوية لتعزيز وجودها في قلب فلسطين، مع مراعاة محدودية الموارد المتاحة وكيفية توظيفها. ولذلك، رغم الاهتمام الذي أولته لجنوب لبنان، بقي هذا الاهتمام أقرب إلى علاقة المركز بالأطراف؛ هدفا مرغوبا، لكنه لم يتقدم على أولوية تثبيت المشروع الصهيوني داخل فلسطين نفسها.

وقد اصطدمت الحركة الصهيونية في نهاية المطاف بالتوازنات الدولية التي كرست تبعية المنطقة، بما فيها جبل عامل، للدولة اللبنانية الناشئة. فقد فرض الصراع الفرنسي-البريطاني على وراثة تركة السلطنة العثمانية معادلاته على ترسيم الحدود، إذ تمسَّكت فرنسا بالجنوب ونهر الليطاني باعتبارهما جزءا من مشروع "لبنان الكبير" الذي عملت على إنشائه ضمن دائرة نفوذها. ومن منظورها، كان اقتطاع الجنوب وإلحاقه بفلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني يعني إضعاف لبنان اقتصاديا وجغرافيا، وتقليص النفوذ الفرنسي في المشرق لمصلحة منافستها بريطانيا.

إعلان

في المقابل، حظيت المطالب الصهيونية بتأييدٍ نسبي داخل الأوساط البريطانية، لا سيما من رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج، غير أن هذا التأييد لم يبلغ حدَّ الاستعداد للدخول في مواجهة مع فرنسا من أجلها. ولذلك خضعت الحدود لسلسلة من المساومات والتسويات بين الدولتين، قبل أن تُحسَم تدريجيا عبر الاتفاقيات الثنائية ولجان الترسيم المشتركة.

ديفيد لويد جورج (يسار) مع زعماء القوى الأربع في مؤتمر باريس للسلام عام 1919، في سياق المساومات الدولية التي أعادت رسم حدود الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية (الفرنسية)
لبنان: "الاستثناء العربي" في المخيلة الصهيونية

بعد تعثر محاولات ضم الجنوب اللبناني، انتقل التركيز الصهيوني إلى بناء نفوذ سياسي داخل البلاد، انطلاقا من قناعة بأنه يمثل حالة مختلفة عن بقية البلدان العربية. فقد رأت الحركة الصهيونية أن تركيبة لبنان الدينية والسياسية تتيح فرصا يصعب توافرها في سائر العالم العربي. ومن هذا المنطلق، قررت الصهيونية خوض رهاناتها في لبنان، على أساس أن النجاح فيها قد يفتح بوابة لتوسيع النفوذ.

رأى صانع القرار الصهيوني في الموارنة جماعة مسيحية قوية ومنظمة، تمتلك نفوذا سياسيا واقتصاديا، وترتبط بعلاقات وثيقة مع فرنسا والدوائر الغربية، أكثر من ارتباطها الأيديولوجي بعمقها العربي. كما لاحظ أن جزءا من النخب المارونية يتوجس من الذوبان في دولة سورية أكبر، أو من تراجع موقعه السياسي مع تنامي الثقل الديموغرافي للمسلمين. وقد اعتبر الصهاينة هذه الهواجس نقطة التقاء مع مشروعهم؛ إذ كانوا بدورهم يخشون اندماج فلسطين في كيان عربي كبير يحول دون قيام الدولة اليهودية التي سعت إليها الحركة الصهيونية.

"بحث الصهاينة في لبنان عن حليف عربي يمنح مشروعهم شرعية وعمقا سياسيا"

حاولت الحركة الصهيونية بمؤسساتها الدفع باتجاه معادلة "تحالف أقليات" في وجه أكثرية عريضة في المنطقة، يقوم على تبادل المخاوف والمصالح لإيجاد حليف عربي يمنح المشروع الصهيوني شرعية وعمقا سياسيا، في مقابل حصول بعض القوى اللبنانية المتحالفة مع إسرائيل على دعم مالي وسياسي ودولي يعزز نفوذها الداخلي. إلا أن هذا الرهان لم يتحقق بالصورة التي طمحت إليها الحركة الصهيونية.

