هل يدفع عبد العزيز الحلو فاتورة العنف بجنوب كردفان والتحالف مع الدعم السريع؟
الجزيرة.نت -

الخرطوم- بعد أسابيع من أعمال العنف في مناطق سيطرة الحركة الشعبية-شمال برئاسة عبد العزيز الحلو في ولاية جنوب كردفان جنوب غربي السودان، تدهورت الأوضاع الأمنية والإنسانية في محلية هيبان، وباتت الحركة تواجه تحديات يمكن أن تؤثر على مستقبلها العسكري والسياسي.

وكانت الحركة الشعبية-شمال جزءا من "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي أسسها جون قرنق في جنوب السودان في عقد الثمانينيات.

وفي فبراير/شباط 2011، قررت حركة قرنق فك الارتباط سياسيا وتنظيميا وإداريا وعسكريا مع الحركة بالشمال بعد انفصال جنوب السودان عن البلاد.

ورفعت الحركة الشعبية-شمال السلاح في وجه الحكومة الاتحادية في يونيو/حزيران 2011، وسيطرت على محليات البرام وأم دورين وهيبان وبعض الجيوب في محليات أخرى، ولا تزال.

ودارت معارك دامية بين الجيش والحركة التي كان يقودها مالك عقار قبل إقالته في مارس/آذار 2017، وتكليف نائبه عبد العزيز الحلو برئاستها.

وفي هذا التقرير، تستعرض الجزيرة نت التطورات الأمنية والإنسانية التي تشهدها مناطق سيطرة الحركة الشعبية وخاصة في منطقة كاودا بمحلية هيبان معقل الحركة العسكري والإداري والسياسي، والتداعيات المحتملة على مستقبل الحركة وزعيمها.

آثار أعمال العنف التي شهدتها محلية كاودا بمحلية هيبان (حساب جبال النوبة على فيسبوك)
ما الأسباب التي أدت إلى اندلاع أعمال العنف في محلية هيبان؟

بدأت الأحداث في مايو/أيار الماضي إثر نزاع حول ترسيم حدود بعض المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها منطقة "ديبي"، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة وسط قيادات وقواعد من قبيلة "الأطورو"، التي اعتبرت الخطوة انحيازا من قيادة الحركة الشعبية لصالح قبيلة الشواية على حساب حقوقها التاريخية.

ورفضت قيادات الأطورو نتائج عملية الترسيم، وهو ما دفع قيادة الحركة إلى اعتبار موقفها مخالفة للوائح التنظيمية والأوامر العسكرية، فأصدرت توجيهات باستدعاء عدد من الضباط والقيادات للتحقيق.

إعلان

بيد أن هؤلاء رفضوا المثول أمام الجهات المختصة، لتصنفهم قيادة الحركة لاحقا كمجموعة متمردة، الأمر الذي مهد لانفجار مواجهة عسكرية مفتوحة سرعان ما تجاوزت حدود الخلاف الإداري وتحولت إلى صراع مسلح هزّ معقل الحركة الشعبية في كاودا.

هل لقبيلة "الأطورو" تأثير داخل الحركة الشعبية؟ وهل لها حلفاء في مواجهة قيادة الحركة عسكريا؟

قبيلة الأطورو هي المكوّن الغالب في مناطق كاودا وكودي ودلامي وتلودي. ويُنظر إليها في معظم التصنيفات المحلية كأحد فروع "الكواليب"، أكبر المجموعات العرقية في جبال النوبة. كما لديها عدد مقدر من ضباط ومقاتلي الحركة الشعبية ويُعرف عنهم الشراسة في القتال.

وتصاعد تذمر أبناء هذه القبيلة وشكواهم من تغوّل عناصر موالية لعبد العزيز الحلو على أراضيهم، واستئثارها بأنشطة التنقيب والتعدين وجني الثروات، فيما ظلّ أهل الأرض محرومين من عائدات مواردهم، ما دفعهم لتأسيس مجموعة مسلحة مستقلة لكنها بلا هيكل حتى الآن.

ما موقف قيادة الحركة الشعبية الرسمي من الأحداث وكيف تعاطت معها؟

نفت الحركة الشعبية -في بيان- وجود أي استهداف قبلي، مؤكدة أن تعاملها يقتصر على المجموعة التي تمردت وشاركت في أحداث مقاطعة هيبان.

وأكد بيانها أنه لا مشكلة لديها مع مكوّن الأطورو باعتباره مكوّنا اجتماعيا، وأن ما يجري يقتصر على التعامل مع الأفراد الذين تمردوا، والذين شاركوا في إشعال هذه الأحداث واستمرارها.

كيف امتد العنف إلى "كاودا" معقل الحركة الشعبية؟ وإلى أين وصل؟

تكتسب منطقة كاودا مكانة تاريخية داخل الحركة الشعبية، إذ ظلت تمثل مركز الثقل السياسي والإداري والعسكري، ومنها تُدار مؤسسات الحركة ويوجد بها منازل عدد كبير من مسؤوليها وقياداتها العسكريين والسياسيين.

وبحسب حديث ضابط سابق -يقيم في المنطقة- للجزيرة نت، فإن ثوار الأطورو تمكنوا من بسط سيطرتهم على أجزاء واسعة من كاودا، إلى جانب مناطق جاوري وجبدي وإيرا وديبي، التي تضم مركز التدريب العسكري للحركة.

