موقع سي ان ان بالعربية - 8/12/2026 4:09:37 AM - GMT (+3 )
تحليل بقلم آرون بليك من شبكة CNN
(CNN)-- للوهلة الأولى، قد يبدو خبر تغيير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طائرته سراً قبل مغادرة تركيا الشهر الماضي -بسبب تهديد أمني من إيران- أمراً لا يثير الجدل، بل ربما يبدو مثيراً للاهتمام بطريقة تذكرنا بأجواء أفلام التجسس والعمليات السرية.
لكن هذه القصة، التي كشفت عنها صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، الاثنين، وأكدتها لاحقاً مصادر لشبكة CNN وجهات أخرى- تثير في الواقع قضايا وتساؤلات جدية للغاية.
قد يهمك أيضاً
لنستعرض أولاً التفاصيل الأساسية لما ورد في التقارير الإخبارية.
أُعلن الشهر الماضي أن البيت الأبيض، ونظراً لمخاوف أمنية، ألغى خطة العودة على متن الطائرة الجديدة التي أهدتها قطر لترامب والتي يستخدمها بصفة "إير فورس وان" وفضّل استخدام الطائرة القديمة بدلاً منها.
وكان ترامب ادعى في البداية أن السبب هو إتاحة الفرصة لأفراد الخدمة العسكرية الأمريكية لتفقد الطائرة الجديدة.
وتتميز الطائرة القديمة بمواصفات أمنية أفضل مقارنة بالطائرة الجديدة التي خضعت لعمليات تعديل وتجهيز؛ ونظراً لأن تركيا تشترك في الحدود مع إيران، فإن هذا الإجراء الاحترازي يبدو منطقياً.
واتضح الآن أن ترامب صعد إلى الطائرة القديمة، ثم نُقل سراً عبر شاحنة مخصصة لخدمات التموين إلى طائرة أصغر من طراز "C-32A" تابعة للقوات الجوية، وسافر بتلك الطائرة إلى المملكة المتحدة، حيث واصل الخدعة عبر الصعود خلسة مرة أخرى إلى طائرة "إير فورس وان" القديمة، ثم نزل منها أمام الكاميرات، قبل أن يستقل الطائرة التي أهدتها قطر لرحلة العودة إلى الولايات المتحدة.
وهنا تبرز المسألة الأولى.
ترامب والبيت الأبيض كذبا - حتى بعد زوال التهديد ظاهرياً
-وليس أمراً غير مسبوق- اتخاذ مثل هذه التدابير لحماية الرئيس.
لكن اللافت للنظر هو أن ترامب والبيت الأبيض استمرا في الكذب بشأن الأمر حتى بعد زوال الخطر الظاهر.
كان الرئيس آنذاك بيل كلينتون استخدم طائرة تمويه خلال رحلة إلى باكستان في 2000، حيث وصل على متن طائرة "C-20" غير مميزة بعلامات رسمية، وذلك بعد هبوط طائرة أخرى من طراز "C-20" تحمل بوضوح شعارات أمريكية.
وكان المسؤولون الأمريكيون يخشون أن تتعرض طائرة كلينتون لإسقاط من قبل إرهابيين مثل أسامة بن لادن لكن كلينتون سرعان ما نزل من الطائرة غير المميزة، مما كشف الخدعة للعلن عملياً.
في المقابل، استمر ترامب والبيت الأبيض في التظاهر بأنه سافر بالفعل على متن طائرة "إير فورس وان" القديمة.
وخلال حديث غير رسمي مع الصحفيين في مرحلة العودة من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة حين كان ترامب على متن الطائرة الجديدة، تحدث بشكل عام عن احتمالية مواجهة الطائرة لمخاوف أمنية، لكنه نفى قطعياً وجود أي تهديد محدد.
وسأل أحد المراسلين: "هل تقول إنه لم تكن هناك مخاوف أمنية؟"، فأجاب ترامب: "لا. لا. ولماذا قد تكون هناك مخاوف؟، وعند سؤاله عما إذا كانت هناك "أي مشكلة أخرى"، قال: "لا".
وحين واصل الصحفيون الضغط لمعرفة ما إذا كان هناك تهديد محدد، كان ترامب يتهرب من الإجابة، وقال ترامب: "حسناً، أنا أواجه تهديدات طوال الوقت. أنا رقم واحد في قائمتهم، قبلكم أنتم. ولكن إذا ذهبتُ أنا، فأنتم ستذهبون أيضاً".
الخطة استخدمت الصحفيين والموظفين كأهداف تمويهية - وبدا أنها عرضتهم للخطر
وهنا نصل إلى جانب آخر محفوف بالمخاطر في هذه المسألة؛ ففي حين أنه من المفهوم اتخاذ تدابير واسعة النطاق لحماية الرئيس الأمريكي، إلا أن هذه الخطة تركت العديد من الأشخاص - بمن فيهم الصحفيون وموظفو الإدارة - على متن طائرة "إير فورس وان" القديمة كأهداف تمويهية دون علمهم أو درايتهم، مما وضعهم فعلياً في مرمى الخطر.
وتطرح هذه الأحداث تساؤلات عدة: هل كان هناك بديل لذلك، مثل السماح للآخرين بالسفر على متن طائرات أخرى؟ ولماذا لم يتم إبلاغ الصحفيين؟، فأحياناً يمكن مشاركة مثل هذه المعلومات بموجب اتفاقية حظر النشر المؤقت، حيث يمتلك الصحفيون المعلومة لكن لا يمكنهم نشرها. وبالطبع، فإن إدارة ترامب لا تثق بالصحافة.
