الجزيرة.نت - 8/12/2026 7:21:09 PM - GMT (+3 )
"لم يكن ذلك بسبب الافتقار إلى الاهتمام بالإنسانية؛ بل كان بسبب الاهتمام بالإنسانية.. ربما كان ذلك هو الإثم".. بهذه العبارة المفعمة بالتناقض، لخص الفيزيائي الأمريكي فيليب موريسون الرؤية التي تحكمت في عقول العلماء والساسة وهم يدفعون العالم نحو الحافة النووية.
ففي 19 أغسطس/آب 1945، أُسقطت قنبلة البلوتونيوم الملقبة بـ"الرجل البدين" (Fat Man) على مدينة ناغازاكي اليابانية، لتسدل الستار على الحرب العالمية الثانية.
وبعد 3 عقود من ذلك الانفجار التاريخي غير المسبوق، كشف موريسون -الذي شغل موقعا محوريا في تجميع القنبلة وقاد عمليات إعدادها- في حديث للإعلامي ميلفين براغ عبر "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) عن الكواليس الداخلية للقرارات التي اتُّخذت في الأيام والأسابيع السابقة للضربة، موضحا كيف اكتسبت الآلة الحربية زخما كان من المستحيل كبح جماحه، ومؤكدا أن الخطط الأمريكية لم تكن تتوقف عند حدود القنبلتين.
وتأتي استعادة "بي بي سي" لهذه الشهادة التاريخية بالتزامن مع الذكرى السنوية للقصف الذري ومرور نصف قرن على تسجيل هذه المقابلة الأرشيفية النادرة عام 1975.
شكل موريسون، الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره آنذاك، حجر زاوية في "مشروع مانهاتن"، وهو البرنامج السري للغاية الذي أدارته قوى الحلفاء لتطوير أول أسلحة نووية في العالم داخل مختبر "لوس ألاموس" تحت قيادة أستاذه السابق جيه. روبرت أوبنهايمر.
وقد شهد موريسون بنفسه اختبار "ترينيتي" للجيل الأول من القنابل الذرية في 16 يوليو/تموز 1945، بل إنه تولى نقل النواة البلوتونيومية بنفسه واضعا إياها في حجره داخل السيارة في طريقها إلى صحراء نيو مكسيكو.
عقب ذلك، انتقل الفيزيائي الشاب إلى جزيرة "تينيان" الصغيرة الواقعة جنوب جزيرة سايبان مباشرة، ليتولى الإشراف العلمي على تجميع قنبلة "الرجل البدين" وتحميلها على متن القاذفة الثقيلة من طراز "بي-29" (B-29)، وذلك في التاسع من أغسطس/آب، بعد 3 أيام فقط من القصف الذري الأول الذي استهدف مدينة هيروشيما.
إعلان
وفي شهادة أدلى بها أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي في ديسمبر/كانون الأول 1945، وصف موريسون القاعدة الجوية في جزيرة تينيان بأنها كانت "أكبر مطار في العالم"؛ حيث تم تجريف نصف سلسلة مرجانية ضخمة ورُدِمت بصخورها السهول الوعرة لتسويتها، من أجل تشييد 6 مدارج عملاقة يبلغ طول كل منها نحو ميلين.
في شهادته الاستثنائية، عقد موريسون مقارنة حادة بين نمط الغارات الجوية التقليدية وما أحدثته التكنولوجيا النووية، فقد أوضح حجم التحضيرات الهائلة لغارات القصف الحارق التي كانت تستهدف المدن اليابانية بانتظام، إذ كانت الناقلات ترسو يوميا في المرفأ محملة بآلاف الأطنان من بنزين الطائرات، فيما تتدحرج القاذفات الضخمة على المدارج لتقلع طائرة كل 15 ثانية على مدار ساعة ونصف الساعة متواصلة.
كانت هذه الغارات المكونة من نحو ألف طائرة من طراز "بي-29" كفيلة بـ "إحراق أميال مربعة عديدة من أي مدينة في غارة واحدة".
