الجزيرة.نت - 8/11/2026 2:32:46 AM - GMT (+3 )
مضت أكثر من ستة أشهر على اتفاق 29 يناير/كانون الثاني 2026، الذي وُقع بين الحكومة السورية وتنظيم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، ويقضي بإدماج هذا التنظيم بالجسد السوري على كافة المستويات الإدارية والعسكرية والأمنية، وانتقال عناصره ومؤسساته بصورة كاملة إلى مظلة الدولة السورية، وصولا إلى إعلان "قسد" حل نفسه بشكل نهائي.
غير أن تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع عن وجود بطء في تنفيذ الاتفاق، وأن الحكومة لا تزال تراهن على إنجاحه، واستكمال تطبيق بنوده، أثارت تساؤلات بشأن الرسائل التي أراد إيصالها، وحول أسباب تأخر "قسد" في الإعلان عن حل نفسه، والحيثيات التي تقف وراء ذلك.
وجاءت زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق، الذي كان له دور هام في التوصل إلى الاتفاق، كي تؤكد مضي الإدارة السورية في استكمال معالجة الوضع في شمال شرق البلاد عبر الحوار والتفاهمات السياسية، ومتابعة استكمال دمج مؤسسات قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية، ضمن مؤسسات الدولة، ومعالجة كافة الملفات العالقة.
تعكس تصريحات قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، رغبته في أن يتم الاندماج وفق شروط وضمانات وترتيبات تحفظ لها أكبر قدر ممكن من النفوذ السياسي والأمني، وتضمن لمقاتليها ومؤسساتها موقعا داخل البنية الجديدة للدولة
الوضع القائم
إذا ألقينا نظرة على خارطة الوضع القائم في منطقة شمال شرقي سوريا، فإنها تبدو مختلفة عما كانت عليه قبل الاتفاق، لكنها لم تصل بعد إلى نموذج الإدارة الموحدة الذي نصت عليه بنوده.
قطعت عملية الاندماج مرحلة هامة، وطالت ملفات أمنية وعسكرية ومدنية وإنسانية، ضمن مسار يستهدف إنهاء ازدواجية المؤسسات، وعودة سلطة الدولة وأجهزتها إلى ممارسة صلاحياتها في مختلف مناطق الجزيرة السورية.
وشملت الخطوات المنجزة إطلاق سراح معتقلين لدى الطرفين، وعودة مهجرين إلى مناطقهم، وتسليم مرافق عامة ونقاط عسكرية وحواجز إلى مؤسسات الدولة.
إعلان
غير أن مسار التنفيذ خلال الأشهر الستة الماضية أظهر تفاوتا في مستويات الدمج بين قطاع وآخر، واختلافا واضحا بين الملفات، حيث تقدمت القطاعات الخدمية بوتيرة أسرع، في حين بقيت ملفات أكثر تعقيدا مثل التربية والقضاء، والسجل المدني، والملفات المرتبطة بالسيادة، خارج إطار التسوية النهائية.
جرى خلال الأشهر الماضية تنفيذ بعض الخطوات، مثل عودة مؤسسات الدولة إلى مواقع في مدينتي الحسكة والقامشلي، وتسلم السلطات إدارة مطار القامشلي وبعض الحقول النفطية والمرافق العامة، إضافة إلى دمج عناصر وشخصيات عسكرية كردية في وزارة الدفاع، وتعيين مسؤولين محليين.
كما استعادت الإدارة السورية الجديدة حضورها في عدد من المؤسسات الخدمية والإدارية، وبدأت خطوات دمج في بعض المؤسسات التعليمية والخدمية، وتوحيد عمل المديريات العامة، وربطها بالوزارات المركزية، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية التي عملت بصورة منفصلة خلال السنوات السابقة.