وقد تباينت الرؤى داخل الأوساط الصهيونية بشأن كيفية التعامل مع الواقع اللبناني. فقد رأى اتجاه أول أن قبول اللبنانيين بالتعدد الطائفي داخل دولة واحدة قد يجعلهم أكثر استعدادا للاعتراف باليهود بوصفهم جماعة قومية مستقلة. وعلى النقيض، اعتبر اتجاه ثانٍ أن هذه التعددية تمثل فرصة لتعميق الانقسامات الطائفية، ودفع بعض القوى اللبنانية إلى البحث عن حليف خارجي، بما يرسخ منطق التجزئة والتشتت في المنطقة.

أما الاتجاه الثالث، فكان أكثر تشاؤما؛ إذ رأى أن التعددية اللبنانية ستتحول إلى عقبة أمام المشروع الصهيوني، لأن تعدد مراكز القوى وتباين المصالح داخل الدولة سيجعلان التوصل إلى موقف لبناني موحد أمرا بالغ الصعوبة، بما قد يغرق الحركة الصهيونية في تعقيدات الساحة اللبنانية بدل أن يجعلها بوابة لاختراق العالم العربي.

وإلى جانب العامل الطائفي، اعتقد فريق من صناع القرار الصهاينة أن اعتماد لبنان على التجارة والمرافئ والسياحة والقطاع المصرفي يجعله أكثر استعدادا للتعاون مع السوق اليهودية الآخذة في النمو في فلسطين، وأن المصالح الاقتصادية، بما تتضمنه من رؤوس أموال واستثمارات وخبرات تقنية، قد تتغلب على الاعتبارات السياسية والانتماءات الأيديولوجية. في المقابل، رأى اتجاه آخر أن هذا العامل قد يتحول إلى عائق أمام قيام تلك العلاقة، بسبب مخاوف اللبنانيين من المنافسة الاقتصادية، فضلا عن ارتباط اقتصاد لبنان الوثيق بالأسواق العربية، التي كانت تمثل له أهمية أكبر بكثير من السوق اليهودية الناشئة في فلسطين.

ديفيد بن غوريون، رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، خلال اجتماع للجمعية المنتخبة ليهود فلسطين في القدس عام 1947 (غيتي)
من الرؤية إلى التنفيذ وبناء الشبكات

بعد صدور وعد بلفور وبدء الانتداب البريطاني على فلسطين (1917 – 1920)، اكتسب المشروع الصهيوني زخما جديدا، وبدأت مؤسساته تتصرف كدولة قيد التأسيس، فأنشأت الوكالة اليهودية دائرة سياسية متخصصة لمتابعة شؤون العالم العربي، وجمع المعلومات عن السياسيين ورجال الدين والصحفيين، ورصد الشخصيات التي يمكن التواصل معها أو توظيفها لتخفيف المعارضة العربية للمشروع الصهيوني.

إعلان

وبرز حاييم وايزمان في قيادة الدبلوماسية الصهيونية العليا، عبر التواصل مع الملوك والزعماء والمرجعيات الدولية الكبرى. أما إدارة العمل اليومي في الساحة اللبنانية، فارتبطت أساسا بشخصيتين هما إلياهو إبشتاين وإلياهو ساسون، وقد شكَّلا معا رأس الحربة في متابعة هذا الملف. وتمتع الاثنان بميزة افتقدها كثير من المسؤولين الصهاينة القادمين من أوروبا، وهي الإلمام باللغة العربية والمعرفة بالمجتمع المحلي. فقد درس إبشتاين في الجامعة الأمريكية في بيروت، بينما كان ساسون يهوديا سوريا تخرج في جامعة القديس يوسف، واكتسب خبرة وثيقة بالصحافة والسياسة العربيتين.

