الجزيرة.نت - 8/11/2026 9:35:50 PM - GMT (+3 )
كشف رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق يوسي كوهين، اليوم الثلاثاء، أنهم "تجولوا مرات عديدة في منشأة فوردو النووية في إيران" بهدف فهم طبيعتها، في تصريح يعيد فتح ملف حرب استخباراتية وتخريبية طويلة خاضتها إسرائيل ضد البرنامج النووي الإيراني قبل انتقال المواجهة إلى القصف العسكري المباشر خلال حربي 2025 و2026.
وقال كوهين، الذي ترأس الموساد بين عامي 2016 و2021، خلال مشاركته الثلاثاء في جلسة أمنية ضمن "مؤتمر الجليل" بمدينة صفد، إن قصف الولايات المتحدة منشأة فوردو عام 2025 كان بالنسبة إليه "تحقيقا لكل أحلامه"، معتبرا في الوقت نفسه أن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% "لا يزال بعيدا عن كونه قنبلة نووية".
ففي مارس/آذار 2022، أعلنت إيران إحباط ما وصفته بعملية تخريبية إسرائيلية "معقدة" كانت تستهدف منشأة فوردو قرب مدينة قم، وقال التلفزيون الإيراني حينها إن السلطات اعتقلت عناصر خلية متعاونة مع الموساد كانت تخطط لتنفيذ عمل تخريبي داخل المنشأة.
ووفق الرواية الإيرانية، عملت الخطة على تجنيد أشخاص للتقرب من فنيين يعملون في قسم أجهزة الطرد المركزي من الجيل السادس داخل فوردو، كما قالت إن ضابطا في الموساد تواصل مع أحد الفنيين وحصل منه على معلومات عن المنشأة.
وبعد أكثر من 3 سنوات، أصبحت فوردو واحدة من أعقد أهداف الحرب الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني. فمع بدء عملية "الأسد الصاعد" في يونيو/حزيران 2025، تمكنت إسرائيل من ضرب منشآت نووية أخرى، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت في الأيام الأولى إنه لم يظهر ضرر واضح في فوردو، الواقعة في عمق الجبال، بينما أقر الجيش الإسرائيلي بأن تدميرها يتطلب مشاركة أمريكية لعدم امتلاك إسرائيل الذخائر اللازمة لاختراق تحصيناتها.
إعلان
وفي 22 يونيو/حزيران 2025 دخلت الولايات المتحدة المواجهة مباشرة، وأعلن الرئيس دونالد ترمب أن القوات الأمريكية قصفت فوردو ونطنز وأصفهان، مستخدمة قاذفات "بي-2" وقنابل خارقة للتحصينات ضد فوردو، قبل أن يعلن أن الموقع "انتهى".
نطنز.. البداية من الداخللكن فوردو لم تكن البداية، فقد كانت منشأة نطنز، أحد أهم مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران، ميدانا مبكرا للحرب السرية على البرنامج النووي.
وفي منتصف عام 2008، أعلنت إيران تعرض نطنز لعملية تخريب اتضح لاحقا ارتباطها بفيروس "ستاكسنت"، الذي تسبب في تعطيل أعداد كبيرة من أجهزة الطرد المركزي. وكشف تحقيق هولندي أن مهندسا هولنديا يدعى إريك فان سابين شارك في إدخال البرمجية الخبيثة إلى المنشأة ضمن عملية سرية شاركت فيها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد الإسرائيلي، بمساعدة استخباراتية هولندية.
ووفق التحقيق، تمكن فان سابين عام 2007 من تركيب معدات تحمل البرمجية الخبيثة داخل المنشأة شديدة الحراسة، مما أدى لاحقا إلى تعطيل نحو ألف جهاز طرد مركزي، في عملية استهدفت إلحاق الضرر بالبرنامج من دون أن تعرف إيران في البداية مصدر التخريب.
ولم يتوقف استهداف نطنز عند الهجمات الإلكترونية، إذ تعرضت المنشأة خلال السنوات التالية لتفجيرات وعمليات تخريب في أنظمة الكهرباء نُسبت إلى إسرائيل، قبل أن تصبح لاحقا هدفا للغارات الجوية المباشرة.
وفي عهد كوهين نفسه، انتقلت عمليات الموساد إلى مستوى آخر مع سرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران.
وذكرت صحيفة "إسرائيل هيوم" أن الموساد بدأ عام 2016 تتبع عملية جمع إيرانية لوثائق مرتبطة بالبرنامج النووي ونقلها إلى مستودع في منطقة صناعية جنوبي طهران، قبل أن يأمر كوهين عناصر الجهاز بالاستعداد للاستيلاء عليها.
