شاهد.. ماذا يكتب المستوطنون على المباني الفلسطينية بالضفة؟
الجزيرة.نت -

نابلس – أصبح جدار مدرسة قرية جالود، جنوبي نابلس بالضفة الغربية، واجهة يخط عليها المستوطنون شعارات عنصرية وتحريضية، إذ باتت جدران المنازل والمنشآت الفلسطينية بالضفة الغربية مساحات للتحريض والعنصرية.

وتحت جنح الظلام أو في وضح النهار، يقتحم المستوطنون مناطق فلسطينية مستهدفة ويخطون على جدرانها عبارات قصيرة تحمل في طياتها التهديد والوعيد كالدعوات للانتقام من أهالي تلك القرية، أو مطالبتهم بالرحيل، وأخرى تحمل غلافا دينيا يستحضر نصوصا توراتية لتبرير ارتكاب الجرائم.

والعبارات المخطوطة على جدران منازل ومؤسسات قرية جالود (27 كيلومترا جنوب مدينة نابلس)، ليست الأولى ولا الأخيرة إذ توثّق شهادات سكانها ومسؤوليها المحليين نمطا متكررا من الشعارات التي يكتبها المستوطنون بعد كل هجوم.

قرية جالود تعرضت ولا تزال لهجمات عنيفة من المستوطنين الذين خطّوا شعارات معادية على جدرانها (الجزيرة)
ليست مجرد شعارات

يقول المواطن مصباح الحج محمد إن اعتداءات المستوطنين على جالود يتبعها في العادة تدوين شعارات عنصرية متطرفة، من أبرزها كلمة "الانتقام"، وأخرى تجمع بين "الانتقام والعودة إلى البيت". ويضيف أن بعض هذه الكتابات تحمل أسماء مستوطنين نفذوا عمليات سابقة، "كأنها رسالة تحد إلى سكان البلدة والقرى المجاورة".

ويوضح للجزيرة نت أن مدرسة القرية استُهدفت أكثر من مرة بشعارات من قبيل "الانتقام" و"احترقوا في الجحيم"، معتبراً أن الرسالة موجهة تحديدا للأطفال بمعنى: "خافوا أيها الطلاب، ولا تأتوا إلى مدارسكم".

كما أن شعارات أخرى كُتبت بصيغة مباشرة مثل "اخرجوا من القرية"، لأنهم "يريدون إيصال هذه الرسالة.. ارحلوا؛ لأن القتل والتهجير قادم لا محالة".

رئيس المجلس القروي رائد الحج محمد: الفلسطينيون يقابلون شعارات المستوطنين الداعية لتهجيرهم بالصمود (الجزيرة)
عبارات "تصفوية"

بدوره يصف رئيس المجلس القروي رائد الحج محمد الشعارات التي يخطّها المستوطنون على جدران المنازل والمدرسة في جالود بأنها "عنصرية وتصفوية"، تحمل تهديدات بالانتقام بعد طوفان الأقصى أو أي حدث يمس اليهود في أي مكان. ويقول: "عندما يُقتل جندي في غزة، ينتقمون هنا، ويكتبون أسماء قتلاهم على جدراننا".

إعلان

ويوضح للجزيرة نت أن هناك شعارات معروفة تستخدمها مجموعات "فتية التلال"، وهي مجموعات مستوطنين تهاجم القرى الفلسطينية وتحتل أعلى تلال الضفة الغربية.

ويدعو هؤلاء صراحة لرحيل الفلسطينيين، ويزعمون أن المستوطنين هم "أحفاد إبراهيم" وأصحاب الأرض الحقيقيون، في تزوير للحقائق وتغليب رواية الاحتلال وتصوير الفلسطيني بوصفه غريبا عن أرضه.

ولا يتجاوز عدد سكان جالود 1000 نسمة، وأقامت الجمعيات الاستيطانية على أراضيها البالغة مساحتها 23 ألف دونم (الدونم = ألف متر مربع) 13 مستوطنة وبؤرة استيطانية.

