الجزيرة.نت - 8/11/2026 8:56:34 PM - GMT (+3 )
Published On 11/8/2026
|آخر تحديث: 20:51 (توقيت مكة)
اتجهت السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى اقتباس عدد متزايد من الروايات وتحويلها إلى أفلام سينمائية، أشهرها "عمارة يعقوبيان" و"تراب الماس" و"هيبتا" وغيرها، لكن فيلم "إذما" يخوض التجربة من زاوية مختلفة؛ فصاحب الرواية محمد صادق لا يكتفي بمتابعة انتقال نصه إلى الشاشة، بل يتولى بنفسه إخراجه، بعد أن وصلت أعماله السابقة إلى السينما من خلال مخرجين آخرين.
درس صادق الإخراج في مشروع استغرق تحضيره سبع سنوات استعدادا لهذه التجربة، وهي خطوة تحمل قدرا من المخاطرة، لأن الرواية تعتمد على المشاعر والأفكار الداخلية للشخصيات، وهي عناصر تجد مساحتها بسهولة على الورق، لكن ترجمتها إلى صورة تحتاج إلى أدوات مختلفة.
تحول "إذما" من مجرد اقتباس سينمائي إلى اختبار لصاحب النص نفسه، وقدرته على الابتعاد عن عالمه المكتوب ثم النظر إليه من خلف الكاميرا، فهل يكفي "ذلك الابتعاد" الكاتب ليتعرف على شخصياته جيدا ويعرف كيف يراها؟
تدور قصة الفيلم حول عيسى الشواف، الذي يجد نفسه وحيدا ومثقلا بخسارات حياته وهزائمه المتراكمة في عيد ميلاده السادس والثلاثين. وحين تصل إليه رسالة غامضة تركها لنفسه قبل 18 عاما، تعود إليه ذكرى لعبة نسيها تماما، تقوم على سلسلة من الأوامر تقوده إلى كنوز رمزية صممها في صباه، لترشده إذا تاه يوما عن نفسه.
وبينما يحاول استعادة ما فقده من شغف وذاكرة، تعود إلى حياته صديقة طفولته سيرا، لترافقه في رحلة يعيد خلالها النظر في ماضيه ومخاوفه وأحلامه القديمة.
يتحرك الفيلم بين مرحلتين زمنيتين، لتصبح الثنائية جزءا من بناء الحكاية، وتفتح الرحلة سؤالا أعمق: ماذا يحدث عندما يلتقي الإنسان بما كان يريده لنفسه قبل أن تغيره الحياة؟
من الرواية إلى الشاشة.. ماذا تغيّر؟تظل رواية "إذما" الصادرة عام 2020 أكثر اتساعا من الفيلم، لأنها تمنح رحلة عيسى وقتا أكبر لتتراكم مشاعره وعلاقاته وأفكاره. ومع احتفاظ الفيلم بالفكرة الأساسية، حذف صادق كثيرا من التفاصيل، وغيّر بعض الأوامر والكنوز، وأعاد صياغة خطوط درامية، وصولا إلى نهاية مختلفة، مما يجعلنا أمام معالجة جديدة أكثر من كونها اختصارا للنص.
إعلان
أفادت هذه التغييرات الفيلم في تكثيف الرحلة، لكنها جعلت دوافع الشخصيات أقل وضوحا، خصوصا في علاقة عيسى بطليقته، كما فقدت الأوامر والكنوز بعض وزنها العاطفي بعدما تحولت إلى وسيلة لربط محطات الرحلة بالماضي والحاضر.
في المقابل، يستفيد الفيلم من أداء الممثلين والكيمياء بين عيسى وسيرا والانتقال البصري بين مرحلتي العمر، وإن كانت النهاية المختلفة أقل وقعا من النهاية الأدبية. ولهذا قد تبدو الرواية أعمق من حيث البناء والتفاصيل، بينما ينجح الفيلم في الوقوف على قدميه بوصفه عملا مستقلا يمكن مشاهدته بمعزل عن النص الأصلي.
كاميرا الروائي.. هل خدم صادق روايته أم قيّدها؟تكمن خصوصية "إذما" في أن محمد صادق لم يكتف بكتابة الرواية والسيناريو، بل اختار الوقوف خلف الكاميرا، مستفيدا من معرفته الدقيقة بالشخصيات ودوافعها وعالمها الداخلي، وهو ما جعل المشاعر أكثر قربا من أصحابها، وتحمل نضجا في تشريحها.