وجرى دمج ما يقارب تسعة آلاف عنصر من قوات "الأسايش" (جهاز الشرطة والأمن الداخلي التابع للإدارة الذاتية) ضمن المؤسسات الأمنية الجديدة، وبدأت إعادة هيكلة عناصر "قسد" ضمن ثلاثة ألوية عسكرية، يجري التحضير لدمجها تدريجا داخل المؤسسة العسكرية السورية، وذلك في إطار إعادة تنظيم الجيش السوري على مستوى البلاد.
ولا تزال هناك ملفات تحتاج إلى تفاهمات إضافية، مثل آليات دمج العناصر العسكرية الجديدة وهيكليتها، وسلسلة القيادة، ومستقبل الإدارة المحلية في مناطق شمال شرق سوريا. فيما بقيت ملفات أكثر حساسية، مثل القضاء والتربية والجامعات والسجل المدني والموظفين، رهينة خلافات تتعلق بآليات التنفيذ، وحدود الصلاحيات، وشكل الإدارة المحلية.
بيد أن تأهيل المقاتلين عسكريا داخل الثكنات، وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، واستكمال بناء الإدارة الجديدة في مناطق شرقي الفرات، كلها خطوات ستستغرق وقتا قبل التوصل إلى صيغتها النهائية.
يرتبط نجاح الاتفاق بتجاوز أزمة الثقة بين الطرفين، ومعالجة الملفات الأكثر تعقيدا، خاصة أن أبرز العقبات تتمثل في ارتباط عدد من قيادات "قسد" بمرجعيات حزبية وتنظيمية خارج سوريا، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني
حيثيات التأخير
يبدو السؤال عن سبب عدم إعلان تنظيم "قسد" حل نفسه بسيطا، بالنظر إلى التحولات السياسية والعسكرية الكبيرة التي شهدتها سوريا، والتقدم الذي أحرزته الإدارة السورية بعد فقدان التنظيم معظم المناطق التي كان يسيطر عليها من قبل، لكنه ليس كذلك في العمق، كونه يتعلق بمجموعة من الحسابات السياسية والأمنية الداخلية والإقليمية والدولية.
وتعكس تصريحات قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، رغبته في أن يتم الاندماج وفق شروط وضمانات وترتيبات تحفظ لها أكبر قدر ممكن من النفوذ السياسي والأمني، وتضمن لمقاتليها ومؤسساتها موقعا داخل البنية الجديدة للدولة.
إذًا، لا يرتبط التأخير بخلافات على مبدأ الاتفاق، حيث تجاوز مسار التفاوض مرحلة النقاش في مبدأ حل "قسد"، وانتقل إلى تفاصيل التنفيذ، الأمر الذي يمثل بحد ذاته تحولا هاما في العلاقة بين الطرفين.
إعلان
لكن الحوار لا يزال يركز على كيفية استكمال ترتيب الأوضاع قبل إعلان إحدى أبرز محطات الاتفاق، المتمثلة في إنهاء البنية القائمة ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، حيث ترغب الحكومة السورية بأن لا تعلن هي هذا القرار، بل أن يصدر عن قيادة "قسد" نفسها، بغية المحافظة على الطابع التوافقي للاتفاق، وتجنبا لإظهاره وكأنه فُرض قسرا من طرفها، وبما يسهل خطوات تنفيذه، ويقلل من نشوء اعتراضات عليه داخل صفوف "قسد" و"الإدارة الذاتية".
تربط قيادات "قسد" الإعلان عن حل التنظيم باستكمال عدد من البنود التي تُعد جزءا من الاتفاق النهائي مع دمشق، وتتمثل في استكمال التعيينات الإدارية في محافظة الحسكة وريفها، وضمان انتقال تدريجي ومنظم للمؤسسات المدنية إلى الإدارة الجديدة، إضافة إلى استكمال عودة المهجرين إلى مناطق تل أبيض ورأس العين وعفرين، وذلك في إطار ما تعتبره ضمانات سياسية وإنسانية مرتبطة بالاتفاق.