وتواجه القرية تصعيدا خطيرا في هجمات المستوطنين، حيث تعرضت منذ يناير/كانون الثاني الماضي إلى خمسة اعتداءات كبيرة، كان آخرها هجوم وقع في 4 أغسطس/آب 2026 استهدف بناية سكنية في القرية، أحرق خلاله المستوطنون مركبات للمواطنين وخطّوا شعارات عنصرية على المكان.

ورافقت هذه الاعتداءات كتابات عنصرية على جدران المنازل والمرافق العامة مثل المدرسة والمجلس القروي، حسب رائد الحج محمد.

ويؤكد المسؤول المحلي أن الهجمات والتهديدات المكتوبة لم تنجح في إحداث تغيير في الواقع الديموغرافي؛ حيث يقابل السكان تلك الشعارات بمبادرات فورية للترميم وإعادة التأهيل، ومسح الشعارات أولا بأول مؤكدين على استمرارية وجودهم في تلك المناطق كخيار إستراتيجي يتجاوز أثر التهديدات المكتوبة.

"الموت للعرب"

يؤكد الباحث في الشأن الإسرائيلي، عزام أبو العدس، أن ما يكتبه المستوطنون على الجدران ليست كلمات عابرة، بل "انعكاس لمفاهيم أيديولوجية عميقة"، مستشهدا بشعار "الموت للعرب" الذي يصفه بأنه "دعوة صريحة للإبادة الجماعية، ضمن رؤية استيطانية إحلالية تسعى لبلوغ حالة صفر عربي في المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط".

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن فكرة الإبادة باتت "تيارا سائدا" في المجتمع الإسرائيلي منذ بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ ترسّخت في الوعي الجمعي قناعة بأن حل "المشكلة الفلسطينية" كما يصفونها، لا يتحقق إلا عبر تغيير جذري جغرافي وديموغرافي، يعني إبادة الفلسطينيين أو طردهم نهائيا، وتدمير البيئة العمرانية التي يقطنونها للتخلص من وجودهم تماما.

ويتوقف أبو العدس عند شعار "تدفيع الثمن"، موضحا أن المستوطنين ينظرون إلى وجود الفلسطيني فوق أرضه باعتباره "جريمة" تستوجب العقاب؛ فمن منظور أيديولوجي، يرى المستوطن أن الفلسطيني هو "المحتل" لهذه الأرض، وبالتالي يتوجب عليه أن يدفع ثمن بقائه وحياته فيها، ويستمر هذا الابتزاز والاعتداء حتى يُجبر على الرحيل والخروج من أرضه نهائيا.

كما أن هذه الشعارات -يضيف الخبير الفلسطيني- كثيرا ما تتضمن أسماء مستوطنين قُتلوا في عمليات سابقة، تُكتب على جدران المنازل المستهدفة بالحرق أو التخريب كإشارة إلى أن الاعتداء "عمل انتقامي لذكراهم".

عبارة "الانتقام" و "العودة إلى البيت" من الشعارات التي خطّها المستوطنون في جالود جنوب نابلس (الجزيرة)
الدين لتبرير القتل

ويرى أبو العدس أن هناك تصاعدا في الشعارات التي تمجّد "الهيكل المزعوم"، وهي شعارات تمنح الصراع صبغته الدينية النهائية، إذ يتمثل الهدف الأسمى لهذه الجماعات في هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه.

إعلان

ويلفت إلى ظاهرة جديدة لم تكن معهودة بهذا الزخم قبل "طوفان الأقصى"، تتمثل في قيام المستوطنين برسم صور تعبيرية للهيكل عقب تنفيذ عمليات الحرق أو الاستهداف، كإشارة إلى أن الهدف هو إقامة "مملكة اليهود الكبرى".

ويشير أيضا إلى خليط معقد يجمع بين التحريض السياسي والرسائل الدينية المستمدة من التوراة، حيث يتم توظيف نصوص دينية للتحريض على قتل "الأغيار" (غير اليهود) والأعداء، من قبيل عبارة "الآتي لقتلك بادر بقتله"، إلى جانب شعارات تتحدث عن "وعد الرب" بأن هذه الأرض ملك حصري لـ"أبناء إبراهيم" وفق زعمهم.