وفي يناير/كانون الثاني 2018، اقتحم عناصر للموساد المستودع، وفقا للرواية الإسرائيلية، واستولوا على نحو نصف طن من الوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وقالت الصحيفة إن بعض المواد كشفت لإسرائيل مواقع وأنشطة لم تكن معروفة لديها من قبل.
وضم الأرشيف الذي استولى عليه الموساد نحو 55 ألف صفحة و183 قرصا مدمجا، واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الوثائق لاحقا في مساعيه لإقناع ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي.
الحرب على "العقول النووية"وبالتوازي مع المنشآت والوثائق، امتدت العمليات الإسرائيلية إلى العلماء المرتبطين بالبرنامج النووي.
وخلال حرب يونيو/حزيران 2025، قالت إسرائيل إنها اغتالت 11 عالما نوويا إيرانيا، بينهم شخصيات عملت في مجالات مرتبطة بتخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي. وأعلن الجيش الإسرائيلي بعد الحرب أن عملياته ألحقت أضرارا بالمنشآت النووية المركزية ودمرت آلاف أجهزة الطرد المركزي ومراكز بحث وتطوير.
وكشف تحقيق لصحيفة واشنطن بوست أن استهداف العلماء لم يكن عملا ارتجاليا رافق الحرب، بل سبقته سنوات من جمع ملفات استخباراتية عن العلماء وتحركاتهم ومنازلهم وشبكات علاقاتهم، قبل تقليص قائمة أولية تضم نحو 100 اسم إلى نحو 12 شخصا اعتُبروا غير قابلين للتعويض على المدى القريب.
إعلان
وكان هذا المسار امتدادا لعمليات أقدم، أبرزها اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
عملاء يمهدون الطريق للطائرات
وكشف تحقيق نُشر في أغسطس/آب 2025 أن إسرائيل بنت على مدى سنوات شبكة من المعارضين الإيرانيين والعملاء الأجانب بهدف جمع المعلومات واستهداف شخصيات وتعطيل منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، في إطار عمل استخباراتي استهدف أيضا تهيئة ظروف الهجوم العسكري.
ووفق التحقيق، جرى تفعيل شبكة واسعة من العملاء داخل إيران في اليوم الثاني من حرب يونيو/حزيران لتنفيذ ضربات منسقة ضد أنظمة الدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ، كما استخدمت الاستخبارات الإسرائيلية شركات وهمية لإدخال معدات إلى البلاد، ونشرت عناصر مدربة في مناطق مختلفة لتنفيذ العمليات.
وبذلك لم يعد دور الاستخبارات يقتصر على معرفة ما يجري داخل المنشآت النووية أو محاولة تخريبها، بل امتد إلى إضعاف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية تمهيدا لعمل سلاح الجو.
من حرب الظل إلى 200 طائرةوفي 13 يونيو/حزيران 2025، خرجت المواجهة إلى العلن على نطاق غير مسبوق، حين شنت إسرائيل عملية "الأسد الصاعد" مستخدمة أكثر من 200 طائرة مقاتلة لاستهداف منشآت نووية وعسكرية وقيادات أمنية وعسكرية وبحثية داخل إيران. وكانت نطنز من أبرز المواقع التي تعرضت للقصف.
وبعد أيام، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن تحليل صور الأقمار الصناعية أظهر إصابة مباشرة لقاعات التخصيب الواقعة تحت الأرض في نطنز.
لكن فوردو بقيت خارج قدرة إسرائيل العسكرية المباشرة بسبب تحصينها داخل الجبل، إلى أن تدخلت الولايات المتحدة وقصفتها إلى جانب نطنز وأصفهان، وهي الضربة التي يصفها كوهين الآن بأنها حققت "كل أحلامه".
القصف عاد في 2026ولم تنتهِ حملة استهداف المنشآت النووية عند حرب الأيام الـ12، ففي مارس/آذار 2026 أعلنت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية أن منشأة نطنز تعرضت مجددا لهجمات أمريكية إسرائيلية، ثم تعرضت في 21 من الشهر ذاته لضربة جديدة، بينما قالت هيئة البث الإسرائيلية إن واشنطن استخدمت فيها قنابل خارقة للتحصينات.
وهكذا تضع تصريحات كوهين الجديدة فوردو في نهاية مسار طويل بدأ قبل سنوات طويلة بالاختراق والتخريب والاستهداف، وانتهى بانتقال المواجهة من عمليات الموساد السرية إلى القصف الجوي الإسرائيلي والأمريكي للمنشآت النووية.
إقرأ المزيد


