الجزيرة.نت - 8/9/2026 6:30:55 PM - GMT (+3 )
تخفي أعماق الأرض في بلدية تشونغتشينغ الصينية تجويفا هائلا يحتضن غابة كاملة فريدة من نوعها، استقطبت اهتمام علماء الجيولوجيا والأحياء على حد سواء، بفضل تاريخها الجيولوجي الفريد وتنوعها الحيوي الاستثنائي.
وعند النظر من الجو إلى التضاريس الكارستية – وهي تضاريس تشتهر بالحفر الانهدامية الضخمة والكهوف ذات المظاهر الاستثنائية، وتشكلت بفعل تآكل الذوبان المائي للصخور الكربوناتية على مدى ملايين السنين – في تشونغتشينغ، تبدو وكأن يدا عملاقة قد ثقبت سطح الأرض بثقب هائل.
وفي أسفل هذا الفراغ العمودي الغارق في الظلال، تخفي حفرة شياوتشاي تيانكنغ في أعماقها نظاما بيئيا متكاملا تحت الأرض وتنوعا حيويا استثنائيا نما في عزلة عن العالم الخارجي.
تقع حفرة شياوتشاي تيانكنغ في مقاطعة فنغجيه، على بعد نحو 250 كيلومترا شمال شرقي مدينة تشونغتشينغ، التي تشتهر بتكويناتها الكارستية الفريدة التي تشمل الحفر الانهدامية والأعمدة الصخرية والجسور الطبيعية، لدرجة أنها أُدرجت ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو.
ورغم أن السكان المحليين كانوا على دراية بالموقع منذ قرون، فإن علماء الجيولوجيا الصينيين لم يحددوا أبعاده بدقة إلا عام 1994.
ويشير اسم "شياوتشاي" إلى قرية صغيرة مهجورة كانت قائمة في المنطقة، في حين تُترجم كلمة "تيانكنغ" في اللغة الصينية الماندرينية إلى "الحفرة السماوية" أو "البئر السماوية"، وهي ظاهرة تُعرف في اللغة الإنجليزية باسم "الحفرة الانهدامية".
ويوضح مستكشف الكهوف البريطاني والرئيس السابق للجمعية البريطانية لاستكشاف الكهوف، أندي إيفيس، أن الحفر الانهدامية تعد من أكثر الظواهر الجيولوجية إثارة على سطح الأرض. وتحدث نتيجة ذوبان الصخور تحت سطح الأرض تدريجيا، مما يؤدي إلى انشقاقها وتشكل تجاويف وكهوف جوفية ضخمة غامضة، قد يبلغ حجمها حدا يسمح بابتلاع مركبات، وأحيانا مبان بأكملها.
إعلان
ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن "هذه التكوينات الجيولوجية النادرة تنتشر بصورة رئيسية في الصين والمكسيك وبابوا غينيا الجديدة، حيث تمثل سجلا طبيعيا مهما لتاريخ تطور التضاريس الكارستية، إذ تحتضن في كثير من الأحيان أنظمة بيئية معزولة وغنية بالتنوع الحيوي تكيفت مع ظروف تختلف جذريا عن البيئات المحيطة".
ويبلغ عمق حفرة "شياوتشاي تيانكنغ" الغامضة 626 مترا، وهو عمق يكفي لابتلاع قوس "غيتواي آرتش" الشهير في مدينة سانت لويس الأمريكية بالكامل تقريبا، بينما يصل عرضها إلى 527 مترا، ويُقدر حجم التجويف بنحو 120 مليون متر مكعب، أي ما يعادل تقريبا حجم 40 ألف مسبح أوليمبي.
ويضع الحجم الاستثنائي الحفرة الانهدامية العملاقة في مرتبة تتجاوز معظم الحفر المعروفة الأخرى حول العالم، ويجعلها واحدة من أكبر الحفر الانهدامية المعروفة على سطح الأرض، لتغدو تذكيرا بأن أجزاء واسعة من كوكب الأرض لا تزال تخفي كثيرا من الأسرار التي لم تُكتشف بعد.
كما أن أبعاد الحفرة تسمح نظريا باستيعاب برجي إيفل فوق بعضهما البعض داخلها، في حين أن فتحتها الواسعة تكفي لاستيعاب ما يعادل مرة ونصف المرة من سعة ساحة "أو2 أرينا" الشهيرة في لندن.