"أدار إلياهو إبشتاين وإلياهو ساسون النشاط الصهيوني في الساحة اللبنانية"

استقر إلياهو إبشتاين في بيروت مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، واتخذها قاعدة رئيسية للاتصال وجمع المعلومات. ومن هناك نسج شبكة واسعة من العلاقات داخل الكنيسة المارونية، وبين رجال الأعمال والأكاديميين، كما عمل على توثيق مواقف الشخصيات اللبنانية وقياس حجم نفوذها واستعدادها للتعاون. في المقابل، اضطلع إلياهو ساسون بدور أكثر نشاطا في الاتصالات السياسية والإعلامية، مستفيدا من معرفته بالعائلات والتيارات اللبنانية للتقرب من مسؤولين وصحفيين ووسطاء قادرين على التأثير في الرأي العام أو تسهيل الوصول إلى دوائر صنع القرار.

كان نشاط الرجلين حثيثا، ومدعوما من المؤسسات الصهيونية التي تقف خلفهما، واستند إلى إستراتيجية مرنة تقوم على اقتناص فرص بناء العلاقات واستمالة الشخصيات المؤثرة واستثمارها كلما سنحت الظروف. وبالتوازي مع ذلك، سعت الحركة الصهيونية إلى التغلغل في البنية الاقتصادية اللبنانية، انطلاقا من قناعة بأن المصالح الاقتصادية أكثر استدامة من الوعود السياسية. وطُرحت مشاريع للاستثمار في البنية التحتية الكهربائية، كما أنشأت شركة "نورا" اليهودية لصناعة عيدان الكبريت معملا في منطقة الدامور الساحلية.

رغم هذا النشاط، تحفظت السياسة العامة للوكالة اليهودية على تحمل المسؤولية المباشرة عن استثمارات خاصة في لبنان. لذلك فضلت الاكتفاء بتوفير المعلومات، وفتح قنوات الاتصال، وربط المستثمرين اللبنانيين بنظرائهم اليهود، من دون الدخول رسميا في مشروعات استثمارية قد تترتب عليها أعباء مالية أو تبعات سياسية. وشكل هذا التحفظ العقبة الرئيسية التي اصطدمت بها معظم مقترحات ساسون وإبشتاين، حتى عندما وجدت أرضية لبنانية مواتية.

حاييم وايزمان (يسار) وبن غوريون (يمين) خلال المؤتمر الصهيوني الحادي والعشرين في جنيف عام 1939 (أسوشيتد برس)

وكان من أبرز هذه المقترحات مشروع للاستثمار المشترك في مياه نهر الليطاني، يشمل الري وتوليد الكهرباء ودعم التنمية الزراعية والاقتصادية. ولو كُتب لهذا المشروع أن يرى النور، لأرسى ارتباطا إستراتيجيا طويل الأمد بين لبنان والحركة الصهيونية، غير أنه اصطدم بجملة من العقبات، في مقدمتها التحفظ الفرنسي، والظروف التي فرضتها التوترات العالمية، وصعوبات التمويل، فضلا عن تحفظات داخل الحركة الصهيونية.

على المستوى الشعبي، كان النشاط الصهيوني ملموسا أيضا، وكانت السياحة اليهودية إلى لبنان من أبرز مظاهر هذا النشاط. فقد قصد آلاف اليهود المصايف اللبنانية صيفا هربا من حر فلسطين، واستجابت الفنادق والمنتجعات لهذا الإقبال؛ حتى إن بعض العاملين فيها تعلموا كلمات عبرية، وحرص الطهاة على إعداد أطعمة تراعي الشعائر الغذائية اليهودية، كما استُخدمت إعلانات مكتوبة باللغة العبرية لجذب المزيد من السياح اليهود.

"أصدرت الوكالة اليهودية عام 1935 دليلا سياحيا عن لبنان، في إطار مساعي الصهيونية لتوظيف الحركة السياحية في تعزيز نفوذها"

في المقابل، أصدرت الدائرة الاقتصادية في الوكالة اليهودية عام 1935 دليلا سياحيا متكاملا عن لبنان، في إطار مساعي الصهيونية لتوظيف الحركة السياحية في تعزيز حضورها وبناء جسور التواصل مع محيطها. غير أن إلياهو ساسون لم يرتح إلى اتساع هذا النشاط، إذ خشي أن تؤدي التحركات غير المنضبطة إلى كشف قنوات الاتصال السرية، أو استثارة الصحافة العربية، أو الإضرار بالمصالح التجارية التي جرى بناؤها بصعوبة.