وتحتضن منطقة جبدي المعهد القومي للتدريب والتأهيل السياسي، وهو ما يمنح أي تغير في السيطرة على هذه المناطق دلالات تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة، الأمر الذي يجعل من هذه التطورات تحولا مهما في ميزان القوى داخل جبال النوبة.

هل تأثرت قيادات الحركة الشعبية في كاودا والمواطنون بالقتال في المنطقة؟

وفقا للمصادر ذاتها، فقد امتد القتال إلى تدمير عدد من المقار الحكومية ومنازل مسؤولين بارزين في الحركة الشعبية ما اضطرهم لعبور الحدود إلى جنوب السودان. كما تحدثت تقارير محلية عن عمليات حرق وتخريب طالت منشآت وممتلكات عامة وخاصة داخل المدينة.

وقالت شبكة أطباء السودان في وقت سابق، إن 61 مدنيا قُتلوا في أحداث العنف في كاودا، إلى جانب حرق منازل ومؤسسات ومقار منظمات مختلفة.

وتبادلت الأطراف المتصارعة اتهامات بشأن عمليات قتل وخطف وتدمير صاحبت المعارك، بينما انعكست الأزمة بصورة مأساوية على السكان المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة واحدة من أسوأ موجات النزوح التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة؛ حيث يُقدَّر عدد الفارين من القتال بنحو 30 ألفا حتى الأسبوع الماضي.

شبكة أطباء السودان قالت إن 61 مدنيا قُتلوا في أحداث العنف بمدينة كاودا (حساب جبال النوبة على فيسبوك)
ما المكاسب التي حققها مقاتلو قبيلة الأطورو منذ بداية الصراع؟

يوضح العضو السابق في مجلس التحرير القومي للحركة الشعبية "برلمان" عمار نميري أن ثوار الأطورو باتوا يسيطرون على مناطق إستراتيجية تشمل هيبان، والأزرق، وشارو بير، وكجامة، ومركز ألدو، وجبدي، وصولا إلى محيط مطار كاودا، ما دفع قيادات عسكرية وسياسية في الحركة الشعبية إلى مغادرة كاودا، ولفت إلى مشاورات جارية لنقل المقر الرئيسي للحركة إلى منطقة إيكيبان الحدودية بين لومون وأجرون والمورو.

إعلان

وكشف نميري عن وساطات قادها بعض قادة الحركة، من بينهم قائد أركان قواتها عزت كوكو لوقف القتال، لكنها قوبلت بالرفض من جانب الثوار الذين يتمسكون بـ:

  • إبعاد عبد العزيز الحلو عن قيادة الحركة.
  • ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
  • وتشكيل قيادة انتقالية جديدة تتولى إدارة المرحلة المقبلة.
هل ما حدث في محلية هيبان مرتبط بالاحتجاج القبلي فقط أم أن هناك عوامل أخرى؟

يرى مراقبون أن الأزمة الحالية تعكس تراكمات طويلة من الخلافات التنظيمية والقبلية والسياسية، فضلا عن الجدل الذي صاحب تحالف الحركة الشعبية مع قوات الدعم السريع منذ مارس/آذار 2025، وهو ما اعتبره معارضون داخل الحركة خروجا على بعض المرتكزات التاريخية والسياسية التي قامت عليها الحركة الشعبية.

وحسب منصات أبناء جبال النوبة في دول المهجر، فإن تحالفات الحلو الخارجية والسياسية أثارت تململا واسعا داخل أوساط قبيلة النوبة التي ترى أن أولوية الحركة يجب أن تركز على حماية المقاطعات التي يسيطرون عليها وحقوق مجتمعاتها المحلية بدلا من الدخول في محاور وصراعات إقليمية. ويعتقدون كذلك أن التحالف مع الدعم السريع أعاد الحرب لمناطقهم بعد سنوات من صمت المدافع.

هل تؤدي الأحداث الجارية بمناطق الحركة الشعبية في جنوب كردفان إلى عزل الحلو؟

تمثل قدرة المجموعات المناوئة من الأطورو والمقاتلين المنشقين على فرض سيطرتهم على مناطق واسعة في مدينة كاودا وإحراق مؤسسات تابعة للحركة ضربة رمزية وعسكرية لشرعية وهيبة قيادة الحلو في معقلها الرئيسي.

غير أن مراقبين يرون أن الحلو لديه سيطرة على الأجهزة الأمنية والقيادات العسكرية لقواته مما يجعل أي محاولة انقلاب داخلي أو عزل مؤسسي أمرا معقدا ومحفوفا بالمخاطر.

ورغم قوة مواقف الأطورو والمجموعات المنشقة، فإنها لا تمثل، برأي المحللين، حراكا موحدا لكل قبائل جبال النوبة حتى الآن، وتفتقر للغطاء السياسي والشعبي الذي يمكنه فرض بديل قيادي مباشر في المنطقة.

وإذا استمر تصاعد الأحداث وأعمال العنف -وفقا للمحللين- فقد لا يأتي عزل الحلو في صورة قرار تنظيمي، بل عبر انقسام جديد وتفكك الحركة الشعبية، ما يؤدي إلى فقدانه السيطرة الفعلية على جبال النوبة وتشكيل قيادات ميدانية مستقلة تُدير شؤون المناطق بعيدا عن رئاسته.



إقرأ المزيد