لكنّ المشهد في حالة القنبلة الذرية كان مختلفا تماما؛ إذ ينقل موريسون: "كانت القنبلة الذرية شيئا آخر.. لم تكن هناك حمولات سفن من المواد الحارقة، وبدلاً من جيوش رجال العتاد ومستودعات القنابل المترامية، اقتصر الأمر على نحو 25 شخصا من علماء مختبر لوس ألاموس، وبضعة أكواخ من طراز ‘كوونست’ المسبقة الصنع والمصنوعة من الفولاذ المموج التي حُوِّلت إلى مختبرات، ومبنى محصن واحد".
وأضاف أن الضربة انطلقت في هدوء تام بعد منتصف الليل وكان الميدان مهجورا، لتسير طائرة واحدة على المدرج، وتهدر محركاتها ثم تقلع متجهة نحو "مدن العدو".
تشير التقديرات المتفاوتة إلى أن الانفجار الأولي في ناغازاكي أودى بحياة 40 ألف شخص فور وقوعه، فيما تسببت الآثار المباشرة للقصف في رفع حصيلة الوفيات إلى أكثر من 100 ألف حالة خلال السنوات الخمس التالية. أما في هيروشيما، فقد قُتل ما لا يقل عن 80 ألف شخص فورا، ليرتفع إجمالي الوفيات لاحقا إلى نحو 140 ألفا جراء الحروق الشديدة، والإصابات الإشعاعية، ومرض الإشعاع الحاد.
وعندما عاين موريسون هذا الدمار الكارثي بنفسه ميدانيا ضمن فريق تقييم الأضرار العلمي الرسمي، انطبعت في ذاكرته حادثة وقعت بين أطلال هيروشيما؛ حيث وقف مسؤول ياباني وسط الركام وقال للعلماء الأمريكيين "كل هذا من قنبلة واحدة؛ إنه أمر لا يُطاق".
وعلّق موريسون على ذلك بالقول "طائرة واحدة، بقنبلة واحدة، دمرت أميالا مربعة كثيرة، دمرتها بشكل أكثر شمولا وبفرصة أقل للمقاومة أو الهروب مقارنة بغارة الألف طائرة".
كواليس القرارات.. زخم غير قابل للإيقافورغم مشاركته في المشروع، كشف موريسون أنه كان يأمل -حتى اللحظات الأخيرة- ألا تُستخدم القنبلة في أعمال قتالية حقيقية ضد مدينة، فقد تزعم مجموعة من العلماء والفيزيائيين الشباب في مختبر "لوس ألاموس" ممن طالبوا بإجراء "استعراض علني" للقنبلة في منطقة غير مأهولة ودعوة وفد دولي إلى الصحراء لمعاينة قوتها قبل اتخاذ قرار استخدامها ضد اليابان.
إعلان
إلا أنه عاد وأكد في حديثه إلى الصحفي البريطاني ملفين براغ، أن تلك المطالب كانت مجرد "أمنيات غير واقعية في ظروف الحرب"، أو التفكير القائم على التمني، بحسب وصفه.
وأوضح موريسون أن المؤسسة العسكرية والسياسية كانتا تسيران تحت ما أسماه "زخم لا يمكن إيقافه"، فلم يتوقف العمل على القنبلة حتى بعدما أصبح واضحا أن الهزيمة حتمية لألمانيا النازية، وعن ذلك قال "كانت الحرب لا تزال مستمرة، وكنا نسير نحو معركة هائلة في المحيط الهادي.. لذا كان من المستحيل التوقف".
ورأى موريسون أن الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه كبح هذا الزخم وإيقاف القصف هو الرئيس الأمريكي فرانكلين د. روزفلت، لكنه توفي في أبريل/نيسان 1945 قبل اكتمال تطوير القنبلة والتأكد من نجاحها وقبل اتخاذ القرار بشأن كيفية استخدامها. مردفا: "كان روزفلت الشخص الوحيد في تقديري الذي يمتلك الهيبة والقوة الكافيتين داخل الحكومة لردع هذا الزخم الرهيب".
