الجزيرة.نت - 8/9/2026 6:08:58 PM - GMT (+3 )
يمكن أن ترى طائر الفلامنجو أو النحام، كما يسمى في بعض الدول، خارج بيئته الطبيعية في مكان واحد فقط، هو حدائق الحيوان، التي تحاول خلق بيئة مشابهة لبيئة الطائر، حتى تكون إقامته هناك مريحة.
ومع حرص الحدائق على توفير تلك البيئة، التي يكون من أبرز اشتراطاتها المساحات الواسعة، فإن هناك قطاعاً ليس ببسيط من النشطاء المعنيين بالرفق بالحيوان يرفضون حتى هذا الوضع، لأسباب تتعلق بالطبيعة الخاصة لهذا الطائر الاجتماعي الذي يحب العيش في مستعمرات وأسراب كبيرة، لذلك لم يستوعب هؤلاء النشطاء وغيرهم رؤية اثنين من هذه الطيور، وقد وضعتهما شركة عقارية بمنطقة الساحل الشمالي في مصر داخل قفص زجاجي كشكل ديكوري في مشروعها الخاص بالمنطقة.
وبدأت إثارة تلك القضية، التي أحدثت جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي المصرية، بتعليق ظهر على حساب اسمه "أميكازو" بموقع التواصل الاجتماعي "إنستغرام"، حيث نشرت صاحبته التي يبدو من تدويناتها أنها ناشطة في مجال الرفق بالحيوان، صورا للطائر في القفص الزجاجي، متسائلة باستنكار بالغ عن اللمسة الجمالية التي كانت تسعى لها الشركة بتقييد حرية طيور مهاجرة بدون مياه أو أكل.
وأشارت إلى أن "الفلامنجو" لونه الطبيعي وردي، لذلك عندما تراه باللون الأبيض، كما في الصورة، فهذا يعني أنه لا يأكل بشكل جيد.
ومع حالة الغضب التي صاحبت نشر الصور ومطالبات بتدخل رسمي لتحرير الطيور من الأسر ومعاقبة الشركة، أصدرت الشركة بيانا لتبرئة ساحتها من هذا المشهد القاسي، أشارت فيه إلى أن ما تم تصويره على أنه مكانٌ للاحتجاز، هو في حقيقته مأوى مؤقت تم تخصيصه لإقامة تلك الطيور التي وصلت إلى الشاطئ الخاص بالمشروع بشكل طبيعي، وكانت تبدو عليها علامات الإجهاد والإنهاك، مشيرة إلى أنه تم إطلاق سراحها بعد تقديم الرعاية الكافية.
ولم يغلق بيان الشركة هذا الملف البيئي، إذ عاد ناشطون، ونشروا صوراً لطائري فلامنجو وقد تم قص ريشهما وأصبحا غير قادرين على الطيران، وأحدهما مصاب بجرح واضح، قائلين باستنكار إن "هذه هي الطيور التي تم إطلاق سراحها بعد تأهيلها".
وأشار هؤلاء النشطاء إلى أنه حتى تتمكن الشركة من تحويل تلك الطيور المحبة للهجرة إلى قطعة ديكور، كان ينبغي عليها أن تقوم بقص ريشها، وهو ما أفقدها القدرة على الطيران.
إعلان
ويعني نزع الريش، فقدان القوة الدافعة التي تساعد على الإقلاع، وتحتاج الطيور لفترة من الوقت حتى يمكنها استعادته خلال عملية تبديل الريش، لذلك قد تكون عدم القدرة على الطيران مؤقتة.
ولأن الطيران يمثل سلوكا طبيعيا و احتياجا أساسيا لدى كثير من الطيور، تنص إرشادات الجمعية البريطانية البيطرية لعلوم الحيوان، على أنه لا ينبغي تقييد قدرتها على الطيران لأسباب جمالية أو كإجراء روتيني، وإنما يجب أن يكون أي قرار بمنع الطيران قائما على تقييم فردي يراعي نوع الطائر وسلوكه الطبيعي ومرحلة حياته وظروف إيوائه.
وأعطت العديد من الدراسات ظروف الإيواء أهمية تفوق أي أجراء سلبي حتى لو كان نزع الريش، وآخرها دراسة نشرتها دورية "أنيملز" (Animals).
وخلال تلك الدراسة قسم الباحثون 151 طائرا من الفلامنجو إلى ثلاث مجموعات وفق قدرتها على الطيران، وهي: طيور جرى تجنيحها ومنعت من الطيران، وطيور قُص ريش أجنحتها، وأخرى ظلت قادرة على الطيران بصورة طبيعية.
وكانت الفرضية الأساسية للدراسة، أن الطيور التي حُرمت من الطيران ستظهر مستويات مختلفة من "الكورتيكوستيرون" في الريش، مقارنة بأقرانها القادرة على الطيران.
و"الكورتيكوستيرون"، أحد المؤشرات التي يمكن استخدامها لدراسة استجابة الطيور للضغط والإجهاد خلال الفترة التي ينمو فيها الريش.