كيف نحتت الطبيعة "البئر السماوية"؟تشير التقديرات الجيولوجية إلى أن الانهيار الذي أدى إلى تشكل هذه الحفرة وقع قبل حوالي 128 ألف عام. فعلى مدى عشرات الآلاف من السنين، تسربت مياه الأمطار المشبعة بثاني أكسيد الكربون الجوي إلى طبقات الحجر الجيري المسامية تحت الأرض، فأذابت الحجر الجيري المسامي تدريجيا، ووسعت الشقوق والتجاويف داخلها.
وفي تفسيره لهذه العملية، يشرح أندي، الذي شارك في العديد من البعثات الاستكشافية الضخمة للكهوف حول العالم، مثل استكشاف متاهات الكهوف في بورنيو وكهوف الصين العملاقة، أن "المناظر الطبيعية الكارستية تتشكل أساسا بفعل ذوبان الصخور القاعدية، ولا سيما الحجر الجيري".
ويوضح أن "مياه الأمطار تكون حمضية بصورة طبيعية، لكنها تزداد حموضة تدريجيا عندما تلتقط ثاني أكسيد الكربون أثناء مرورها عبر التربة، لتتحول إلى عامل جيولوجي قادر على نحت الصخور عبر فترات زمنية طويلة".
ويضيف أن "هذه المياه تتسرب عبر الشقوق والفواصل الدقيقة الموجودة في الصخور، وتواصل جريانها ببطء عبر الفتحات الصغيرة في باطن الأرض، فتوسع تلك الشقوق تدريجيا وتحولها إلى ممرات وكهوف وفراغات جوفية متشابكة".
ويشير أندي الذي ترأس اتحاد استكشاف الكهوف الدولي، إلى أنه "مع استمرار هذه العملية، تكبر بعض حجرات الكهوف إلى درجة يصبح معها السقف الصخري غير قادر على تحمل وزنه، فينهار تدريجيا، لتتشكل على السطح حفرة انهدامية عملاقة مثل شياوتشاي تيانكنغ".
ولم تكن إذابة الحجر الجيري العامل الجيولوجي الوحيد وراء نشأة هذه الحفرة، فقد تزامنت مع تأثير عامل آخر لا يقل أهمية، تمثل في نهر جوفي كان يمتد لمسافة 8.5 كيلومترات، وواصل على مدى آلاف السنين نحت شبكة من الممرات والكهوف تُعرف باسم نظام كهوف ديفنغ، منحدرا بمقدار 364 مترا على طول مساره.
وأسهم هذا النحت المستمر في توسيع الفراغات الجوفية وإضعاف البنية الصخرية، إلى أن فقد السقف الصخري قدرته على حمل كتل الصخور التي تعلوه، فانهار تدريجيا، مفسحا المجال لظهور هذا التجويف العملاق على سطح الأرض.
إعلان
وتتميز الحفرة ببنية جيولوجية نادرة تتألف من مستويين، إذ تتدرج فوهة علوية واسعة ومحاطة بجروف عمودية شاهقة نحو تجويف سفلي أضيق، ما يمنحها شكلا يشبه الساعة الرملية.
وتشير هذه البنية إلى أن انهيار الأرض حدث على مرحلتين منفصلتين يفصل بينهما عدة آلاف من السنين، رغم أن التوقيت الدقيق لكل مرحلة لا يزال غير معروف.
ملاذ للتنوع الحيوي
في قاع الحفرة، يسود مناخ محلي بارد ورطب يهيئ ظروفا مناسبة لنمو غابة شبه استوائية ناضجة، رغم أن كمية محدودة فقط من ضوء الشمس تصل إلى الأعماق الغامضة.
وقد أتاح هذا الوسط المحمي ازدهار مجموعة مدهشة من الأشجار الشاهقة والحيوانات النادرة التي وجدت في هذه البيئة المعزولة ملاذا مناسبا للحياة.
وخلال موسم الأمطار، تتدفق المياه من حافة الحفرة في صورة شلال يصب داخل نهر يغذي النظام البيئي المزدهر في قاعها، ويوفر المياه اللازمة للنباتات والحيوانات التي تعيش هناك.