وامتدت محاولات بناء العلاقات إلى دوائر أخرى، وإن بقيت محدودة التأثير، وشملت التعاون الأكاديمي والعلمي في مجالات الأبحاث الزراعية والمناخ، وترتيب مشاركات لأطباء صهاينة في مؤتمرات تُعقد في لبنان، وتنظيم زيارات لرجال أعمال لبنانيين إلى معارض اقتصادية في تل أبيب، فضلا عن السعي إلى التأثير في الصحافة اللبنانية. ومن خلال هذا الاحتكاك، خلصت الوكالة اليهودية إلى أن بعض الصحف اللبنانية يمكن كسبها بالمال، لكنها قد تغير موقفها إذا تبدلت المصالح أو تصاعد الضغط الشعبي.

"حاولت الصهيونية توطين لاجئين يهود فارين من ألمانيا داخل الأراضي اللبنانية، لكن الغضب الشعبي أوقف الخطة"

وفي ذروة نشاطها اللبناني، حاولت الصهيونية توطين لاجئين يهود فارين من ألمانيا داخل الأراضي اللبنانية، على أن يُستفاد منهم لاحقا في خدمة المشروع الصهيوني. وحظي هذا المشروع بتأييد بعض الشخصيات اللبنانية وقيادات صهيونية، لكنه اصطدم، مرة أخرى، بالموقف الفرنسي، الذي خشي من أن يؤدي إلى اضطرابات طائفية، وإثارة غضب المسلمين، وتصاعد المد القومي العربي. وما إن تسربت أنباء المشروع قبل إقراره، حتى اندلعت مظاهرات شعبية منددة به، الأمر الذي أسهم في إحباطه وإسقاطه.

إعلان

في النهاية، ورغم تباين الآراء داخل الدوائر الصهيونية بشأن جدوى الرهانات في لبنان، بقيت الأولوية، في الاستثمار كما في الاستيطان، موجهة إلى فلسطين، انطلاقا من قناعة بأن المشروع القومي الصهيوني لا يمكن أن يتشكل إلا على أرضها، وأن الموارد المالية والسياسية والبشرية ينبغي أن تتركز فيها، تجنبا لتشتتها وفقدان فاعليتها.

مظاهرة مناهضة لليهود في بيروت خلال أربعينيات القرن العشرين. يحمل المتظاهرون لافتة تطالب بعودة مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني (غيتي)
"العلاقات الشخصية"

مثل الاستثمار في العلاقات الشخصية المحور الأهم في السياسة الصهيونية تجاه لبنان. ووجدت الوكالة اليهودية تجاوبا لدى شخصيات لبنانية ذات وزن، في مقدمتها الرئيس الثالث للجمهورية اللبنانية إميل إده (1936 – 1941)، الذي عُرف بتحفظه على فكرة "لبنان الكبير" وتفضيله كيانا لبنانيا أصغر ذي غالبية مسيحية. كما رأت في البطريرك أنطوان عريضة شخصية يمكن البناء على مواقفها، وعدت انفتاحه مكسبا سياسيا يستحق الاستثمار.

وفي عام 1933، ناقش فيكتور جاكوبسون، عضو الهيئة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، مع الرجلين إمكان الانتقال من التعاون الاقتصادي إلى تفاهم سياسي، وربما إلى تحالف رسمي بين لبنان والحركة الصهيونية. وقد عبر إده بصورة سرية، عن رغبته في التوصل إلى اتفاق مع الحركة الصهيونية، بينما أبدى البطريرك عريضة تفهما لفكرة قيام دولة يهودية، ورأى بعض الموارنة في التعاون معها وسيلة لتعزيز استقلال لبنان وترسيخ موقع المسيحيين فيه. ومع ذلك، بقيت هذه الاتصالات محكومة بسقف واضح؛ إذ ظلت قائمة على البعد الشخصي والتفاهمات السرية والمصالح المتبادلة، دون تحمل كلفة الانخراط في تحالف سياسي معلن.