أما الرئيس هاري ترومان، فلم يكن على علم بمشروع "مانهاتن" أساسا إلا بعد ساعات من أدائه اليمين الدستورية خلفا لروزفلت، ليجد نفسه بعد 3 أشهر فقط أمام قرار إطلاق الضربة على اليابان.
وقد علق موريسون على ذلك قائلا "صحيح أنه (ترومان) هو من اتخذ القرار، لكنْ من الإنصاف القول إن الظروف والقرار هما من فرضا نفسهما عليه.. كان يتطلب الأمر خطوة جريئة للغاية منه لكي يوقف عملية استمرت لسنوات.. لكنّ تلك الفرصة زالت عمليا بموت روزفلت".
كان تغيير المسار بعد سنوات من العمل على المشروع يتطلب، في رأي موريسون، خطوة سياسية شديدة الجرأة من رئيس تولى السلطة حديثا.
لم يتوقف الأمر عند القنبلة التي ألقيت على هيروشيما. فبحسب موريسون، لم يكن القرار العسكري يتعامل مع القنبلة الثانية باعتبارها خيارا منفصلا يحتاج إلى قرار جديد بعد تقييم آثار القنبلة الأولى.
وفي هذا الصدد، قال إن الأوامر التي صدرت إلى القادة كانت واضحة: "أسقطوا القنبلة الأولى، ثم أسقطوا القنبلة الثانية بمجرد أن تستطيعوا".
كان وقف القنبلة الثانية يتطلب، وفق تصور موريسون، رجلا قويا في واشنطن يرى آثار القنبلة الأولى ثم يقول "حسنا، فلننتظر بشأن القنبلة الثانية".
لكنّ اتخاذ مثل هذا القرار كان يحتاج إلى تفكير على مستوى عالٍ، وقدرة على الوصول إلى شبكة الروابط المعقدة داخل القيادة العسكرية، وإيصال الأوامر الصحيحة إلى الجنرالات المناسبين، بحسب ما قال موريسون.
هكذا مضى القصف الثاني قدما. غير أن ما يكشفه موريسون هو أن الخطة لم تكن تتوقف بالضرورة عند قنبلتي هيروشيما وناغازاكي؛ إذ أوضح أن القرار الأصلي كان يقضي بمواصلة إسقاط القنابل الذرية لمدة عام إذا اقتضت الحاجة، قائلا "طُلب مني شخصيا وضع خطة وجدول زمني وتوفير بديل لي وإعداد ترتيبات التنقل للقيام بذلك".
عرفنا الأمر بالأرقام ولم نشعر بهوفي حديثه عن التحول النفسي للعلماء، ميز موريسون بين المعرفة النظرية والواقع الميداني، مشيرا إلى أن أطقم العمل كانت مدركة تماما للآثار الإشعاعية قصيرة وطويلة المدى، "لكنّ ذلك كان عبر الكتب والأرقام فقط، وهناك فارق شاسع بين الأرقام وبين رؤية الواقع الحي والمحتضر".
وعن الليلة التي أُسقطت فيها قنبلة هيروشيما، تذكر موريسون الاحتفالات الكبيرة التي أقامها الجنود وأفراد القوات الجوية في قاعدة "تينيان" لشعورهم بنهاية الحرب، في حين امتنع معظم العلماء عن المشاركة، وجلسوا يتبادلون النظرات بكآبة وهم يفكرون في "نهاية العالم".
ورغم ذلك، جزم موريسون بأنه لم يفكر في الانسحاب من المشروع في أي مرحلة، قائلا "رغم المعارضة العنيدة، لا أرى كيف كان بإمكاني أن أفعل أي شيء مختلف.. لم أفكر في التوقف في أي وقت".
إعلان
وعندما سُئل موريسون عما إذا كان الحلفاء سيستخدمون القنبلة الذرية ضد برلين لو كانت جاهزة قبل هزيمة ألمانيا النازية، لم يتردد في الإجابة قائلا "أوه، بالتأكيد، في لمح البصر". وأضاف موضحا "كنا نخشى الألمان بالدرجة الأولى، وكانوا هم عدوّنا".