وكانت المفاجأة أن الباحثين لم يجدوا فروقا ذات دلالة إحصائية في مستويات "الكورتيكوستيرون" في الريش بين المجموعات الثلاث، لكن الدراسة كشفت في الوقت نفسه عن نتيجة لافتة تتعلق ببيئة احتجاز الطيور نفسها، فقد تبين أن المؤسسة التي يعيش فيها الطائر، أي ظروف الإيواء والرعاية، كانت المتغير الأكثر تأثيرا في مستويات "الكورتيكوستيرون"، إذ فسرت الاختلافات بين المؤسسات نحو 53.82% من التباين في النتائج.
ويشير ذلك إلى أن ظروف الحياة التي توفرها المؤسسة للفلامنجو، وليس فقط قدرته على الطيران من عدمها، قد تكون عاملا أكثر أهمية عند تقييم بعض مؤشرات رفاهيته.
حكم بالموت البطيء
ويعلق الدكتور عمر الشيخلي، الأستاذ بكلية العلوم في جامعة بغداد في تصريحات للجزيرة نت، على مشهد القفص الزجاجي، موضحا أنه "لا يحقق بأي حال من الأحوال، أدنى اشتراطات الظروف الملائمة للإيواء، حتى وإن وضع بداخله الطعام والماء".
وأحد أبرز الاشتراطات، وجود مساحة واسعة تسمح بالحركة، إذ يشير عمر إلى أن هذه الطيور تستخدم المساحات بصورة مدروسة تختلف باختلاف الموسم والوقت من اليوم والمناخ.
وتابعت دراسة طويلة الأمد أجريت على خمسة أسراب من الفلامنجو في مركز "سليـمبريدج للأراضي الرطبة"، التابع لصندوق الطيور البرية والأراضي الرطبة البريطاني، استخدام الطائر للمساحات، ووجدت الدراسة المنشورة في دورية "أبلايد أنيمل بيهيفيور ساينس" (Applied Animal Behaviour Science) أن المساحات الكبيرة تمنحه خيارات أكبر بشأن المكان الذي يؤدي فيه السلوكيات المختلفة، مثل البحث عن الغذاء وتنظيف الريش والراحة.
ويرتبط بالشرط السابق، أن تكون المساحة متضمنة مسطحا مائيا مناسبا يسمح له بالاستحمام والحركة والبحث عن الغذاء.
إعلان
ويقول عمر إن "الماء في مراكز الإيواء ليس عنصرا ديكوريا، بل إن وجوده يرتبط بزيادة السلوكيات النشطة".
وأكدت نفس الدراسة المنشورة في دورية "أبلايد أنيمل بيهيفيور ساينس" هذه الحقيقة، إذ قارنت النشاط الذي تؤديه الطيور عندما تكون في الماء بالنشاط الذي تؤديه على اليابسة، ووجدت أن السلوك النشط كان أعلى عندما تستخدم الفلامنجو المسابح.
ومن الشروط الأخرى، التي يشير إليها عمر، هي ضرورة "إيوائه في مجموعة اجتماعية"، إذ إن الفلامنجو من الطيور شديدة الاجتماعية، ولذلك فإن إيواء فرد منفرد أو اثنين في مساحة صغيرة لا يعكس نمط حياته الطبيعي.
ويستند هذا الشرط إلى العديد من الدراسات، كان أحدثها دراسة نشرت بدورية "زو بايولوجي" (Zoo Biology)، تابعت 41 طائر في حديقة حيوان بريستول، حيث وجدت أن العلاقات الاجتماعية بين الطيور ذات أهمية بالغة، إذ لم تكن عشوائية، بل كانت تتميز بنمط واضح، وهو تكوين روابط أقوى مع أفراد من الأعمار المتقاربة.
ويخلص عمر من ذلك إلى القول إن "وضع الفلامنجو في قفص زجاجي، حيث المساحة الضيقة وغياب الماء والحرمان من التفاعل الاجتماعي، هو بمثابة حكما بالموت البطيء على الطائر".
طيور يحميها القانونويتفق عمر مع ما ذهب إليه النشطاء من أهمية معاقبة الشركة العقارية على سلوكها المخالف للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر وتحمي الطيور المهاجرة، مثل اتفاقيتي الأنواع المهاجرة (CMS) والطيور المائية المهاجرة الأفريقية-الأوراسية (AEWA).
وتدعو هذه الاتفاقيات الدولية إلى التعاون لحماية الأنواع المهاجرة وموائلها، خصوصا مناطق التكاثر والتغذية والتوقف أثناء الهجرة، ويترتب على الانضمام لها صياغة قوانين محلية تحظر صيد واقتناء هذه الطيور، وترتب هذه القوانين عقوبات على القيام بهذه السلوكيات.
ويقول عمر إنه "إذا كانت هذه الاتفاقيات تضع قيود مشددة واشتراطات صعبة للغاية على اقتناء تلك الطيور في حدائق الحيوانات من أجل التعليم، والبحث، والتكاثر، وإعادة التوطين، رغم ما توفره من ظروف إيواء مناسبة، فالأولى أن يتم مواجهة مشهد القفص الزجاجي بعقوبات مشددة تمنع تكراره".
إقرأ المزيد


