الفيضانات تهدد نواكشوط.. هل من حل للمشكلة الكبيرة؟
الجزيرة.نت -

ليست الفيضانات التي تشهدها العاصمة الموريتانية خلال مواسم الأمطار مجرد أحداث موسمية عابرة، بل باتت، وفق دراسات علمية حديثة، مؤشرا على هشاشة بيئية تتفاقم مع تغير المناخ والتوسع العمراني السريع.

ففي مدينة تتوسط المحيط الأطلسي من الغرب والصحراء الكبرى من الشرق، تتقاطع أخطار البحر والرمال لتضع نواكشوط أمام تحديات غير مسبوقة، يصفها باحثون بأنها من أكثر التحديات تعقيدا التي تواجه المدن الساحلية في غرب أفريقيا.

هذا الواقع سلطت الضوء عليه دراسة نشرتها مجلة "جورنال أوف لاند آند ووتر ديفيلوبمنت" في يونيو/حزيران 2026، بعدما رصدت اتساعا متسارعا للمناطق المعرضة للفيضانات داخل العاصمة خلال العقود الثلاثة الماضية، محذرة من أن استمرار الضغوط المناخية والهيدرولوجية والعمرانية قد يزيد من هشاشة المدينة ما لم تعزز سياسات التكيف والتخطيط الحضري.

ارتفاع معدلات الفيضانات مشكلة كبيرة تهدد الكثير من الدول (أسوشيتد برس)
50 ضعفا خلال 3 عقود

اعتمد الباحثون على تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات الهيدرولوجية للفترة الممتدة بين عامي 1994 و2024، وأظهرت النتائج أن مساحة المناطق المتأثرة بالفيضانات ارتفعت من 0.07% عام 1994 إلى 3.96% عام 2024، أي بزيادة تقارب 50 ضعفا خلال 30 عاما.

ولا تعزو الدراسة هذا التطور إلى تغير المناخ وحده، بل تربطه أيضا بارتفاع منسوب المياه الجوفية، وضعف تصريف مياه الأمطار، والتوسع العمراني في المناطق المنخفضة، إلى جانب الخصائص الطبيعية للمدينة التي أُنشئت فوق سهل ساحلي منخفض.

وتبين الدراسة أن أحياء مثل السبخة والميناء تقع أجزاء منها عند مستوى سطح البحر أو دونه، مما يجعلها أكثر عرضة للفيضانات والغمر وارتفاع المياه الجوفية، في وقت أوصى فيه الباحثون بإعادة توجيه التخطيط الحضري بعيدا عن المناطق الأكثر هشاشة، وتحسين البنية التحتية الخاصة بتصريف المياه.

إعلان

ولا يقتصر القلق على اتساع رقعة الفيضانات، إذ تشير أحدث القراءات البيئية إلى أن هشاشة نواكشوط ترتبط أيضا بطبيعة موقعها الجغرافي.

ووفق قراءة تحليلية أعدتها هناء ديدي بونعامة، خبيرة الحوكمة البيئية والاجتماعية بموريتانيا، فإن نحو 60% من مساحة العاصمة تقع على ارتفاع يقل عن متر واحد فوق مستوى سطح البحر، وهو ما يجعل أي تغير في مستوى البحر أو اختراق للحاجز الرملي الساحلي ينعكس مباشرة على سلامة المدينة وسكانها.

مدينة بين خطرين

ويقول المدير العام للمرصد الوطني للبيئة والساحل في موريتانيا، الدكتور محمد يحيى الأفضل الشاه، إن توصيف التحديات التي تواجه نواكشوط لا يكتمل إذا اقتصر على خطر ارتفاع مستوى البحر.

ويضيف الشاه -في تصريح للجزيرة نت- أن العاصمة تواجه ضغطا بيئيا مزدوجا يتمثل في تهديدات المحيط الأطلسي من جهة، والتصحر وزحف الرمال من جهة أخرى، وهو ما يجعلها في مواجهة متزامنة مع الفيضانات الساحلية، وتآكل الشريط الساحلي، وارتفاع منسوب المياه الجوفية المالحة، إضافة إلى الكثبان الرملية التي تزحف تدريجيا نحو المناطق العمرانية.

ويحذر من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى زيادة ملوحة المياه الجوفية، وتضرر البنية التحتية، وارتفاع كلفة حماية المدينة، مؤكدا أن مستقبل نواكشوط لن تحدده التحديات البيئية وحدها، وإنما سرعة الاستجابة لها.

ويشير الخبير ذاته إلى أن المرصد الوطني للبيئة والساحل يعمل على تطوير أنظمة الرصد البيئي وإنتاج البيانات العلمية التي تساعد السلطات في صياغة سياسات أكثر فعالية للتكيف مع تغير المناخ.

الحاجز الرملي.. خط الدفاع الأول

من جانبه، يرى المهندس الاستشاري والخبير في إدارة المشاريع الهندسية وقطاع الطاقة علي سالم ولد السالك أن هشاشة نواكشوط ترتبط أيضا بخصوصيتها الجغرافية، إذ شيدت داخل منخفض ساحلي يعرف محليا باسم "أفطوط"، وهو ما يجعل أجزاء منها معرضة بطبيعتها لتجمع المياه حتى في الظروف المناخية الاعتيادية.