وبعد الحرب، أصبح موريسون أستاذا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وقاد الحملات للنضال ضد الانتشار النووي وكان في طليعة حركة "لا قنبلة ثالثة". وقد قال في شهادته أمام مجلس الشيوخ عام 1945: "وغني عن القول إنني، مثل معظم علماء المشروع، مقتنع تماما بأنه لا يمكن السماح بنشوب حرب أخرى".
وكان يعتقد أن الحلفاء كان ينبغي عليهم القيام بشيء واحد على وجه الخصوص؛ إذ قال "أعتقد جازما أنه كان ينبغي تقديم تحذير مناسب لليابان".
وأضاف: "وبالنظر إلى الوراء، لا يوجد أي مبرر على الإطلاق لعدم تقديم تحذير مناسب وملائم".
تُوثق السجلات التاريخية والأرشيفات الأمريكية محطات استثنائية في حياة الفيزيائي الأمريكي فيليب موريسون (1915–2005). فوفقا لشهادته أمام لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي الخاصة بالطاقة الذرية (ديسمبر 1945) المحفوظة في أرشيف الأمن القومي الأمريكي (National Security Archive)، قدّم موريسون بوصفه عضوا في فريق معاينة الأضرار حقيقة مروعة عن الدمار الإشعاعي والحراري في هيروشيما وناغازاكي، مؤكدا أن قنبلة واحدة حوّلت المدينتين إلى "ندبة مسطحة باللون الأحمر الصدئ".
وعقب الحرب، تحول موريسون إلى أحد أبرز الأصوات الأخلاقية المناهضة للسباق النووي، وهو ما يوثقه أرشيف صحيفة نيويورك تايمز وبيان مكتب أخبار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لعام 2005 عند وفاته؛ حيث نال مرتبة "أستاذ معهد" (Institute Professor).
ورغم تعرضه للملاحقات والتحقيقات الصارمة خلال موجة المكارثية في الخمسينيات بسبب مواقفه المناهضة للسباق التسليحي، واصل موريسون عطاءه الأكاديمي والفكري؛ حيث انتقل إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وحاز أعلى مرتبة علمية فيه (أستاذ معهد).
ولم تقف إسهاماته عند الفيزياء النظرية، بل أحدث ثورة في الفيزياء الفلكية حين نشر عام 1959 في مجلة "نيتشر" (Nature) بالتعاون مع جوزيبي كوكوني ورقة بحثية أطلقت اللبنة الأولى لمشروع "سيتي" (SETI) العالمي للبحث عن إشارات لحضارات عاقلة في الكون عبر موجات الراديو، ليرحل عام 2005 تاركا إرثا يجسد المسؤولية الأخلاقية للعالِم في حماية البشرية من خطورة مكتشفاتها.
- 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1915: وُلد في سومرفيل، نيوجيرسي.
- 1936: حصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء من معهد كارنيغي للتكنولوجيا.
- 1940: حصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة كاليفورنيا ، بيركلي، تحت إشراف ج. روبرت أوبنهايمر.
- 1942: التحق بمختبر المعادن في شيكاغو بوصفه باحثا مساعدا.
- 1944: انتقل إلى مختبر لوس ألاموس الوطني، حيث التحق بالمجموعة جي (G) لتجميع قنبلة البلوتونيوم.
- 12 يوليو/تموز 1945: رافق نواة البلوتونيوم إلى موقع ترينيتي.
- 16 يوليو/تموز 1945: شهد اختبار ترينيتي.
- يوليو/تموز-أغسطس/آب 1945: شارك في تجميع قنبلة "الرجل البدين" في جزيرة تينيان.
- سبتمبر/أيلول 1945: شارك في مهمة المراقبين التابعة لـ"مشروع مانهاتن" إلى هيروشيما.
- 1946 – 1964: أستاذ للفيزياء في جامعة كورنيل.
- 1964: بدأ التدريس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
- 22 أبريل/نيسان 2005: توفي في كامبريدج، ماساتشوستس.
إقرأ المزيد