وأخيراً، ما هي الاحتياطات التي اتُخذت لحماية الطائرة القديمة؟
قال روبرت ماكدونالد، العميل السابق في الخدمة السرية، لـ CNN: "ستُطرح الآن تساؤلات بشأن التدابير الأمنية التي وُفرت لكل من الطائرتين الأخريين من طراز 747، حيث كان أشخاص - يمثلون الصحافة الأمريكية وموظفي البيت الأبيض - يسافرون على متنهما".
وتجاهل وزير الخارجية ماركو روبيو، الثلاثاء، سؤالاً منCNN عما إذا كانت الإدارة عرضت الصحفيين والموظفين للخطر.
تقويض مزاعم ترامب بشأن ضعف إيران مرة أخرى
فعلى الرغم من أن الكثير من التفاصيل حول التهديد الإيراني المحدد لا تزال غير معلنة، إلا أن حقيقة كون التهديد -على ما يبدو- ذا مصداقية كافية لتبرير هذا التغيير المفاجئ في الخطط، تقوض بشدة ادعاءات ترامب بأن القدرات العسكرية الإيرانية قد دُمرت تماماً.
ولم يكتفِ ترامب بهذا الادعاء فحسب، بل أشار هو ووزير الدفاع بيت هيغسيث تحديداً إلى عجز إيران عن إسقاط الطائرات.
وكان هيغسيث صرح في مارس/ آذار بأن الولايات المتحدة وإسرائيل ستمتلكان قريباً "سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية" و"مجالاً جوياً بلا منازع".
وأضاف ترامب في 24 مارس: "تحلق طائرات فوق طهران ومناطق أخرى من بلادهم؛ وهم عاجزون تماماً عن فعل أي شيء حيال ذلك"، كما صرح بأن إيران لا تملك "بحرية" ولا "جيشاً" ولا "قوات جوية" ولا "أنظمة دفاع جوي".
وبالطبع، وبعد وقت قصير من كل هذه التصريحات، نجحت إيران في أوائل إبريل/ نيسان في إسقاط طائرتين أمريكيتين.
غير أن مجرد طرح فكرة إمكانية إسقاط طائرة الرئيس الأمريكي يقوّض مزاعم ترامب بشكل أكبر وأكثر حدة.
قد يهمك أيضاً
وفي هذا الصدد، قال ديفيد أكسلرود، المستشار السابق في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الاثنين لـ CNN: إذا كانت هناك حاجة لاتخاذ مثل هذه الإجراءات الاستثنائية لحماية الرئيس نظراً لارتفاع مستوى التهديد، فمن حق الشعب الأمريكي أن يعلم أن مستوى التهديد كان مرتفعاً إلى هذا الحد في هذه الحالة تحديداً".
ويثير هذا الأمر المزيد من التساؤلات حول طائرة "إير فورس وان" ومذكرات الاستدعاء المثيرة للجدل الموجهة للصحفيين.
وعلى نطاق أوسع، يزيد هذا التطور من تعقيد قصة محيرة بالفعل تتعلق بطائرة "إير فورس وان"، والمخاوف الأمنية، ومساعي البيت الأبيض للحد من تداول تلك القصة - بما في ذلك إصدار مذكرات استدعاء مثيرة للجدل لصحفيين من صحيفة "نيويورك تايمز".
وكانت هناك بالفعل تساؤلات مشروعة حول القرار الأولي بعدم السماح لترامب بالعودة جواً من تركيا على متن الطائرة التي أهدتها قطر.
فإذا لم تكن تلك الطائرة تتمتع بنفس مستوى أمان الطائرة الرئاسية المعتادة، فلماذا كان ترامب يستخدمها من الأساس، ولا سيما عند التحليق في أجواء دول أجنبية؟ لقد أشار الأمر إلى أن رغبة ترامب في تحليق الطائرة الجديدة المرموقة قد تكون دفعته إلى تجاوز معايير السلامة أو اختصار الإجراءات وهو سلوك متكرر لديه.
ثم اتخذت الإدارة خطوة استثنائية تمثلت في إصدار مذكرات استدعاء لصحفيي "نيويورك تايمز" الذين نشروا تقارير تفيد بأنه تم استبدال الطائرة القطرية بأخرى لأسباب تتعلق بالأمن؛ حيث زعمت الإدارة أن الموقف ينطوي على شخص "يهدد الأمن القومي من خلال تسريب معلومات سرية".
غير أن الإدارة سحبت مذكرات الاستدعاء بعد أسبوعين، وذلك عقب إبداء قاضٍ تشكيكه في الحجة التي ساقتها الإدارة.
كما أفادت مصادرCNN بـ"وجود تحقيق داخلي واسع النطاق داخل الإدارة، شمل مطالبة بعض المسؤولين بتسليم هواتفهم".
ومن المؤكد أن هذه القضية تنطوي على مسائل تتعلق بالأمن القومي. ولكن، إلى أي مدى تهدف هذه الجهود الرامية إلى كشف المسرّبين أيضاً إلى تجنب الحرج الناجم عن قرار ترامب المتسرع -والمحفوف بالمخاطر- بالإصرار على السفر على متن الطائرة التي أهدتها له قطر؟ أو ربما تهدف إلى تجنب الكشف عن استخدام موظفين وصحفيين كأدوات للتمويه؟ أو ربما لم يرغب ترامب ببساطة في الاعتراف بأن إيران تمتلك مثل هذه القدرات.
إقرأ المزيد