ويضيف، في تصريح للجزيرة نت، أن المدينة اعتمدت تاريخيا على الحاجز الرملي الطبيعي المعروف باسم "الزبار" بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة مياه الأطلسي، بيد أن هذا الحاجز تراجع تدريجيا بفعل العوامل الطبيعية والأنشطة البشرية، لا سيما الاستغلال المكثف للرمال الساحلية، الأمر الذي استدعى إطلاق مشاريع لإعادة تأهيله وتعزيز قدرته على الحد من أخطار الغمر البحري.

ويؤكد سالم أن السيناريوهات التي تحدثت عنها بعض الدراسات السابقة بشأن احتمال غمر أجزاء واسعة من العاصمة كانت دراسات استشرافية هدفت إلى تقدير حجم المخاطر في حال غياب إجراءات الحماية، وليست توقعات حتمية، مشيرا إلى أن مشاريع الحماية الساحلية وتحسين شبكات الصرف أسهمت في خفض مستوى المخاطر، لكنها لم تلغ الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في إجراءات التكيف.

وتوضح الخبيرة هناء بونعامة للجزيرة نت أن الحزام الرملي لم يعد مجرد تكوين طبيعي، بل أصبح يمثل خط الدفاع الإستراتيجي الأول للعاصمة.

وتلفت إلى أن التحليلات المكانية الحديثة رصدت 21 فتحة حرجة في هذا الحاجز، نتجت عن تداخل آثار تغير المناخ مع الضغوط البشرية، لا سيما استغلال الرمال الساحلية، الأمر الذي دفع السلطات إلى إطلاق مشروع لإعادة تأهيله، يشمل في مرحلته الأولى إصلاح 15 فتحة وتعزيز ارتفاع الحاجز ليتراوح بين 3.35 و5.59 أمتار لمواجهة السيناريوهات المستقبلية لارتفاع مستوى البحر.

المياه الجوفية.. الخطر غير المرئي

وتتوافق نتائج الدراسة المنشورة عام 2026 مع دراسة علمية سابقة نشرت عام 2017 حول تأثير التغير المناخي والأنشطة البشرية على المياه الجوفية في نواكشوط، خلصت إلى أن ارتفاع منسوب المياه الجوفية يعود إلى تداخل عوامل عدة، من بينها النمو الحضري المتسارع، وزيادة إمدادات المياه، وضعف شبكات الصرف، إلى جانب الطبيعة المنخفضة للمدينة.

إعلان

وتحذر الدراسة من أن ارتفاع المياه الجوفية لا يقتصر أثره على زيادة احتمالات الفيضانات، بل يمتد إلى تملح التربة، وإضعاف البنية التحتية، وتهديد الصحة العامة، خصوصا في الأحياء الأكثر انخفاضا.

وترى بونعامة أن التحديات الهيدرولوجية في نواكشوط لا تقتصر على ارتفاع المياه الجوفية، بل تشمل أيضا معضلة متناقضة تتمثل في العجز في إمدادات مياه الشرب.

وتشير إلى أن الطلب اليومي على المياه بلغ نحو 150 ألف متر مكعب، مقابل إنتاج يراوح بين 50 و60 ألف متر مكعب يوميا، ما دفع السلطات إلى إطلاق مشاريع لتوسعة حقل "إدني" المائي والتخطيط لتحلية مياه البحر، مع التحذير من أن زيادة الإمدادات دون استكمال شبكات الصرف قد تؤدي إلى تفاقم مشكلة المياه الجوفية مستقبلا.

من إدارة الكوارث إلى إدارة المخاطر

وتشير آراء الخبراء إلى أن مستقبل نواكشوط لن يتحدد بارتفاع مستوى البحر وحده، بل بقدرة المدينة على الانتقال من التعامل مع الكوارث بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل حدوثها.

ويشمل ذلك دمج المخاطر المناخية في التخطيط العمراني، وحماية الحاجز الرملي الطبيعي، وتوسيع الأحزمة الخضراء للحد من زحف الرمال، وتطوير شبكات تصريف مياه الأمطار، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر تعتمد على الرصد العلمي المستمر.

ورغم أن السيناريوهات الأكثر تشاؤما التي طُرحت قبل أكثر من عقد لم تتحقق حتى اليوم، فإن المؤشرات العلمية الحديثة تؤكد أن نواكشوط لا تزال من أكثر العواصم الساحلية هشاشة في غرب أفريقيا، وأن نجاحها في مواجهة تحديات العقود المقبلة سيعتمد على مدى قدرتها على تحويل المعرفة العلمية إلى سياسات واستثمارات تعزز مرونتها في مواجهة تغير المناخ.

وترى الخبيرة هناء بونعامة أن نجاح نواكشوط في التكيف مع تغير المناخ لن يتوقف على الحلول الهندسية وحدها، بل على بناء منظومة حوكمة بيئية أكثر تكاملا. وتوضح أن مشاريع حماية الساحل تحظى بتمويل ودعم دوليين، غير أن تحديات مثل التصحر، والعجز المائي، والتوسع العمراني غير المنظم، لا تزال تتطلب تنسيقا أكبر بين المؤسسات، وربط التخطيط الحضري بخرائط المخاطر المناخية والهيدرولوجية، ومنع التوسع في المناطق الأكثر عرضة للفيضانات وارتفاع المياه الجوفية.



إقرأ المزيد