قوارب مهجورة على ضفاف دجلة.. لماذا يتلاشى حلم النقل النهري في بغداد؟
الجزيرة.نت -

Published On 12/8/2026

تعتلي الاختناقات المرورية مشهد التنقل اليومي في العاصمة العراقية بغداد، في وقت يبدو فيه نهر دجلة -الذي يقطع العاصمة من أقصاها إلى أقصاها- ممرا غائبا عن حل الأزمة.

وبين قوارب صغيرة متفرقة وسفن قديمة ترسو على الضفاف بلا حراك، تتلاشى آمال سكان بغداد في استغلال مجراها المائي، وسط تعثر المشروعات الحكومية التي كان يُؤمل منها فك اختناق الشوارع وتوفير خيارات تنقل سهلة وسريعة.

ذاكرة الملاحة المعطلة

وعلى ضفة منطقة الشواكة وسط بغداد، تقف سفن نهرية كبيرة تُعرف محليا باسم "الدوبة" متوقفة منذ عقود. وباتت هذه السفن، التي كانت يوما عصب الحركة التجارية ونقل الحبوب والنفط والبضائع بين البصرة وبغداد والموصل عندما كان منسوب المياه يسمح بذلك، باتت اليوم هياكل مهجورة بعد تراجع استخدامها وتغير ظروف النهر وتطور وسائل النقل البري.

وفي حديثه للجزيرة، يوضح الصياد حسن ليلو -الذي يجمع بين صيد الأسماك نهارا ونقل المتنزهين بقاربه مساءً- أن هذه القطع النهرية استمرت في العمل حتى رست في منطقة الشواكة خلال تسعينيات القرن الماضي. وكانت تعود ملكيتها لخمسة أشقاء قبل أن تنتقل لورثتهم، وظلت منذ ذلك الحين في موقعها دون استثمار.

واليوم، يقتصر النقل النهري على عدد محدود من قوارب "البلم" الصغيرة لنقل الركاب بين الضفتين، إضافة إلى قوارب متوسطة تنظم رحلات قصيرة قرب شارع المتنبي.

السفن تحولت إلى هياكل مهجورة بعد تراجع استخدامها وتغير ظروف النهر وتطور وسائل النقل البري (الجزيرة)
"التاكسي النهري"

ولم يتوقف الشلل عند حدود السفن القديمة، بل امتد إلى مشروع "التاكسي النهري" الذي أطلقته وزارة النقل لتوفير وسيلة تنقل إضافية داخل العاصمة عبر زوارق حديثة ومكيفة ومراسٍ مجهزة في عدة مناطق.

وبشأن أسباب هذا التعثر، قال مدير إعلام وزارة النقل حسين أحمد إن المشروع بدأ العمل به عندما كان منسوب دجلة أعلى مما هو عليه حاليا، قبل أن يؤدي انخفاض المياه وتراكم الطمي إلى صعوبة حركة الزوارق وتوقف المشروع.

إعلان

وأوضح أحمد للجزيرة أن إعادة تشغيل النقل النهري تحتاج إلى تعاون مع وزارة الموارد المائية لإجراء عمليات "كري" للنهر لا سيما قرب المراسي (تعميق مجرى النهر وتنظيف قاعه من الطين والطمي والتراكمات الترابية والترسبات)، مشيرا إلى أن تجربة التاكسي النهري لا تزال تعمل بانتظام في مدينة البصرة، وأكد أن الوزارة تمتلك دراسات لتطوير القطاع وإعادة الاستفادة من النقل عبر الأنهار.

تكلفة مرتفعة ومطالب بالحلول

وأمام هذا الواقع، بقيت الزوارق الصغيرة الوسيلة الوحيدة لاستخدام النهر في التنقل بالنسبة لبعض السكان، لكنها تعمل بصورة محدودة وتخضع في معظمها للقطاع الخاص، مما يجعل تكلفتها مرتفعة مقارنة بوسائل النقل الجماعي الأخرى.

وفي هذا السياق، قالت المواطنة تبارك خالد للجزيرة -خلال استخدامها أحد الزوارق للتنقل بين ضفتي دجلة- إن كلفة النقل بالقوارب الخاصة مرتفعة، معتبرة أن تبني الحكومة للمشروع يمكن أن يخفض الأسعار ويجعله متاحا لشريحة أوسع من السكان.

وأضافت تبارك بأن بغداد بحاجة إلى وسيلة نقل نهرية منتظمة، ليس فقط باعتبارها متنفسا لسكان العاصمة، وإنما كخيار إضافي للتنقل في مدينة تواجه ضغطاً متزايدا على شوارعها.

انخفاض منسوب المياه وتراكم الطمي أديا إلى توقف مشروع التاكسي النهري (وكالة الأناضول)

يذكر أن وضع نهر دجلة يتدهور منذ عقود، فقد كان العراق يمتلك بنية تحتية متطورة للمياه حتى استهدفته الولايات المتحدة في عملية عاصفة الصحراء عام 1991. ومع تدمير محطات المعالجة، تدفقت مياه الصرف الصحي إلى المجاري المائية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقّعت بغداد وأنقرة اتفاقية لمعالجة بعض مشاكل نهر دجلة، تشمل وقف التلوث، وإدخال تقنيات ري حديثة، واستصلاح الأراضي الزراعية، وتحسين إدارة المياه. وقد وُصفت الاتفاقية بأنها "اتفاقية نفط مقابل ماء"، حيث ستتولى شركات تركية تنفيذ مشاريع البنية التحتية بتمويل من عائدات النفط.

ووفقا لتوقعات "مؤشر الإجهاد المائي" لعام 2019 الصادر عن الأمم المتحدة، فإن العراق سيكون أرضا بلا أنهار بحلول عام 2040، ولن تصل مياه النهرين إلى المصب النهائي في الخليج العربي، لكن وزارة الموارد المائية العراقية ترفض هذه التوقعات المتشائمة.



إقرأ المزيد