الجزيرة.نت - 8/12/2026 8:22:07 AM - GMT (+3 )
عندما ينقل الإعلام الغربي أخبار الحرب الأوكرانية، وتحديدا الجزئية المتعلقة بالدعم العسكري الغربي للجيش الأوكراني، فإن التركيز في غالب الأحيان ينصب على المساعدات العسكرية التي تحصل عليها كييف من الدول والحكومات، وتحديدا الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ومنها ألمانيا التي ترددت طويلا قبل أن تصبح في مقدمة الدول الأوروبية التي تمد جيش أوكرانيا بالأسلحة.
فالمساعدات القادمة من الدول يتم تقديمها رسميا، ولهذا فإن تتبعها ومعرفة تفاصيلها يكون في العادة سهلا، لكن مع استمرار الحرب التي اندلعت في فبراير/شباط 2022 ولا تزال تراوح مكانها، ظهر لاعب آخر لا تقل المساعدات التي يقدمها أهمية عن مساعدات أخرى تأتي من جهات حكومية.
ووفق تقرير ميداني للصحيفة الألمانية الكبيرة "زود دويتشه تسايتونغ"، فإن أشخاصا ومنظمات خيرية ومبادرات ومؤسسات خاصة، مثل مؤسسة "عُد حيّا" أو "سيرهي بريتولا"، أصبحت مع الوقت لاعبا أساسيا في دعم الجيش الأوكراني، خصوصا في مجال توفير الطائرات المسيّرة.
مرونة أكبروتقول الصحيفة إن جميع هذه الجهات تستطيع غالبا شراء وتسليم المعدات خلال أيام وبمرونة أكبر من مؤسسات الدولة التي تعاني من البيروقراطية والتأخير، فهذه الجهات لا توفر الطائرات المسيرة فقط، بل توفر حلولا متكاملة تشمل أجهزة الحاسوب والمولدات والمركبات وأجهزة الاتصال وحتى الأقمار الصناعية.
ويبرز التقرير مؤسسة "عد حيًا" التي تلقت -وفق الصحيفة- منذ تأسيسها نحو 1.4 مليار دولار من التبرعات ومؤسسة "سيرهي بريتولا" التي جمعت نحو 253 مليون يورو وأنفقت جزءا كبيرا منها على عشرات الآلاف من المسيّرات، في حين أصبحت الشركات مصدرا رئيسيا للتبرعات.
وتنقل الصحيفة عن عسكريين قولهم إن هذه المؤسسات اضطلعت بدور حاسم خصوصا في السنوات الأولى للحرب وساعدت الجيش الأوكراني على مواكبة التطور السريع في حرب المسيّرات، كما يلفت التقرير إلى أن جزءا من تمويل المؤسسات يأتي من جهات حكومية غربية لا تكشف المؤسسات عن هويتها.
إعلان
ومن بين العسكريين الذين رافقتهم الصحيفة كان ألكسندر بيلياك، الذي يمتلك خبرة طويلة في هذا المجال ويعمل لصالح مؤسسة "عُد حيّا"، وهو يواظب على زيارة ألوية الجيش الأوكراني ويستمع إلى ما تحتاج إليه قبل توفير المعدات اللازمة لهم، مثل الحواسيب المحمولة والمولدات الكهربائية والعربات والطائرات المسيّرة بجميع أنواعها.
مسيرات وناقلات جندكما نقل التقرير عن طيار يدعى دميترو من اللواء 65 قوله: "لا أعتقد أن أوكرانيا كانت ستنجو من الحرب، خصوصا في بدايتها من دون المؤسسات الخيرية"، مضيفا "كانت المؤسسات الخيرية أول من أدرك أهمية المسيّرات، وذلك في وقت كان فيه جنرالات الجيش يعتبرون المسيّرات مجرد ألعاب.. فالدولة لم تدخل قطاع إنتاج المسيّرات على نطاق واسع إلا بدءا من عام 2024“.
وتوضح مديرة التعاون الدولي في مؤسسة "عد حيّا" كاترينا لششيشن أن المنظمة لا توفر المسيّرات فقط، بل "تشتري أيضا سيارات جيب وشاحنات وناقلات جند مدرعة ومعدات للحرب الإلكترونية ومسيّرات هجومية بعيدة المدى لأجهزة الاستخبارات".