ويبرز ذلك في تحول تسجيلات الفيديو القديمة إلى جزء من ذاكرة عيسى لا مجرد وسيلة لعرض "الفلاش باك"، فتغدو الكاميرا نفسها جزءا من رحلته في استعادة حياته وفهم ماضيه. لكن هذه المعرفة تحولت في أكثر من موضع إلى عبء إخراجي؛ إذ يبدو صادق شديد القرب من مادته، إلى درجة لا تسمح دائما بالمسافة التي يحتاجها المخرج لإعادة ترتيب النص بصريا وإيقاعيا.
وتظهر المشكلة في المونتاج وانتقالات المشاهد، إلى جانب ميل بعض اللحظات إلى شرح الفكرة بدلا من ترك الصورة والأداء يقومان بالمهمة. لذلك تبدو تجربته واعدة من ناحية الحساسية تجاه الشخصيات والزمن، لكنها أقل إحكاما في إدارة الفيلم بوصفه عملا سينمائيا مستقلا، خصوصا عند مقارنتها بـ"هيبتا" و"بضع ساعات في يوم ما".
حين تصبح الرحلة أهم من اللغزيعتمد سرد "إذما" على سلسلة من الاكتشافات التي تعيد ترتيب علاقة عيسى بماضيه وسيرا والحلم الذي تركه خلفه، ويكون الفيلم أكثر قوة حين يستخدمها لفهم تحولات الشخصية. لكن هذا البناء لا يحافظ دائما على الدرجة نفسها من التشويق؛ إذ يمكن توقع وظيفة بعض المحطات قبل الوصول إليها.
ومع ذلك، يتجنب الفيلم الاعتماد على مفاجأة واحدة كبرى، ويفضل كشف المعلومات بالتدريج، وهو اختيار يخدم جوهر الحكاية؛ فالمغزى لا يكمن في معرفة ما حدث لعيسى بقدر ما يكمن في أن يصل إلى فهم مختلف لنفسه ولحياته.
التفاصيل الصغيرة تصنع الصدقيأتي التمثيل إحدى نقاط قوة العمل، وفي مقدمته أحمد داود، الذي يمثل مركز الثقل الحقيقي في الفيلم، ويمنح عيسى حضورا صادقا يوازن بين الخيبة والحنين والرغبة في البدء من جديد، خصوصا في نظراته وتردده واستقباله التسجيلات القديمة، في حين تنجح جيسيكا حسام الدين في تقديم سيرا المراهقة بعفوية وطاقة لافتة.
أما حمزة دياب وسلمى أبو ضيف، فيبذلان جهدا واضحا في الاقتراب من الشخصيات، لكن هذا الاقتراب لا يحافظ على ثباته طوال الوقت، إذ يتماسك الأداء في بعض المشاهد بينما يبدو في أخرى أقرب إلى محض محاولة، وهو تفاوت يكشف أن الفيلم لم يمنحهما دائما المساحة الإخراجية الكافية لتثبيته. ومع ذلك، منحت الكيمياء بين داود وسلمى علاقتهما قدرا من الانسيابية.
إعلان
وتقدّم بسنت شوقي أداء لافتا رغم محدودية مساحتها، لكن المشكلة هنا في الكتابة لا التمثيل، فالشخصية التي كانت أكثر اتضاحا في الرواية تبدو في الفيلم مختصرة إلى مشاهد مبتورة لا تمنحها حقها من السياق.
مفاجأة في شباك التذاكرتجاريا، أثبت "إذما" أنه أكثر قدرة على الصمود مما أوحت به بدايته، فبعد انطلاقه وسط منافسة أفلام أكبر جماهيريا، صعد تدريجيا في شباك التذاكر محققا 55.4 مليون جنيه (نحو 1.1 مليون دولار). ورغم أن الرقم لا يضعه في منطقة الإيرادات الضخمة فإن أهمية التجربة تكمن في مسارها؛ فقد استطاع الفيلم الاحتفاظ بجمهوره لأسابيع بعد انحسار زخم الموسم، ليصبح إحدى مفاجآت شباك التذاكر التي صنعتها قدرته على الاستمرار.
مغامرة تستحق التوقف عندهايظل "إذما" تجربة تحمل قيمة تتجاوز نجاحها أو تعثرها في بعض التفاصيل. فالفيلم لا يقدّم نموذجا مثاليا لتحويل الرواية إلى سينما، لكنه يكشف ما قد يحدث عندما يقرر صاحب الحكاية تحمّل مسؤولية رؤيتها بنفسه، بكل ما يمنحه ذلك من قرب وما يفرضه من تحديات. وفي صناعة تميل إلى الأسماء المضمونة والوصفات المجربة، يظل استعداد كاتب لخوض مغامرة مختلفة، ثم ترك الجمهور يحكم عليها، أمرا يستحق التوقف عنده.
إقرأ المزيد