"كان إده وعريضة يدركان أنهما لا يستطيعان إلزام لبنان، ولا حتى الموارنة جميعا، بأي تفاهم مع الحركة الصهيونية"

كان إده وعريضة يدركان أنهما لا يستطيعان إلزام لبنان، ولا حتى الموارنة جميعا، بأي تفاهم مع الحركة الصهيونية، وأن إعلان مثل هذا التحالف سيستفز المسلمين، وقسما معتبرا من المسيحيين، ويقوض شرعيتهما الداخلية. كما أكد المندوب السامي الفرنسي داميان دو مارتيل أن المشروع لا يحظى بإجماع داخل البيئة المارونية، ويواجه رفضا من غالبية المسيحيين غير الموارنة، فضلا عن المسلمين. لذلك رفض منحه أي غطاء رسمي، خشية الاضطرابات الداخلية، وخوفا من أن يفتح الباب أمام تمدد النفوذ الصهيوني داخل منطقة النفوذ الفرنسي.

أما الشخصيات التي أبدت استعدادا أكبر للتعاون المباشر والعلني، فلم تكن تمتلك الوزن السياسي الكفيل بتحويل وعودها إلى سياسات ملزمة. ففي عام 1920 وقع القيادي الصهيوني يوسف هانكين مع 3 ناشطين موارنة وثيقة تعترف بالمشروع الصهيوني، بما في ذلك الوطن القومي اليهودي والهجرة اليهودية إلى فلسطين، مقابل الاعتراف بلبنان مسيحي مستقل، والتعاون في المجالات المالية والتنموية. غير أن هانكين لم يكن مخولا بإبرام اتفاقات سياسية، كما أن شركاءه لم يكونوا يمثلون الدولة أو البطريركية أو المجتمع الماروني، فبقيت الوثيقة محدودة الأثر ولم تُطرح للنقاش العلني. وقد حاول اللبناني شارل قرم تأسيس جمعية للعلاقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، فرحبت بها الوكالة اليهودية، إلا أنها ظلت إطارا للتواصل غير السياسي، ولم تتطور إلى تحالف فعلي.

رئيس الجمهورية اللبنانية إميل إده يسير إلى جانب قيادات دينية من الكنيسة المارونية عام 1937 (غيتي)
الفشل الصهيوني والدروس المتكررة

كان الرهان الصهيوني يتعثر كلما انتقلت الاتصالات من الغرف المغلقة إلى المجال العام، ومن العلاقات الشخصية إلى الترجمة السياسية. فقد أبدى عدد من القيادات اللبنانية استعدادا للاستماع إلى عروض الدعم المالي والسياسي، والاستفادة من النفوذ الصهيوني لدى فرنسا والولايات المتحدة، لكنهم لم يُرحبوا بتحمل كلفة تحالف معلن، إذ إن الانحياز إلى الحركة الصهيونية في مواجهة الفلسطينيين والعرب كان كفيلا بتهديد شرعية هذه القيادات داخل لبنان، وفتح مواجهة مع المسلمين، ومع شريحة كبيرة من المسيحيين أيضا.

برزت حدود هذا الرهان مع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 – 1939)، حيث أصبحت بيروت وجنوب لبنان مركزا للنشاط الإعلامي والسياسي الداعم للفلسطينيين، وتصاعدت المظاهرات وحملات الاحتجاج المناهضة للهجرة اليهودية والمشروع الصهيوني. وكشفت هذه التطورات أن لبنان ظل جزءا من المزاج العربي العام، خلافا لما تصورته الوكالة اليهودية.

"أثبتت الثورة الفلسطينية الكبرى أن لبنان ظل جزءا من المزاج العربي العام، خلافا لما تصورته الوكالة اليهودية"

وينطبق الأمر نفسه على البعد الاقتصادي؛ فرغم استفادة بعض التجار والمزارعين اللبنانيين من التبادل التجاري مع الأسواق اليهودية في فلسطين، بقي الاقتصاد اللبناني أكثر ارتباطا بسوريا والأسواق العربية، وهو ما حد من قدرة الحركة الصهيونية على تحويل المصالح الاقتصادية المحدودة إلى شراكة إستراتيجية.