وقد أحصى علماء الطبيعة أكثر من 1200 نوع نباتي داخل الحفرة، من بينها شجرة الجنكة التي توصف غالبا بأنها "أحفورة حية" تعود أصولها التطورية إلى زمن الديناصورات، إلى جانب أنواع من السرخسيات والحزازيات التي تنفرد بها هذه البيئة.
كما تأوي المنطقة أيضا فهود الغيوم أو النمور الملطخة، وهي قطط برية تعيش في الأشجار وتتمتع بقدرة استثنائية على فتح فكيها بزاوية تصل إلى 100 درجة. ويشير وجود هذا الحيوان إلى استمرار اتصال بيئي بين الحفرة والغابات المحيطة بها ما يسمح بتبادل الكائنات الحية بينها.
وفي تعليقه على هذا التنوع الحيوي، يؤكد أندي أن الكهوف والحفر الكارستية تمثل في كثير من الأحيان ملاذات طبيعية للكائنات الحية، لأنها توفر بيئات مستقرة ومعزولة نسبيا عن تأثيرات العالم الخارجي.
ويضيف أن "هذه الظروف تهيئ الفرصة لبقاء أنواع نادرة واستمرار تطورها في عزلة لفترات طويلة، ولذلك لن أتفاجأ إذا تبين مستقبلا وجود أنواع نباتية أو حيوانية داخل هذه الحفر لم يسبق للعلم توثيقها أو وصفها رسميا".
ولتوضيح هذه الفكرة، يشير أندي إلى أحد الكهوف في غرب ولاية تكساس الأمريكية، حيث تنمو أنواع من السرخسيات الاستوائية بكثافة على نحو يبدو غير متوقع في تلك البيئة، موضحا أن "أبواغ هذه النباتات نقلتها الخفافيش المهاجرة التي تتحرك بين أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، قبل أن تستقر داخل الكهف، حيث وفرت لها الظروف المناخية المناسبة للنمو والاستمرار".
وفي مايو/أيار 2022، نزل فريق متخصص في استكشاف الكهوف إلى قاع إحدى الحفر الكارستية العملاقة في مقاطعة لييه في جنوب الصين، حيث اكتشفوا وجود 3 مداخل كهوف كبيرة داخلها يُعتقد أنها بقايا مراحل مبكرة من التطور الجيولوجي للحفرة، إلى جانب أشجار معمرة يصل ارتفاع بعضها إلى 40 مترا، تمد أغصانها نحو أشعة الشمس التي تتسلل عبر فتحة الحفرة من الأعلى.
مختبر طبيعي للنباتدرس الباحثون كذلك تأثير البيئة الجوفية في الغطاء النباتي داخل شياوتشاي تيانكنغ. وكشفت دراسة نُشرت في مجلة "تشينيز جورنال أوف بلانت إيكولوجي" (Chinese Journal of Plant Ecology) عن اختلافات ملحوظة بين النباتات التي تنمو في قاع الحفرة وتلك الموجودة على السطح.
ووفقا للدراسة، تحتوي أوراق النباتات التي تنمو في قاع الحفرة على نسب أعلى من النيتروجين والفوسفور والكالسيوم، في حين تظهر محتوى أقل من الكربون مقارنة بنظيراتها التي تنمو على السطح.
ويعكس هذا التركيب الكيميائي تكيفا مع بيئة فقيرة بالضوء لكنها غنية بالدبال والمواد العضوية المتحللة، التي تنقلها مياه الجريان السطحي أو تتراكم نتيجة تساقط الأوراق وبقايا المواد النباتية والحيوانية المتساقطة من الأعلى.
وتسمح السلطات المحلية حاليا بالسياحة المنظمة إلى الموقع ضمن ضوابط محددة. ومع ذلك، يواجه هذا الإرث الطبيعي تهديدات محتملة بسبب النشاط السياحي والبشري داخل المنطقة.
إعلان
وفي ختام حديثه، يعرب الخبير العالمي في استكشاف الكهوف عن مخاوفه من أن "زيادة النشاط البشري داخل الحفرة قد تعرض كائنات حية غير مكتشفة بعد للخطر"، محذرا من أن "الإخلال بهذا النظام البيئي المعزول قد يؤدي إلى فقدان أنواع لم تتح للعلم فرصة توثيقها أو وصفها رسميا، بما يهدد توازن أحد أكثر البيئات الطبيعية تفردا على كوكب الأرض".
إقرأ المزيد


