الجزيرة.نت - 8/11/2026 2:32:51 AM - GMT (+3 )
طهران – لم تقتصر التعيينات العسكرية الجديدة في إيران على ملء المواقع التي شغرت بعد مقتل عدد من كبار القادة، إذ تكشف صياغة القرارات والمهام الممنوحة للمسؤولين الجدد عن توجه نحو قيادة أسرع أداءً، وجاهزية هجومية أكبر، وتوسيع دور الباسيج في الأمن القائم على المشاركة الشعبية.
وأصدر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي قرارات بتعيين اللواء الطيار في الحرس الثوري علي عبد اللهي رئيسا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والعميد كيومرث حيدري نائبا له، واللواء أحمد وحيدي قائدا عاما للحرس الثوري، واللواء مصطفى إيزدي نائبا له.
كما عين الأميرال علي عظمايي قائدا للقوة البحرية التابعة للحرس، وحسين طائب رئيسا لقوات التعبئة الشعبية "الباسيج".
وجاءت الحزمة الجديدة بعد يوم من تعيين محسن رضائي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، في سياق أوسع لإعادة ترتيب دوائر القرار الأمني والعسكري، غير أن القرارات الأخيرة تستهدف مباشرة بنية القيادة العملياتية للقوات المسلحة والحرس والباسيج.
ارتبطت أربعة من المناصب الستة مباشرة بخسائر تعرضت لها القيادة العسكرية خلال الحرب. فقد خلف عبد اللهي الفريق عبد الرحيم موسوي في رئاسة هيئة الأركان، وحل وحيدي محل محمد باكبور في قيادة الحرس، وتولى عظمايي قيادة القوة البحرية خلفا لعلي رضا تنغسيري، بينما خلف طائب غلام رضا سليماني في رئاسة الباسيج.
وبحسب الباحث في الشؤون الإستراتيجية مصطفى خوش جشم، فإن تعيين عبد اللهي يمثل استمرارا للتسلسل القيادي، إذ كان نائبا لموسوي وتولى إدارة هيئة الأركان خلال الحرب، قبل تثبيته رسميا في المنصب.
وحدد في حديثه للجزيرة نت ثلاث مهام رئيسية لهذا التعيين، هي رفع الجاهزية الدفاعية والأمنية للقوات المسلحة والباسيج، وتأمين القدرة على الرد الفعال وفي الوقت المناسب على التهديدات العسكرية التقليدية والحديثة، بما فيها الحروب المعرفية والمركبة، واستكمال دمج هيئة الأركان العامة مع مقر خاتم الأنبياء المركزي.
إعلان
ويرى المحلل السياسي الإيراني حسين باك أن اختيار عبد اللهي ارتبط بدوره السابق في بدء عملية الدمج بين هيئة الأركان ومقر خاتم الأنبياء، ولذلك أسندت إليه مهمة استكمال المشروع بعد تعيينه رئيسا للهيئة.
أما تعيين كيومرث حيدري، القائد السابق للقوة البرية في الجيش، نائبا لرئيس هيئة الأركان، فيعتبره باك منسجما مع التقليد المتبع في توزيع المواقع بين الجيش والحرس، إذ يعين نائب من الجيش عندما يكون رئيس هيئة الأركان من الحرس.
ويرجح باك في حديثه للجزيرة نت أن يكون اختياره مرتبطا أيضا بزيادة التركيز على تجهيز القوات البرية في الجيش والحرس ورفع جاهزيتها، في حين كلفه المرشد بتطوير القدرات الدفاعية والأمنية والاهتمام بالأوضاع المعنوية والمعيشية للعسكريين.
قيادة أسرعيرى الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في طهران، علي أكبر داريني أن القادة الذين تسلموا المواقع الجديدة أقل ميلا إلى التحفظ وأكثر وضوحا وحسما في القيادة وتنفيذ العمليات.
ويقول للجزيرة نت إن التغييرات قد تساعد القوات المسلحة الإيرانية على اتخاذ القرارات والتحرك بسرعة أكبر، بما يعزز قدرتها على الدفاع عن البلاد وتنفيذ خططها العسكرية.
ويتجاوز داريني البعد التنظيمي ليضع التعيينات ضمن ما يصفه بتغيير كبير في العقيدة العسكرية والأمنية الإيرانية، قائلا إن طهران تجاوزت مرحلة ضبط النفس والمقاربات المحافظة، وانتقلت إلى تبني نهج هجومي.
ويعتقد أن المقاربة الدفاعية وحدها لا تحقق نتيجة في مواجهة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأن طهران باتت ترى في المبادرة الهجومية وسيلة أكثر فاعلية لمنع القوات الأمريكية من استكمال استعداداتها قبل بدء أي عملية.
ويستشهد داريني بالهجوم الذي أعلنت إيران أنه استهدف أربعة مواقع عسكرية أمريكية في قاعدة الأزرق الجوية ومركزا للقيادة والسيطرة في الأردن، ويرى فيه مثالا على انتقال طهران إلى مفهوم الضربات الاستباقية.
وكانت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية قد نقلت عن الحرس الثوري إعلانه استهداف أربعة أهداف أمريكية في الأزرق، في حين يرفض الأردن توصيف المنشآت الموجودة على أراضيه بأنها قواعد أمريكية، ويقول إن وجود القوات الأمريكية تحكمه اتفاقية تعاون دفاعي ثنائية تحترم السيادة الأردنية.