يشي واقع الحال بأن قيادات "قسد" لا ترغب في الإسراع بإعلان حل نفسها، لأنها ستفقد أهم ورقة تفاوضية لديها قبل حسم تفاصيل المرحلة الانتقالية. ولذلك سعت إلى تنفيذ الاتفاق على مراحل، بحيث تضمن أولا مستقبل مقاتليها وقياداتها، وموقعها في المؤسسات الأمنية والعسكرية، قبل الانتقال إلى تفكيك بنيتها التنظيمية.
قد يكون الخيار السياسي هو الأمثل لقادة "قسد"، الذي يجسده سعي بعضهم إلى تأسيس حزب سياسي مدني يضم أطيافا متعددة، ويمنح المكون الكردي حضورا منظما في الحياة السياسية بعد إنهاء التنظيم العسكري و"الإدارة الذاتية"
هناك خشية لدى قيادة "قسد" من أن يفضي تنفيذ الاتفاق إلى تفكيك قواتها، وفقدانها القدرة على التأثير السياسي، وفقدانها الدعم الخارجي، لذلك تريد الوصول إلى صيغة تضمن حفاظ قواتها على قدر من التماسك والخصوصية المحلية، الأمر الذي يفسر الجدل حول تشكيل الألوية ومواقع انتشارها ومرجعيتها القيادية.
كما تربط مستقبلها بالقضية الكردية في سوريا، فيما اعتمدت الإدارة السورية الجديدة منذ سقوط نظام الأسد المخلوع خطابا واضحا يعتبر الأكراد مواطنين سوريين متساوين مع بقية المواطنين، ومكونا وطنيا واجتماعيا أصيلا، لا يمكن اختزال تمثيله في تنظيم عسكري أو حزب سياسي واحد، وبالتالي، اعتبرت الاتفاق مع "قسد" يتعلق بالخيارات السياسية والتنظيمية والعسكرية، ولا علاقة له بالأكراد السوريين وحقوقهم المشروعة كمواطنين سوريين.
وفق هذا التوجه، أصدر الرئيس الشرع في السادس عشر من يناير/كانون الثاني 2026، المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي أكد أن السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية. وقضى بمنح الجنسية السورية لجميع المواطنين الأكراد المقيمين في البلاد، واعتبر عيد "النيروز" عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء سوريا.
ما بعد "قسد"
تنظر قيادة "قسد" إلى الإعلان عن حل التنظيم من خلال المرحلة التي تليه، لذلك، تتطلع إلى أن يتيح لها التفاوض على الاندماج صفقة سياسية شاملة، وتراهن على إطالة عملية التنفيذ، على أمل حدوث تغيرات إقليمية أو دولية، بما يسمح لها بإعادة التفاوض من موقع مختلف. وهي مراهنة خاسرة، بالنظر إلى الاجماع الدولي على وحدة سوريا وسيادتها.
يرتبط نجاح الاتفاق بتجاوز أزمة الثقة بين الطرفين، ومعالجة الملفات الأكثر تعقيدا، خاصة أن أبرز العقبات تتمثل في ارتباط عدد من قيادات "قسد" بمرجعيات حزبية وتنظيمية خارج سوريا، وفي مقدمتها حزب العمال الكردستاني، الذي يتحرك ضمن شبكة تمتد إلى تركيا والعراق وإيران.
قد يكون الخيار السياسي هو الأمثل لقادة "قسد"، الذي يجسده سعي بعضهم إلى تأسيس حزب سياسي مدني يضم أطيافا متعددة، ويمنح المكون الكردي حضورا منظما في الحياة السياسية بعد إنهاء التنظيم العسكري و"الإدارة الذاتية". لكن هذا الخيار يواجه تحديات كثيرة، بالرغم من أنه يمكن أن يكون جزءا من تسوية الاندماج، شريطة عدم الارتباط بتنظيمات خارجية، وقبول قواعد التنافس السياسي، وعدم احتكار تمثيل الأكراد السوريين.
إعلان
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