كانت الضربة القاضية للمشروع الصهيوني في لبنان مع الميثاق الوطني عام 1943، الذي أطاح عمليا بفكرة "لبنان الصغير" المنعزل، وأرسى معادلة جديدة تعترف بعروبة البلاد، بتوافق شارك في صياغته الرئيس بشارة الخوري ممثلا للقيادة المسيحية. ثم جاءت الخطوات اللاحقة لتؤكد هذا التطور؛ فشارك لبنان في بروتوكول الإسكندرية عام 1944، وأصبح عضوا مؤسسا لجامعة الدول العربية عام 1945، وانضم مطلع عام 1946 إلى المقاطعة العربية للمنتجات الصهيونية. وهكذا اندمج في النظام العربي الناشئ، منهيا عمليا الرهان الصهيوني على إمكان عزله عن محيطه أو تقديمه بوصفه استثناء عربيا.

الرئيس اللبناني بشارة الخوري (الثاني يسار) بين عدد من القادة العرب في القاهرة عام 1946 (غيتي)

لم تستسلم مؤسسات الحركة الصهيونية لهذا الإخفاق، فسعت إلى نقل جانب من نشاطها إلى الولايات المتحدة، حيث توجد جالية يهودية منظمة وجالية لبنانية مؤثرة، وحيث تقل القيود والضغوط الموجودة داخل لبنان. وانطلقت من قناعة بأن التقارب بين الجاليتيْن قد يعوض تعثرها في الداخل اللبناني، ويوفر لها نفوذا داخل الإدارة الأمريكية والكونغرس والرأي العام.

وفي هذا السياق، حاولت الحركة الصهيونية استمالة شارل مالك، المندوب اللبناني لدى الولايات المتحدة، وعرضت عليه فكرة وجود تشابه بين "لبنان المسيحي" و"فلسطين اليهودية"، وأن التعاون مع الحركة الصهيونية قد يُشكِّل ضمانة لاستقلال لبنان. غير أن مالك رفض الانخراط في هذا الطرح، وتمسك بدوره الدبلوماسي، معتبرا أن أمن المسيحيين في لبنان يقوم على الشراكة مع المسلمين، لا على الارتهان لتحالف مع الحركة الصهيونية.

وهكذا، لم تُفضِ هذه الجهود إلى قيام لوبي ماروني – صهيوني موحد كما أمل الصهاينة، وبقيت محصورة في نطاق العلاقات الفردية والاجتماعات، من دون أن تنجح في استقطاب الدولة اللبنانية أو إلزام الجالية المارونية بمشروع تحالف ذي طابع إستراتيجي.

"أخطأت الحركة الصهيونية في تقديرها للبنان على أكثر من مستوى"

أخطأت الحركة الصهيونية في تقديرها للبنان على أكثر من مستوى. فقد افترضت أنه يختلف جذريا عن محيطه العربي، وأن الموارنة يشكلون كتلة سياسية متماسكة، بحيث يكون تأييد شخصيات مثل إميل إده أو أنطوان عريضة كافيا لجر الطائفة كلها، بل والدولة اللبنانية، نحو تحالف معلن معها. غير أن الواقع اللبناني كان أكثر تعقيدا؛ إذ كان الموارنة، ولا يزالون، منقسمين حول قضايا جوهرية، مثل العروبة، والعلاقة مع فرنسا والغرب، وشكل الدولة، وطبيعة العلاقة مع المسلمين. كما أغفلت الحركة الصهيونية حقيقة أن لبنان، بحكم تركيبته السياسية والطائفية، لا يمكن أن يخضع لهيمنة مكون واحد أو أن يُدار بإرادة فريق واحد، مهما بلغ نفوذه.