وتضيف أنه حتى بداية يوليو/تموز الماضي، سلمت المؤسسة 190 ألف مسيّرة، مشيرة إلى أنه عندما تدهورت الأوضاع في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في مدينة كوبيانسك المتنازع عليها، سارعت المؤسسة إلى إرسال 10 مدافع هاوتزر من عيار 120 ملم إلى الجيش الأوكراني.
وتؤكد لششيشن أنه منذ تأسيس المنظمة تلقت 1.4 مليار دولار من التبرعات وأن 99% من هذه التبرعات جاء بعد بداية الحرب الروسية وأن 85% من الأموال تأتي من أكثر من 60 دولة، وذلك من دون ذكر أسماء هذه الدول.
وتضيف أن أكبر قفزة في التبرعات كانت في فبراير/شباط 2025 عندما طرد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عمليا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من البيت الأبيض بعد اجتماع اتهم فيه ترمب الرئيس الأوكراني بعدم التحلي بالاحترام الكافي.
وتقول لششيشن: "في الأيام التالية للاجتماع في البيت الأبيض، تلقينا من الولايات المتحدة تبرعات أكثر بـ100 مرة مما كنا نتلقاه سابقا".
الجزء الأكبركما نقلت الصحيفة عن أحد العسكريين -الذي طلب عدم الكشف عن هويته- قوله إنهم يحصلون على 60% من المسيّرات من المؤسسات الخيرية وعلى 40% من الدولة، مضيفا أن "الدولة تعني بطبيعة الحال بيروقراطية وتأخيرا في عمليات التسليم".
من جانبه، يقول المركز الألماني الاتحادي للتثقيف السياسي -في تحليل له- إن اقتصاد المسيّرات في أوكرانيا يظهر بوضوح أن الدول الصغيرة والمتوسطة ليست مضطرة إلى بناء صناعة دفاعية متكاملة ومستقلة بسلاسل توريد محلية بالكامل من أجل تعزيز قدرتها على الردع.
فالأنظمة الحديثة للمسيّرات ومكافحتها معقدة -يقول التحليل- وتتطلب تنسيقا بين الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وهياكل القيادة والسيطرة، لذلك يمكن للدول الأعضاء الأصغر في الاتحاد الأوروبي أن تركز إستراتيجيا على أجزاء محددة من هذه المنظومة.
ومن خلال إعطاء الأولوية لمجالات متخصصة، مثل المسيّرات الاعتراضية أو مكونات الحرب الإلكترونية، وتوجيه المشتريات الحكومية نحوها، تستطيع دول البلطيق ودول الجناح الشرقي لأوروبا تطوير قدرات محلية فعالة.
ويرى المراقبون أن الاتحاد الأوروبي قد يواجه بعد انتهاء الحرب تحديا جديدا يتمثل في احتمال وجود نقص أوروبي في المسيّرات مقابل فائض أوكراني، فإذا انتهت الحرب الروسية الأوكرانية، ستظل أوكرانيا تمتلك أكبر منظومة لتطوير وإنتاج المسيّرات القابلة للاستخدام الميداني خارج الولايات المتحدة والصين.
إعلان
ولذلك ينبغي للاتحاد الأوروبي دمج هذه القدرات من خلال الإنتاج المشترك، حسب الخبراء. ولضمان استفادة طويلة الأمد، يمكن للاتحاد الأوروبي إضفاء طابع مؤسساتي على هذه الجهود من خلال ميثاق أوروبي أوكراني للمسيّرات يربط التطوير المشترك للتكنولوجيا والتخطيط للتصدير ببرامج لإعادة دمج الكفاءات والخبرات الأوكرانية في الاقتصاد بعد الحرب.
ويخلص التحليل إلى القول إن الدولة التي تستطيع في وقت السلم بناء شبكة من الشركات والكفاءات والتمويل والطلب العسكري المرن، ستكون أكثر قدرة على التحول بسرعة إلى اقتصاد دفاعي فعال عند اندلاع الحرب.
إقرأ المزيد