ويرى أن هذا المزيج الأيديولوجي يهدف في النهاية إلى تبرير الإبادة الجماعية وتثبيت الرواية الصهيونية على الأرض.

"لا نخاف" و"الموت للعرب" و"أتينا للانتقام" شعارات للمستوطنين على جدران مسجد قصرة جنوب نابلس بعد إحراقه (الجزيرة)
الحرق و"دفع الثمن"

من جهته، يربط الباحث في الشأن الإسرائيلي، وليد حباس، عبارات مثل "الحرق" و"الموت للعرب" بمجموعات "دفع الثمن" الاستيطانية المنبثقة عن تيار "شبيبة التلال"، موضحا أن هذه المجموعات "تريد أن تعاقب الوجود الفلسطيني نفسه لأنه يعرقل مشروع السيطرة على الأرض وليس فقط لأنه قام بالمقاومة".

ويوضح حباس للجزيرة نت أن حرق المزروعات والمساجد والمنازل تحديدا "ليس اختيارا عشوائيا"، إذ يستهدف البيت والشجرة والحقل، أي مقوّمات البقاء والارتباط بالمكان، ويرى أن هذه الكتابات تعمل على ثلاثة مستويات متكاملة:

  • تجريد الفلسطيني من إنسانيته عبر تحويله إلى رمز للشر المطلق، ما يجعل إيذاءه مقبولا.
  • منح الإرهاب "غطاء مقدسا" يرفعه فوق القانون ويعفي مرتكبه من أي مساءلة.
  • ترسيخ معادلة مفادها أن الأرض "لا تتّسع لشعبين"، وأن حسمها يكون بالطرد لا بالتقاسم.

وينبّه حباس إلى أن هذه الرسائل ليست موجهة أساسا إلى الفلسطيني الذي قد لا يقرأ العبرية، بل تعمل كـ"علامة تملّك" تخاطب المستوطنين الآخرين والدولة والجمهور الإسرائيلي. وبالتالي، فإن "الجدار الفلسطيني يتحوّل إلى راية تُعلن أنّ المكان صار، رمزيا، أرضا مستعادة".

ويتوقف حباس عند صورة مسجد تبدو عليه آثار الحرق، تعلوه كتابات عبرية في بلدة قصرة جنوب نابلس، معتبراً أن استهدف المسجد "ليس انتقاما من فرد، بل ضرب للبنية الجامعة التي تُنتج الهوية الجماعية والارتباط بالمكان".

غياب العقاب وصمود الفلسطيني

أما النجمة السداسية المرسومة بجانب الكتابة فتعمل، بحسب حباس، كـ"توقيع سيادي" يقول إن "هذا المكان يخضع لنا"، إذ يُستعمل الرمز الديني القومي أداة لتعليم الأرض تماما كما تُعلَّم الحدود والملكيات.

ويخلص الباحث حباس إلى ما يصفه بالأخطر؛ فالكتابة، كما يقول، "فجة وسريعة وغير مخفية"، وتُرسم على واجهة تطلّ على الطريق العام بحيث تُرى وتُصوَّر.

ويعتبر أن هذا الوضوح المتعمد "ليس تهورا"، بل "إعلان ثقة بأنّ الفاعل لن يُحاسَب" وأن "علنية الجريمة نفسها رسالة عن موازين القوى وعن تواطؤ بنيوي يجعل هذا العنف ممكنا ومتكررا".

مصباح الحج محمد مواطن من جالود يتحدث عن عنصرية شعارات المستوطنين (الجزيرة)
مركبة أحرقها المستوطنون في جالود خلال هجماتهم واعتداءاتهم مؤخرا على القرية (الجزيرة)
"الانتقام" و "اذهبوا إلى الجحيم" كتابات خطّها المستوطنون على جدران مدرسة جالود (الجزيرة)
مستوطنة شيلو الملاصقة لبلدة جالود حيث يتسلل المستوطنون منها ومن غيرها ويهاجمون القرى الفلسطينية (الجزيرة)
مستوطنة "شفوت راحيل" المقامة على أراضي قرية جالود جنوب نابلس (الجزيرة)
من كتابات المستوطنين "نحن لا نخاف، الموت للعرب" (الجزيرة)


إقرأ المزيد