"كتيب المستبدين" في واشنطن.. ترمب يختبر أعصاب الدولة
الجزيرة.نت -

شغلت حرب إيران ومواجهات ترمب الخارجية واجهة ولايته الثانية، لكن داخل أمريكا كانت تدور معركة أخرى أقل ضجيجا وأعمق أثرا: معركة على شكل الدولة نفسها. فبين أجهزة رقابة تُنهك، ومؤسسات أمنية سابقة تدق ناقوس الخطر، وولايات تتصرف كأنها تعيش في اتحادات متوازية، تصور صحف غربية رئيسا يضغط على الحواجز التي وُضعت أصلا كي لا تتحول السلطة إلى إرادة رجل واحد.

من هذا الباب، تنقل فايننشال تايمز تحذيرات مسؤولين سابقين في الاستخبارات الأمريكية يرون أن ترمب يتبع في ولايته الثانية ما يشبه "كتيب المستبدين"، محذرين من أن الحواجز التي كانت تكبح السلطة التنفيذية تتعرض لتفكيك متدرج.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
حواجز السلطة

بحسب فايننشال تايمز، خرج القلق من داخل عالم الاستخبارات إلى العلن. فشبكة "ستيدي ستيت"، التي تضم أكثر من 400 مسؤول سابق في الاستخبارات والأمن القومي، والتي تهدف للدفاع عن سيادة القانون والديمقراطية، توسعت مع ولاية ترمب الثانية، لكن كثيرًا من أعضائها يفضلون البقاء مجهولين خوفًا من الانتقام.

وتنقل الصحيفة عن بول كولبي، وهو مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية، قوله إن المستبدين يتبعون أنماطًا متشابهة في الاستيلاء على السلطة واستخدامها، وإن ما يحدث في أمريكا اليوم له صدى في ذاكرته مع تلك الأنماط. أما مارك زيد المحامي المتخصص في الأمن القومي، فيقول إن "كل الحواجز أزيلت"، محذرًا من أن البلاد قد تكون اقتربت من أسوأ ما ينتظرها.

وتشير فايننشال تايمز إلى أن القلق ازداد بعدما استخدم ترمب خطابًا متلفزا ليزعم أن الصين تدخلت في انتخابات عام 2020، رغم أن تقريرًا للمجلس الوطني للاستخبارات عام 2021 لم يجد أي جهود من بكين للتدخل في التصويت. وترى مسؤولة سابقة في الاستخبارات، وفق الصحيفة، أن ترمب يستخدم وكالة الاستخبارات لتعزيز روايته السياسية خلافًا لما تعتقده المؤسسة نفسها.

احتجاج قرب مبنى الكابيتول في واشنطن دعمًا للموظفين الفدراليين ورفضًا لإجراءات ترمب (أسوشيتد برس)
رقابة منهكة

وفي مستوى آخر من تفكك الضوابط، تقول أتلانتيك إن منظمات رقابة النزاهة في واشنطن أصبحت تطارد سيلًا من القضايا حتى "بحّت أصواتها". وتبدأ المجلة من مأدبة أقامها ترمب لكبار المستثمرين في عملته الرقمية، بوصفها مثالًا لما يراه منتقدون تبادلًا للوصول إلى الرئيس مقابل المال، وتوجيهًا للأموال إلى ممتلكات مرتبطة به.

إعلان

وتوضح المجلة أن منظمات الرقابة ظنت أنها مستعدة لولاية ثانية بعد خبرة الولاية الأولى، لكنها وجدت نفسها أمام مستوى أكثر اتساعًا ووضوحًا. فالإدارة أقالت، خلال أيام من التنصيب، 17 مفتشا عاما، بينما عززت منظمات مثل "بابليك سيتيزن" و"كرو" و"كامبين ليغال سنتر" فرقها القانونية والبحثية، وبدأت تتتبع معاملات تصفها بأنها مشبوهة حتى لا يبتلعها "عامل الإرهاق" وفتور التغطية الإعلامية.