وبحسب داريني، لم تعد إيران تنتظر حتى تحشد أمريكا قواتها وتبدأ الهجوم ثم ترد عليه، بل قد تتحرك عندما ترصد تجمعات عسكرية أو استعدادات تعتبرها تمهيدا لعمل هجومي.
ويضيف أن طهران تسعى إلى امتلاك زمام التصعيد والسيطرة على سلمه، ولم تعد تخشى رفع واشنطن مستوى المواجهة، بعدما أعدت خططا وتكتيكات للتعامل مع سيناريوهات مختلفة. ويلخص ذلك بالقول: "إذا صعدت أمريكا درجة واحدة على سلم التصعيد، فستصعد إيران درجتين".
الردع والهجومبرزت اللغة الهجومية بصورة أوضح في قرار تعيين أحمد وحيدي قائدا عاما للحرس الثوري، إذ منحه المرشد رتبة لواء وكلفه بالارتقاء المستمر والشامل بالقدرات لتحقيق "أقصى درجات الردع، والاستعداد الذكي لتنفيذ عمليات هجومية قوية ضد العدو".
كما طلب منه تطوير مهارات الإدارة والقيادة داخل التسلسل التنظيمي للحرس، إلى جانب تعزيز الجوانب العقائدية والمعنوية في صفوف القادة والعناصر.
إعلان
ويرى حسين باك أن اختيار وحيدي يعكس رضا المرشد عن مسار إدارة الحرس خلال الحرب، بينما يربط خوش جشم التعيين باتجاه العقيدة العسكرية الإيرانية نحو نهج أكثر هجوما.
وبحسب خوش جشم، ترجح طهران احتمال اتساع نطاق الحرب خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، ولذلك تعمل على رفع قدراتها الهجومية والاستعداد لمواجهة طويلة، بما قد يشمل توسيع خيارات العمليات الاستباقية.
لكنه يشدد على أن هذا الاستنتاج يمثل تقديرا لمسار التحول العسكري، وليس إعلانا رسميا بأن إيران اتخذت قرارا بتنفيذ عمليات استباقية جديدة.
أما مصطفى إيزدي، نائب قائد الحرس، فكلف برفع مستوى الجاهزية التنظيمية وتوزيع الأدوار والمهام وفق توجيهات القائد العام، مما يمنح القيادة الجديدة دورا في إعادة ترتيب المسؤوليات داخل المؤسسة بالتزامن مع إدارة العمليات الجارية.
هرمز والواجهة البحريةيحمل تعيين علي عظمايي قائدا للقوة البحرية التابعة للحرس أهمية خاصة في ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز وموقعه في الحرب والمفاوضات المتعلقة بإدارة الملاحة.
وبحسب قرارات التعيين المنشورة على الموقع الرسمي للمرشد، كلف عظمايي بتطوير التدريبات والمهارات والمعدات والإمكانات البحرية، وتعزيز الإحاطة الاستخباراتية والجاهزية القتالية.
وشدد القرار كذلك على التنسيق بين القوة البحرية للحرس ونظيرتها في الجيش وبقية المؤسسات العسكرية والمدنية المعنية.
ويرى خوش جشم أن اختيار عظمايي يأتي في إطار استمرار النهج الهجومي للقوة البحرية التابعة للحرس، ويرجح أن يقود إلى تكثيف النشاط الإيراني في مضيق هرمز.
الأمن الشعبييختلف تعيين حسين طائب رئيسا للباسيج عن بقية التعيينات، بالنظر إلى خلفيته الطويلة في رئاسة جهاز استخبارات الحرس، وطبيعة المنظمة التي تجمع بين الأدوار العسكرية والأمنية والاجتماعية والإعلامية.
وحدد قرار تعيينه جملة من المهام، بينها توسيع ثقافة التعبئة والمقاومة لتحقيق شعار "كل إيراني عنصر في الباسيج"، وتعزيز شبكة المعلومات الشعبية، واستخدام التقنيات الحديثة في مواجهة التهديدات.
كما شملت المهام توسيع مجموعات العمل والخدمات الاجتماعية المنطلقة من المساجد، وتعزيز حضور الباسيج في الأحياء والقطاعات المهنية والاجتماعية.
ويرى حسين باك أن الهدف من تعيين طائب هو إعادة الباسيج من إطار تنظيمي وبيروقراطي إلى طبيعته بوصفه "قوة مقاومة"، وجعل الأمن قائما بصورة أكبر على المشاركة الشعبية.
ويتفق خوش جشم مع هذه القراءة، ويعتقد أن التعيين قد يقود إلى توسيع هيكل الباسيج وتعزيزه، مع تركيز أكبر على المجالين الثقافي والإعلامي والتعبئة الاجتماعية، فضلا عن تغييرات في البعد الأمني مستفيدة من خبرة طائب الاستخباراتية.
وتظهر التعيينات، وفق قراءات الخبراء الثلاثة، مزيجا من الاستمرارية والتغيير، إذ ينتمي القادة الجدد إلى البنية العسكرية والأمنية القائمة، وتولى بعضهم مهامه بصورة مؤقتة خلال الحرب، لكن القرارات الجديدة تمنحهم تكليفات تتعلق بتسريع القيادة ورفع الجاهزية وتعزيز القدرة على المبادرة الهجومية.
ويظل ضيق الوقت التحدي الأبرز أمام القيادة الجديدة، إذ يتعين عليها تغيير هياكل القوات وتوسيع قدراتها وتعويض خسائرها بالتزامن مع إدارة حرب مستمرة، ومن دون امتلاك فترة انتقالية طويلة.
إقرأ المزيد