وثمَّة خطأ آخر هو المبالغة في تقدير قدرة العامل الاقتصادي على تجاوز الاعتبارات التاريخية والوجدانية والهوية العربية الجامعة. لقد افترضت الصهيونية أن المصالح التجارية كفيلة بإعادة توجيه خيارات لبنان، وهو افتراض ثبت خطؤه. وحتى على المستوى الاقتصادي البحت، فضَّل اللبنانيون الحفاظ على ارتباطهم بالأسواق العربية، التي كانت أكثر أهمية من السوق الصهيونية الناشئة.

من اليسار: الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، مسؤول مجهول، الرئيس اللبناني بشارة الخوري، ورئيس الوزراء سامي الصلح، في بيروت عام 1945 (غيتي)

أما الخطأ الأهم، والذي لا يزال يتكرر، فتمثل في افتراض الحركة الصهيونية أن المسيحيين اللبنانيين يشتركون معها في ذات التصورات عن الهوية والمصير السياسي. فقد تعاملت مع قسم من النخب المسيحية بوصفه امتدادا طبيعيا لمشروع "تحالف الأقليات"، متجاهلة أن غالبية المسيحيين اللبنانيين، على اختلاف توجهاتهم، ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم جماعة أصيلة في هذه الأرض، لا كجماعة وافدة أو منفصلة عن محيطها. ومن ثم، ظل انتماؤهم إلى لبنان وإلى المجال العربي عنصرا حاضرا في حساباتهم السياسية، مهما تباينت مواقفهم من قضايا العروبة أو طبيعة العلاقة مع الدول العربية.

لذلك، وحتى عندما تقاطعت بعض القوى المسيحية مع إسرائيل في مراحل معينة، ظل هذا التقاطع محكوما باعتبارات ظرفية أكثر منه تعبيرا عن تحالف إستراتيجي دائم. ومع تغيُّر موازين القوى أو تبدُّل المصالح، سعت هذه القوى إلى إعادة التموضع والحد من كلفة تلك العلاقة، إدراكا منها أن مستقبلها السياسي يبقى مرتبطا أولا بالمجتمع اللبناني، وبإمكان التعايش مع بقية مكوناته، وفي مقدمتها المسلمين.

لم تكن هذه مجرد حكايات من الماضي البعيد، ولكنها نمط تكرر أكثر من مرة في التاريخ اللبناني. وقد تجلى ذلك خلال الحرب الأهلية، عندما وصل زعيم القوات اللبنانية، المتحالفة آنذاك مع إسرائيل، بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية. وكانت القيادة الإسرائيلية تتوقع أن يترجم هذا التحالف إلى اتفاق سياسي محكم، لكن الواقع اللبناني فرض منطقه من جديد.

ففي اجتماع سري عُقد في نهاريا مطلع سبتمبر/أيلول 1982، طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، في حضور أرييل شارون، بشير الجميل بإعلان السلام وتوقيع معاهدة فور تسلمه السلطة. غير أن الجميل رفض، مؤكدا أن قرارا بهذا الحجم لا يمكن فرضه قبل تشكيل حكومة لبنانية، واستعادة قدر من الاستقرار، الحصول على قبول داخلي، لا سيما من المسلمين.

لم يَعِش بشير الجميل طويلا بعد ذلك الاجتماع، فقد اغتيل يوم 14 سبتمبر/أيلول 1982 قبل أن يتسلم الرئاسة رسميا. لكن الحادثة بقيت شاهدا على درس متكرر منذ بدايات المشروع الصهيوني، وهو أن إسرائيل كثيرا ما افترضت أن الوصول إلى شخصية لبنانية نافذة يفتح لها الطريق إلى البلد بأكمله، غير أن الواقع أعاد تصحيح هذا التصور في كل مرة، فالتعاون قد يبدأ، والاتصالات قد تستمر، والمصالح قد تتقاطع، لكن عند اللحظات المصيرية تعود حسابات الداخل اللبناني، وتأثير المحيط العربي، وثقل القضية الفلسطينية، لتفرض حدودا لم تستطع إسرائيل اختراقها حتى اليوم.



إقرأ المزيد