وتورد أتلانتيك أن ترمب حقق، بحسب نيويورك تايمز ، أرباحا بنحو 2.2 مليار دولار في العام الماضي، معظمها من صفقات العملات الرقمية، إلى جانب عائدات من تسويات قانونية وصفقات غولف وعقارات أجنبية. وتنقل المجلة عن متحدث باسم منظمة "كرو" أن الفارق في هذه الولاية هو أن الفصل بين ترمب الرئيس وترمب رجل الأعمال "اختفى".

صدام بين الشرطة ومحتجين في لوس أنجلوس؛ الانقسام السياسي في أمريكا لم يعد سجالا انتخابيا فقط (أسوشيتد برس)
انفصال ناعم

وفي مقال رأي في نيويورك تايمز، يقرأ الكاتب كورت أندرسن الأزمة من زاوية أخرى، حيث يصف أمريكا بأنها لا تعيش انفصالا رسميا ولا حربا أهلية، لكنها غرقت في ترتيب غريب يشبه زواجًا مريرًا فقد الثقة والحب، وبقي قائمًا لمجرد أن الطلاق معقد ومكلف ومخيف.

ويرى الكاتب أن الولايات الحمراء والزرقاء طورت، خلال السنوات الأخيرة، أدوات متزايدة لتعطيل بعضها بعضًا أو تعطيل الحكومة الفدرالية. فالمناطق الجمهورية قاومت سياسات السلاح والهجرة، ثم مع عودة ترمب بدأت ولايات ومدن ديمقراطية تقاوم سياسات اتحادية في الهجرة والإجهاض والمناخ والصحة العامة. ويسمي الكاتب هذا المسار "الفدرالية غير المتعاونة" أو "الانفصال الناعم".

لكن الفارق الأهم، وفق المقال، أن الرئيس الحالي لا يبدو ساعيًا إلى تخفيف الانقسام، بل إلى توسيعه؛ إذ يقول الكاتب إن ترمب أوضح مرارًا أنه سيكافئ الولايات والمدن التي صوتت له، ويعاقب من يعدّهم غير موالين.

انتخابات كحالة طوارئ

ومن تفكك الاتحاد الناعم إلى الخوف على الصندوق نفسه، تنقل غارديان مشهدًا لافتًا: كبار الديمقراطيين في مجلس الشيوخ يجلسون في غرفة بواشنطن لمحاكاة تهديدات محتملة لانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني. وتقول الصحيفة إن تشاك شومر وسيناتورات آخرين شاركوا في تمارين تناولت سيناريوهات مثل انتشار مقاطع مزيفة بالذكاء الاصطناعي تزعم وجود تزوير واسع، ثم تضخيمها عبر الإعلام اليميني والرئيس نفسه.

وتضيف الصحيفة أن التمارين شملت احتمالات أخرى: تهديد التمويل الفدرالي للولايات التي ترفض تسليم سجلات الناخبين، أو تحرك لجنة الاتصالات الفدرالية ضد وسائل إعلام تغطي المقاطع المزيفة، أو ظهور مسلحين عند صناديق الاقتراع، أو نشر عناصر من الأمن الداخلي والحرس الوطني في مراكز التصويت.

وبحسب غارديان، تأتي هذه المحاكاة على خلفية استمرار ترمب في ترديد مزاعم كاذبة عن انتخابات 2020، ودعوته إلى تمرير مشروع قانون "إنقاذ أمريكا"، الذي يحظر التصويت بالبريد على مستوى البلاد ويفرض متطلبات هوية جديدة على الناخبين.

لا تقدم هذه التغطيات صورة خلاف حزبي معتاد، بل صورة دولة تختبر حدود مؤسساتها. فالمسألة، كما تعرضها الصحف، لا تتعلق برئيس مثير للجدل فحسب، بل بمنظومة كاملة تتعرض للإنهاك.

إعلان



إقرأ المزيد